نبذة عن العملية ودواعيها

لأول مرَّة وفي حدثٍ طبيٍّ عظيم تمَّت زراعة قلب خنزير في صدر ديفيد بينيت ذي السبعة وخمسين عامًا، والذي كان يعاني من مرض قلبي سيتسبب في موتٍ حتميٍّ له، فما كان أمامه إلا المجازفة بهذه التجربة التي قد نجحت لحد الآن بعد مرور ما يقارب أسبوعًا على انتهائها، لقد تم استنساخ هذا الخنزير بتعديلات وراثية ملائمة لعملية نقل قلبه إلى جسد الإنسان؛ إذ تم تعطيل بعد الجينات التي تسمح بنمو قلب الخنزير وتضخم حجمه بعد عملية الزراعة، وجينات أخرى تُسبب استجابة مناعية عدائية تساهم في فشل هذه العملية، كما تمت إضافة ست جينات بشرية إلى هذا الخنزير حتى يتقبل جسد الإنسان قلبه، ومع ما تكشفه لنا الإحصائيات حول وفاة 18 مليون إنسان سنويًّا؛ بسبب حاجتهم لعملية زرع الأعضاء فلا بد من أنَّ هذه العملية تعد خطوة عظيمة في العلم، وخدمة حياة الإنسان، إذ نكون قد وجدنا بديلًا متاحًا لأعضاء الإنسان دون الحاجة إلى انتظار إيجاد متبرع ربما يموت المرضى دون تحصيله.

إطالة الأعمار وتجديد القلوب

لقد اعتدنا على اعتبار أن العلم مُسخَّر لخدمة البشرية، رغم ما نراه من استخدامات مسيئة له مثل؛ اختراعات الأسلحة، ومختبرات المفاعلات النووية، وصناعة الأمراض الفيروسية ونشرها في البلدان؛ إلا أننا لم نزل إيجابيين في نظرتنا للعلم خاصةً في ما يتعلق بالجانب الطبي، وما وصل إليه من تطور يخفف من معاناة الإنسانية من الأمراض ويطيل أعمار البشر عن طريق نقل الأعضاء بين جسد وآخر، بغض النظر عن فصيلة الجسد المنقول منه بما أنَّ الحيوانات أصبحت متاحة الآن لتقديم هذه الخدمة للبشرية أيضًا.

إنَّ متوسط البقاء على قيد الحياة بعد عملية زرع القلب من إنسان لآخر هو 12.5 من السنوات، في حين تم تسجيل أطول مدة للبقاء على قيد الحياة لمريض تمت زراعة قلب له هي 29 سنة و5 أشهر، ولكن فيما يتعلق بطول مدة عمل قلب الخنزير في صدر الإنسان لم تزل قيد الدراسة؛ بسبب أنَّها العملية الأولى من نوعها، ولكن لنا أن نتخيل إذا تشابهت نسب البقاء أحياء بعد عملية الزرع هذه، وفي كل مرة يفشل فيها قلب الخنزير يتم استبداله سيصير حينها الإنسان جهازًا تتغير بطارياته كلما فرغت إلى أن يتعطل المحرك الأساسي ويموت.

هل إطالة عمر الإنسان في الأساس فكرة نبيلة يُحمد العلم عليها، في ظل هذا التضخم المؤدي إلى التلوث والاكتظاظ في الطرقات والمؤسسات وعلى مصادر الموارد، مشعلًا الحروب والمجاعات، ومحولًا الكوكب إلى مدينة صينية ضيقة، هل العالم اليوم يمنح البشرية أسبابًا كافية تدفعها للدفاع عن الحياة والاستمرار بها؟ إن كانت الحياة غريزة في الإنسان فما الذي يدفع الكثيرين مما فقدوا الأسباب إلى الخروج منها، هل هو الخوف من طريق الموت؟ أم الأمل الذي سأقول عنه زائفًا في أن يمنحهم العالم شيئًا عظيمًا في أحد الأيام لا يأسفون بعده على تحمُّل الخيبة طويلًا؟ فلنقل إنَّ الإنسان مخلوق طموح قاده وعيه إلى تحمُّل الحاضر والتعويل كثيرًا على الغيب وعطاياه، فرغب في الحياة واستبدل قلبه التالف منها بقلب خنزير معدَّل، فما الذي سيحمله في نفسه تجاه الخنازير الأخرى في الحظائر هل سيشعر بصلة قرابة معها لا علاقة لها بالتطور بقدر ما هي علاقة بالدم واللحم؟! هل سيوقر الخنازير لاعتقاده أنّها قدَّمت أحد أبناءها للموت لأجل أن ينعم هو بالحياة، على افتراض أنَّ الحياة فسحة للنعيم؟

ما الذي نأخذه من قلب الخنزير

قد نجد العديد من الناس ممن يؤمنون بأنَّ القلب أداة للشعور معلِّلين ذلك بالآلام الصدرية التي نشعر بها عند الصدمات النفسية والأحزان، وهناك من يعتقد بأنَّ القلب يحمل ذاكرة صاحبه إلى جانب الدماغ، مستدلين على ذلك بتجارب المرضى الذين تمت زراعة قلب لهم، فأصبحوا يشعرون بعواطف غريبة تجاه أشياء لم يكونوا يملكون معها أية روابط، عائدين بالأسباب أنَّ الميت صاحب القلب الأصلي كان يحب هاته الأشياء، ولأنَّ القلب له ذاكرة شعورية، فإنَّ هذه العواطف لازمت صاحب القلب الجديد.

يؤكد العلم أنَّ ما يخرج به النَّاس من إعطاء القلب مهارات تتعدى عمله الرئيس في ضخ الدم يعدُّ زيفًا وأمرًا غير علميٍّ البتة، ذلك أنَّ وظيفة القلب لا تتعدى كونه مضخةً للدم، فيستقبل القلب الدم غير المؤكسج، ويبعثه إلى الرئتين، ليستقبله فيما بعد من الرئتين ويضخه بالشرايين، وعند هذا الحد تنتهي مهمة هذه المضخة العظيمة.

أتساءل كيف سيتعامل الناس الذي يحملون اعتقادات حول ذاكرة القلب، وقدرات القلب الشعورية مع المريض الذي يُزرع له قلب خنزير؟ هل سيعتقدون أنَّ هذا الشخص سيذهب يوميًّا لكي يشتم رائحة الطين والشعير في الحظيرة؛ لما يحملانه من ذكريات طفولة مليئة باللهو الملوث بالطين، ومناداة الأم الخنزيرة الكبرى للاجتماع حول سطل الشعير الذي أعدته بنفسها؟ أيثور الإنسان الذي زُرع له قلب الخنزير بلافتات تتهم الإنسان بالهجوم الشرس على الخنازير في مواسم الأعياد وذبحها وسلخها وأكل أحشائها في كامل البرود واللامبالاة بالآلام التي يسببها هذا الإنسان للخنازير وله بالتحديد؟ إذ إنَّ الأصيل لا ينسى بني جنسه ويشعر بالتضامن معهم في مثل هذه المذابح الجماعية التي تخلو من الشفقة؟!

أعتقد أنَّه إذا ما نجحت عملية زراعة قلب الخنزير هذه واستفاد منها البشر بشكل كبير وصولًا للعالم العربي، فستكون شديدة السرية، لحساسية هذا الحيوان تحديدًا في العقلية العربية، فهو نجس ومحرَّم أكله دينيًّا، ومَعْرَضٌ للشتائم في جميع المناسبات التي يراد بها إهانة أحدهم، كما أنَّه مادة زخمة لرسامي الكاريكاتير إذا ما أحبوا وصف وجه الدكتاتور أو الفاسد أو الشخص محل الازدراء؛ لذلك فعلى العربي الذي أراد العيش مجبورًا على قلب الخنزير في جوفه، أن يكتم سره ويهاجر إذا انفضح؛ لأنَّ الناس إذا ما علموا بالأمر ترصدوا ظهور التحوُّل الشكلي للمريض الذي زُرع له القلب إلى وجه الخنزير، وقد ينتظرون منه نمو الحوافر على المدى البعيد.

الرأي الديني الذي يمنع أكل الخنزير

يُحرِّم الدين أكل لحم الخنزير بوصفه مصدرًا للأذى والنجاسة، ولكثرة البدائل التي من الممكن للإنسان أن يعيش بأكلها دون الحاجة إلى الخنزير لم يتأذَ المسلمون بهذا التحريم، ولكن بالنسبة لجهازنا التنفسي الذي قد يقتلنا أي عطل يصيبه، وللتشابه العالي الذي أوجده العلماء بيننا وبين الخنازير جينيًّا، مما يسمح من خلال القليل من التعديلات الوراثية الاستفادة من أعضاء هذا الحيوان للجسم الإنسان فقد تعرَّض المسلمون بأسئلة الزرع هذه لعلماء الدين، وأذكر منها حاجة مريض إلى زراعة شريان قلبي من خنزير، وبوصفه حيوانًا نجسًا، وليس من بهيمة الأنعام التي يسهل تحليلها، فاجتهد المفتون أنَّه، إذا لم يكن هناك من بديل فلا ضير من إجراء العملية، مستشهدين بـ«تداووا فإنَّ الله لم ينزل داءً إلا وقد أنزل له شفاء ‏غير داء واحد الهرم» رواه الأربعة إلا النسائي، فإن لم يجد المسلم بديلًا يقوم مقام الحيوان النجس فلا حرج في الزراعة: قال تعالى «فمن اضطر غير ‏باغ ولا عاد فلا إثم عليه» [البقرة:173].‏ بذا نستنتج أنَّ دخول أعضاء الخنزير إلى جسدنا عبر جهازنا الهضمي الذي يأخذ المفيد من المأكول ويصرف الباقي إلى خارج الجسم هو أمر محرَّم، ويوجد من البدائل ما يعوِّض عن أكله، ولكن استقرار أعضاء هذا الحيوان النجس في أحشائنا، إن لم يكن هناك من بديلٍ لذلك فهو أمرٌ مباح، ولا ضير من اللجوء إليه للحفاظ على حياة المسلم الذي عاش عمره يحتقر ويشتم هذا الكائن الذي يوضع الآن في سلم أولويات العلماء للدراسة والبحث، وسيترشح عما قريب لأكثر حيوانٍ يخدم البشرية؛ فنحن الذين عشنا عمرنا نفخر بكوننا لسنا من أبناء القردة والخنازير، ربما ستتبدل الأيام ونحتاج لأن نكون كذلك حفاظًا على حياتنا الهانئة من الزوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد