«يشبه الكتاب أولئك اللصوص الطيبين. يأخذون شيئًا واقعيًا، مثل الرسائل، وبحيلة سحرية يحولونه إلى شيء جديد تمامًا. هذا هو الجزء الأجمل في الكتابة: العثور على الكنوز المخبأة، وإعطاء الأحداث البالية بريقًا، وإنعاش الروح المتعبة بالخيال، وخلق حقيقة معينة من أكاذيب كثيرة». – إيزابيل الليندي

يقدم المترجم السعودي عبد الله الزماي، من خلال كتاب «حياة الكتابة»، ترجمةً لمقالات تسعة من أبرز كُتاب الرواية في العالم.

ماريو بارغاس يوسا، كازو إيشيغورو، هاروكي موراكامي، إدواردو غاليانو، إليف شافاك، أورهان باموق، إيزابيل الليندي، روبرتو بولانيو، یان مارتل… نخبة من أشهر الروائيين يشاركون مع القراء رؤيتهم للأدب والفن وخطواتهم الأولى في درب الكتابة.

1 – إيزابيل الليندي.. «الجفاف الداخلي مرعب بالنسبة إلى شخص يعيش لأجل الكتابة»

يشكل البحث عن الواقعي والمتخيل في النصوص الأدبية موضوعًا للكثير من الدراسات، وبالنسبة لشهرزاد أمريكا اللاتينية، إيزابيل الليندي (1942)، فإن كل كلمة تكتبها حقيقية، ولا يمكنها أن ترسم حدًا فاصلًا بينهما.

الليندي التي تعتبر بأن لا شيء أكثر من الكتابة يجعل روحها تغني، احتفظت ذاكرتها بالكثير من الحكايات نتيجة لترحالها بين العديد من الدول، ولحياتها الصعبة التي كان فيها للوجع والفقد والحب بالغ الأثر على نفسيتها، ومنحها الأدب صوتًا وأنقذ ذكرياتها من النسيان، وكانت المآسي التي عاشتها المادة الخام التي تشكّلت منها كتبها، فالشغف بالنسبة لها يولد من الذاكرة ومن الإحساس بالفقد وكل كتاب هو عبارة عن رحلة إلى الماضي، إلى الروح، وإلى الذاكرة.

2 – روبيرتو بولانيو.. المنفى يحمل الأدب بداخله!

غالبية كُتّاب التشيلي ذهبوا إلى المنفى في مرحلة ما من حياتهم، وبولانيو (1953-2003) واحد من هؤلاء، فقد عاش في المكسيك بعد الخامسة عشرة من عمره، ثم عاد لفترة قصيرة إلى تشيلي قبل أن يرحل عنها مجددًا، بعد الانقلاب العسكري، متنقلًا بين بلدان كثيرة إلى أن استقر في إسبانيا. لكن «ثمة منافٍ تستمر مدى الحياة، بينما يستمر غيرها إلى نهاية الأسبوع فقط». ص 76

وعند بولانيو «كل كاتب يصبحُ منفيًا ببساطة عن طريق الخوض في الأدب، وكلّ قارئ يصبح منفيًا بمرد فتح كتاب». ص76-77

3 – غاليانو يبحث عن الكلمات التي بإمكانها أن تبلل عمال المناجم!

يروي الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو (1940-2015) أحداثًا غريبة عاشها مع كتبه وقرائه وتركت أثرًا بالغًا في نفسه، ومن بين هذه القصص أن كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» أنقذ حياة عضو في الكونغرس المكسيكي بعدما خاض في نقاش مع مختطفيه وانبرى يروي لهم قصصًا من الكتاب ليربح بعض الوقت، فانتهى به الأمر في مأمن.

أما كتاب «مرايا» الذي ضمّنه قصصًا لم تكن تُعرف، وكانت إحداها لسجينة إسبانية – إبان حكم الديكتاتور فرانكو – انتحرت في عز مراسيم تعميدها في ساحة السجن، فقد تلقى غاليانو بسببه رسالة من محررة دار النشر تنظر إلى تلك القصة الحقيقية على أنها سر عائلي، لأن المنتحرة عمتها!

حياة غاليانو مليئة بأحداث تستحق الكتابة عنها: طفل في سن الثامنة أو التاسعة ممن قرأ لهم القصص في المدرسة كتب له تعليقًا مفاده: حافظ على مستواك هذا، وستتطور! – كتاب «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» الذي مُنع وأُحرقت نسخ منه في الكثير من الدول، تم تداوله بحرية في بلده الأوروغواي لأن الرقباء ظنوه كتابًا في علم التشريح!

أما أصعب التحديات في حياته القصصية، فقد كان في مدينة لالاغوا البوليفية، حيث طلب منه عمال المناجم أن يحدثهم عن البحر، يقول غاليانو:

«كان التحدي الأصعب طوال حياتي القصصية، فبين عمال المناجم هؤلاء، ثمة من لا يعرف البحر مطلقًا. كان الموت في سن الشباب قدرهم ولم يكن لدي خيار سوى أن آخذهم إلى البحر، البحر البعيد جدًا، وأن أجد الكلمات التي يمكن أن تبللهم حتى العظم». ص 16

4 – إليف شافاك.. رفيقة الكتب!

تجعل القراءة من الإنسان شخصًا آخر، تنضجه وتفتح عينيه على العالم، حتى إنها أحيانًا تصبح بديلًًا للعالم الحقيقي، هذا ما كانت عليه «أرض القصص» بالنسبة للكاتبة التركية إليف شافاك، فذلك المكان الغريب لا يتقيد بقواعد المجتمع أو بحدود ثقافة الفرد، بل لا يتقيد بقواعد الفزياء، إذ إن الماء فيه يتحدث، والوديان تغيّر مجراها، والزهور ترقص وتغني … وبالنسبة لطفلة خجولة وانطوائية من أنقرة، كان هذا العالم مكانًا لتنشأ فيه ولتنقذ نفسها من الرتابة وتدمير الذات.

«إن الكتب هي من غيرتني، ومن أنقذتني، وأنا أعلم في قرارة نفسي أنها ستنقذكم أيضًا». ص 22

5 – كازو إيشيغورو.. العالم الخيالي أكثر واقعية من الواقع الفعلي!

أربعة أسابيع هي كل ما استغرقه الروائي البريطاني-الياباني كازو إيشيغورو (1954) في كتابة «بقايا يوم»، وهي الفترة التي كان فيها معزولًا عن العالم الواقعي، بل منفيًا إلى الخيال، فقد ألغى جدول أعماله، كما توقف عن استعمال الهاتف وعن استقبال الناس في المنزل… ولم يكن يفعل شيئًا من الإثنين إلى السبت سوى الكتابة. صار العالم الخيالي بالنسبة له أكثر واقعية من الواقع الفعلي. كل هذا الاجتهاد والإخلاص للكتابة لم يرُح هباءً لأن الرواية التي صدرت سنة 1989 نالت جائزة مان بوكر الأدبية وحصلت على تقديرات نقدية عالية.

6 – ماريو فارغاس يوسا.. القراءة دواء الخوف من الطيران!

كان الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا (1936) يخاف الطيران، خوف استمر لفترة طويلة فكان ينضح من العرق في كل رحلة ما يملأ الدلاء، إلى أن جاء الحل على هيئة رواية قصيرة امتصته جسدًا وروحًا، وحملته بعيدًا عن أجواء الرحلة إلى أن هبطت الطائرة في مدريد، ولا غرابة في ذلك، فالقراءة علاج للكثير من الأمراض، ومن حسن حظنا «ثمة في مخزن الصيدلية الأدبية احتياطات لا حدود لها من هذه الأدوية». ص99

7 – هاروكي موراكامي.. اللحظة التي أنجبت روائيًا!

بالنسبة لموراكامي تمثل الموسيقى والكتب شغفه الأكبر، إلا أن كتابة الرواية لم تكن حلمًا، كما لم تكن محط تخطيط مسبق، ذلك أن الأمر خطر له أثناء مشاهدة مباراة بيسبول، وكانت كشيء نزل يرفرف من السماء ليغير حياته جذريّا. فالفكرة التي بدأت بتسديد لاعبٍ لضربة مزدوجة في ملعب «جينجو»، قادته فيما بعد إلى أحد أحياء طوكيو لشراء رزمة من ورق الكتابة، ليكتب فوقها، بسعادة غامرة، وفي كل ليلة تقريبًا، فقرأت مُسوّدة عمله الأول «أسمع الريح تغني».

وبعد 30 سنة لم ينسَ هاروكي تلك اللحظة «ما زلت أستدعي تلك الأحاسيس كلما تدبرتُ معنى أن أكتب راوية، ذلك أن ملامسة تلك الذكريات يحثني على أن أؤمن بالشيء الذي أحمله بداخلي، وأن أحلم بما يوفره لي من إمكانات، فكم هو رائع أن أحتفظ بتلك الذكريات في داخلي حتى اليوم.» ص117

8 – أورهان باموق.. الفن وعد بالسعادة المستقبلية!

كان الكاتب التركي أورهان باموق (1952) يحلم بأن يصبح رسامًا، وكانت خططه في الطفولة مبنية حول هذا الحلم. لكنه في النهاية صار كاتبًا، وظل الرسام الذي بداخله يحلم بالفن كوعد بالسعادة المستقبلية.

وكان باموق كلما صادف أعمال الفنانين الكبار استحوذ عليه الندم على أحلام ضاعت، وعلى حياة كان من المفروض أن يعيشها. خاصة أعمال صديقه الألماني «أنسلم كيفر»:

«أثناء وقوفي أمام الروائع القابعة في مرسمه الهائل، ظل الطفل الموجود بداخلي يخبرني بأنني مازلت أستطيع أن أصبح رساما، وأنني أستطيع أيضا أن أكشف عن عالم محفور داخل ذهني من خلال الفن، ومن ناحية أخرى، كانت نفسي الناضجة والسعيدة والقانعة بكوني كاتبا تحاول تذكيري بأنني ما انفككت أفعل برواياتي ما يفعله «كيفر» بفنه، وأنني ربما يتوجب علي أن أكون أكثر تواضعًا وواقعية فيما يتعلق بتوقعاتي. ومع ذلك فقد شعرتُ وأنا ما أزال مذهولا من جمال اللوحات التي حولي، بالأسى على ضياع حلم الطفولة المتعلق بالرسم ذاك الذي تركته ورائي».

9 – يان مارتل.. الرواية وسيلة لفهم العالم الذي نعيش فيه بشكل أفضل!

يقول المؤلف الكندي يان مارتل (1963) «معظم الكتب تأتي من المزيج ذاته لعناصر ثلاثة هي: التأثر والإلهام والعمل الجاد»

وفي رحلة كتابة روايته «حياة باي» التي حازت على جائزة مان بوكر سنة 2002، لعب كل واحد من هذه العناصر دورا هاما، إذ إنه تأثر بفكرة رواية برازيلية كتبَ عنها الناقد الأمريكي «جون أبدايك» مقالا في صحيفة «نيويورك تايمز». أما الإلهام، وهو ما لا يتحكم فيه أي كاتب، فقد جاء في الهند، بعد لحظات نفسية عصيبة لم يجد فيها القصة التي ذهب للبحث عنها.

بينما تجلى العمل الجاد في قيامه بزيارات إلى حدائق الحيوان والمساجد والمعابد والكنائس، واكتشاف المناطق التي ستدور فيها أحداث الرواية في الهند، قبل أن يعود إلى كندا لإكمال المشروع والقراءة عن الأديان وعلم النفس الحيواني: «… لم يكن التدوين اليومي على الصفحات دون عقبات، ولم يخل من لحظات الشك، والأخطاء والتنقيح، ولكن دائما، بعمق ومتعة تثلج الصدر، وبالإيمان بأنه مهما كان مصير الرواية، فإنني سأكون سعيدا بها، لقد ساعدتني على فهم العالم الذي أعيش فيه بشكل أفضل نسبيًّا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد