إن دنا إلى علمك أن هناك حريقًا في نهاية الشارع، وقد مُنع الاقتراب من موقع الحدث، فلن تذهب إلى هناك بكل تأكيد، أما إن شجّعك البعض على الذهاب إلى هناك لتلقي نظرة وتقف على حقيقة الأمر، فربما ستذهب، لكن إن رأيت أن الجميع قد هرولوا إلى موقع الحدث فور سماع الخبر، فلن تألو جهدًا في أن تمضي معهم، أو أن تفعل فعلهم. فما الذي غيّر تأثرك، ورد فعلك مع كل موقف؟ حسنًا! إن ما حدث كان نتيجة لتأثير الأشخاص المحيطين بك؛ وهو المعروف في علم الاجتماع بالعقل الجمعي، وهو بدوره ينقسم إلى أقسام، وأنواع بين الإيجابي، والسلبي.

فإن كنت في مجتمع ملتزم مثلًا، محاطًا بأشخاص خيّرة؛ فمن المرجح أنك ستكون على شاكلتهم، حتى وإن كنت لا ترغب في ذلك، وهذا إيجابي بكل تأكيد. أما إن كنت في مجتمع يُسمى مجتمعًا منفتحًا، ولا يصغي أحد فيه للآخر بدعوى الحرية المفرطة التي تبدد الالتزام، فعلى الأكثر ستُقيد بأفعالهم، وتكتسب بعضًا من صفاتهم إن لم يكن معظمها؛ وهذا سلبي كما هو واضح. فمع الوقت ستلاحظ أنك استبحت المحرمات، واكتسبت عادات وأفعالًا لم تكن لك ولا تحبها، وأصبحت لا تتردد في فعل الخطأ رغم علمك به؛ لذلك فإن الأطفال أكثر عرضة لاكتساب العادات والصفات الاجتماعية؛ لأنهم لا معرفة لهم بحسن الاختيار، والتفضيل بعد.

إن صلحوا وحسنت أفعالهم؛ فلا خوف على المجتمع أو مستقبل الأمة في المستقبل، فهو محميّ بأفعالهم وصفاتهم التي اكتسبوها من المحيطين بهم، والتي سوف يتناقلونها فيما بينهم، ويمرروها لأبنائهم بطبيعة الحال. وكل متدبرٍ يعلم جيدًا أنه لا يوجد مجتمع فاحش بطبعه؛ ذلك لأن الحلال بيّن، والحرام بيّن، أما ما يحدث من مغالطات وتجاوزات وظهور للأفعال التي لا تُرضي النفس، فما هي إلا عادات زُرعت في المجتمع من قِبل من أرادوا أن يستعمروه فكريًّا؛ ليتحكموا بأهله كليًّا على المدى البعيد، فتحير الناس بين اتباع الهوى؛ لتحقيق المصالح، ومجاهدة النفس.

وإليك مثالًا بسيطًا يظهر جليًّا للكل؛ وهو التفاعل مع المنشورات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء المرئي منها أو المسموع، أتعلم ما الذي يحدد تفاعلنا مع المنشورات في المقام الأول؟ الذي يحدد إمكانية التفاعل؛ هو رؤية قدر التفاعل على المنشور من قِبل الآخرين، فمعظم الناس يشاهدون كم الإعجاب على المنشور أولًا في الزمن القياسي لنشره، ومن ثم قراءة التعليقات، ثم يقومون باتخاذ قرار بأنفسهم، ويمكن لهم أن يتركوا تعليقًا أو إعجابًا من عدمه، ففي معظم الأحيان يتأثر الناس بقدر التفاعل، وهي نفس طريقة العقل الجمعي؛ فيتركون المنشورات المهمة ذات الفائدة العلمية الدسمة رغم أهميتها؛ وذلك لقلة التفاعل معها. ويتفاعلون مع المنشورات الّتي لا ترقى للمستوى الفكري، أو الأخلاقي لأن الكثيرين تفاعلوا معها، ولا يعلمون أن هذه المنشورات مدفوعة الأجر في الأساس لكسب أعداد من الإعجاب الأول، فتحصل على الآلاف منها في وقت قليل بعد النشر، فيخيل للناس أنها مهمة فيتفاعلون معها دون تفكير، ويتم خداعهم بذكاء القائمين على الأمر، ويمكنك أن تجرب ذلك بنفسك، لكني أؤكد لك أني قد جربته بنفسي ولذا؛ قررت كتابة هذه السطور.

في البلاد الآسيوية مثلًا يبدو للآخرين أنهم يحبون العمل، لكن الحقيقة هم مثل غيرهم لا يحبون العمل، ولا يفضلونه عن الراحة، ولكن لأنهم ذاقوا مرارة العيش والاحتياج من قبل، كما يتم حكمهم من قِبل أنظمة لا تعرف إلا مبدأ الأخذ والعطاء، ولأنهم رأوا مَنْ سبقوهم يسعون للعمل بكل الطرق، فتكررت كلمات العمل والمرتب والاستيقاظ باكرًا… وغيرها بينهم لدرجة أنهم أدمنوها فأصبحت جزءًا لا يتجزأ من حيواتهم، كما أن البلاد التي تكثر فيها قيادة الدراجات الهوائية ليس لأن أهلها لا يحبون السيارات، أو أنهم يسعون لممارسة الرياضة يوميًا فحسب، بل لأنهم توارثوا تلك العادة ممن سبقوهم، أو تم زرعها من خلال الترويج للدراجات الهوائية لتعزيز الاقتصاد في تلك البلاد؛ فأصبحت متأصلة لديهم، وسيكون من الصعب التفريط فيها.

على الجانب الآخر تجد بعض الشعوب تتحدث كلها في السياسة، رغم علمهم أن السياسة ليست مخاضًا لمن لا يقرأ، ويحلل الأحداث بمختلف أوجهها في المقام الأول. وإن كانت السياسة تشمل كل جوانب الحياة، فالخوض فيها قد تضاعف في السنوات العشر الأخيرة؛ وهو ما يعد من تقليد الرائج، ومحاولة اللحاق بالركب، حتى لا يقال عن الصامت إنه لا يعلم.

ومن أغرب الأشياء في المجتمعات العربية التي تأثرت بالعقل الجمعي هي أننا أصبحنا نسمي الأشياء بغير أسمائها؛ فيطلقون على من يُعري زوجته وبناته من أجل تحصيل الإعجاب، رجل منفتح وعصري، وهو في الحقيقة ديوث، أو ربما لم يسمع حتى بقول الشاعر: إني أغار فليت الناس ما خُلقوا.
يسمون من يجمع الأدوية ويخزنها فيرتفع سعرها، ثم يتبرع بجزء منها لكسب التعاطف متباهيًا بفعل الخير، لكن في الحقيقة مثل هذا اسمه مُحتكر.
يسمون من قام بتأجير آخر لاغتصاب زوجته وقتلها، لأنه لا يريد إعطاءها مستحقاتها بالمتحايل، رغم أنه ديوث وقاتل.
أما مَنْ غيّرَ في خلق الله، دون سبب يستحق فعل ذلك كما أخبر هو بنفسه، أنه فاعل للخطأ، لكن في الحقيقة هذا اسمه حرام؛ لأن الله تعالى قد لعن النامصة والمتنمصة، فما بالك بمن يغير جنسه، دون حاجة لذلك؟! فالعيب مراعاة للمجتمع، أما الحرام فهو اعتراف بحدود الله، واحترام حرماته.

كما ظهرت طائفة الدفاع عن المثليين والملحدين، مطالبين لهم بالرحمة من نفس الإله الذي لم يعبدوه أو يتبعوا منهجه أو يعترفوا بوجوده حتى في حياتهم. ويقولون إن الرافض لذلك لا يعرف الإنسانية! يا سيدي إن الإنسانية هي التعايش بنفس مبدأ الإسلام القائل: «الدين المعاملة» كما ورد في حديث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-؛ بمعنى أن تقبل الطرف الآخر كما هو دون أن تسمح بهدم ثوابتك، أو حذف معتقداتك، أو التخلي عن أي منها؛ لإرضاء آخرين، وأين تلك الحرية المزعومة إن كنت تراها فقط في فعلك لما يحلو لك دون أن أنعم بحقي منها في الدفاع عما أحب وأعبد؟ لا تكيل الأمور بمكيالين، إن كنت حرًا بحق.

ثم ننتقل لأمر آخر؛ وهو كثرة حالات الانتحار، والمبالغة في الحديث عن الانتحار، والاكتئاب، والوحدة، والقتل، ومصاعب الحياة… وغيرها من الألفاظ والمسميات التي تزرع النفور والإحباط في نفوس الأجيال الصغيرة، والذي قد بات من سمات الشخصية العربية، ليس لأنهم فعلًا يشعرون بذلك بقدر ما، ولكن لأنهم باتوا يسمعونها ويرددونها أكثر من أي وقت مضى، بعد أن زرعت داخل مجتمعاتهم، وتأثرت بها عقولهم راحوا يتداولونها بكثرة، ثم تحولت إلى طباع وأفعال، وهذا مرعب، وحرام، وعيب.

ولا يمكن أن تخلو تبعات تناقل تلك الصفات غير الحميدة، وتمريرها للأجيال السابقة دون محاولة البحث عن حل، والوقوف عليها بغض الطرف عنها فقط؛ لأننا إن غضضنا الطرف عنها الآن، فكم من الوقت سنحتاج لنعود لما كنا عليه ولإصلاح ما بات في النفوس من عطب؟

إن المداواة من فكرة العقل الجمعي، وتأثيراته السلبية، وفكرة اتباع القطيع، تكون بالتدبر وسؤال النفس ومحاسبة الضمير، والعودة للفطرة التي فطرنا الله عليها. وما لا يرتاح له قلبك، لا تثق به أبدًا، فالقلب أبصر من العين، ثم إن تأثير المجتمع لا يظهر إلا على الأشخاص الذين اختاروا ألَّا يفكروا، أو أن ينأوا بأنفسهم عن التزاحم، والتفكير بموضوعية، وتحري الحلال والصواب قدر المستطاع، وإلا فكلنا مقصرون إن ارتضينا ذلك!

والأمر بطبيعة الحال يستدعي التفكر في حال الأجيال القادمة؛ لأننا مسؤولون عن كل ما نورّثهم من أحلام، وأمنيات، وعادات، وطباع. والصورة التي نرى عليها شباب اليوم، هي جزء بسيط من أحوال الأجيال القادمة، لذا؛ فقد وجب التنويه على أن نعمتي التفكير والتفكر من أهم محددات المستقبل، وأنه إن بقيت الهوية، والأسس، والقدوة الحسنة؛ فلا خوف مما عداهما.
وإلا فالتضحية بالثوابت لن يورّث الأبناء إلا فتات العقيدة، والصلاح، ويُصعّب مستقبلهم، ويزيد تحدياتهم، وسيعانون معاناة البعير في البرية، كما في قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ … والماء فوق ظهورها محمول.

كما لا نريد أن نصل أبدًا لتساؤل «كافكا» حينما قال: هل أنا من أنا؟ أم أنا ما صنع المجتمع؟ فلنساعد أبناءنا في بناء مستقبلهم؛ لأن طباعهم وكل ما سيؤولون إليه لاحقًا يتم صنعه وتكوينه حاليًا بين أيدينا، في هذا المجتمع، وكلنا مشاركون فيه، وكما قال «السعدي»: «لا يؤخذ الناس إلا من عقائدهم، من يقتل الرأس يقتل سائر الجسد».

فلنتعلم من السابقين الذين ما ترددوا لحظة في بنية أبنائهم بداعي الخوف أو التحرر.

فها هي أم محمد الفاتح -رحمه الله- كانت تأخذه وقت الفجر يشاهد أسوار القسطنطينية وتقول له: أنت يا محمد من سيفتح هذه الأسوار؛ لأن اسمك محمد كما قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، أما صــلاح الدّيــن الأيوبي وعندما كان صغيرًا شاهده أباه (ذلك الرجل طويل القامة)، يلعب مع الصبية، فأخذه من وسط الأطفال، ورفعه عاليًا بيديه قائلًا له: ما لهذا أنجبتك. وإنما أنجبتك لكي تحرّر المَسجــد الأقصـَــى، وتركه من يده فسقط الطفل على الأرض، فنظر الأب إلى الطفل فرأى الألم على وجهه فقال له: آلمتك السقطة؟ قال صلاح الدين: آلمتني. قال له أباه: لِمَ لم تصرخ؟ قال له: ما كان لمُحــرّر الأقصى أن يصرخ.

ولم يكن يأكل الخوف قلوب العرب، وهم يرسلون أولادهم إلى البادية بالشهور والسنين، فلم تكن صفية بنت عبد المطلب تبالي لولدها الزُّبير إذا سَقط من على ظهرِ الفرس، ولم يكن خروج الشباب اليافع إلى التجارة والصيد وتَسلق الجبال الشاهقة وصيد الأسود أمثال حمزة بن عبد المطلب، يجعل أمهاتهم تموت رعبًا؛ لذلك لما جاء الإسلام صادفت قوته الروحية قوة بدنية، خرج بهما رجاله أمثال: خالد بن الوليد، والزبير، وسعد، والمثني، والقعقاع، والبراء بن مالك… وغيرهم الآلاف، فلم يعودوا إلا بمُلك كسرى وقيصر.

نحتاج أُمًّا مثل صفية تُربي ولدًا مثل الزُّبير، وأبًا مثل نجم الدين يربي أسدًا مثل صلاح الدين.

فالأمة كاملة، والدول العربية مُقدِمَة على مرحلة لا يصلح معها صاحب الاسم المذكر، والفعل المؤنث، فلا تتركوا أطفالكم فريسة الواقع الفاسد المشتِت الذي نعيشه فو الله إن كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، كما أخبر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.

والغالب على ظني أن كُل شيء سيتغير إلى الأفضل؛ عندما نَتحدث عن النعيم والعِلم والسَعادة والحُب والحَياة أكثر من أضدادِها، وإن بدا عكس ذلك؛ لأننا نحتاج لاستخدام العَقل الجمعي بمهارةٍ بنّاءة، لا أن ننساق مع ما يصدر عن الآخرين دون تدبُر.

دمتم في نعيم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صنع, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد