الحياة الزوجية بين القسوة والحنان

تتأرجح في عقولنا فكرة الزواج ونحن في لُجج العزوبية، فيتلوها بعد فترة «عقْدُ قِران» يُقدِم عليه البعض دونَ دراية متعمقة، نُقدِمُ عليه بخطىً تائهة لنبدأ حياةً أُخروية نبحث فيها عن الذات بين طيات هذا العمر، وعن المستقبل المجهول الذي لا ندري إلى أين يسير بنا.

نُقدِم عليه أيضًا لنكوّنَ أسرةً صغيرةً نُحيي بها سُنّة الحياة، حالمين أن نرزق بأبناء نستند على أكتافهم عند الكبر، بعد ما نخوضُ فيه بشغف تتغيّر حياتنا رويدًا رويدًا.

يُصبح هناك عامل مشترك بينك وبين شخص آخر، تحمل مسئولةً أخرى، تلتصق روحك بروحٍ خضراءَ أحبّتك، تحظى بقلبٍ لا ينبض إلا لك، وعين لا تُبصر إلاك، وذاكرةٌ لا يملأها سوى طيفك، ستحتضن جسدًا يرتعد خوفًا عليك، تعيش هذه الفترة الوجيزة الأكثر نقاء، تتبادل فيها المشاعر والهدايا والكلام العاطفي اللامنقطع، تخرجان سويًا مُشبكينَ بأيدي بعضكم البعض، تتمشيان بعتمة الليل الممزوجة بضوء القمر، تسهران في مكان عام إلى وقت متأخر تحت النجوم البرَّاقة، وأنت على طاولة اللقاءات تُحدِّقُ في عيون من أصبحت شريكة حياتك بل ملاذك الآمن وسر سعادتك.

بعد انقضاء هذه الفترة المكتظة بالمشاعر تدخل القفص الذهبي المُسمى بِـ«الزواج»، هنا تقودك أفكارك السلبية نحو الحتف، فبعد عِدّة أشهر من الزواج على حين غِرَّة تتغيّر حياتك وتنقلب رأسًا على عقب، تتبعثر مشاعرك فترى تلك الأقحوانة التي وهبَتْك قلبها باتت عبئًا كبيرًا عليك، تُصبح لا تكترث لها، ولا تُلقي بالًا لوجودها، يمضي اليوم بأكمله وأنت خارج المنزل تعود في وقتٍ متأخر!

تريد أن تُظهر رجولتك فيبدأ الوسواس لك بالتفكير أنّ المرأة موجودة لقضاء غريزتك، ولكي تكون خدمًا لك داخل المنزل تعدُّ لك الطعام وتغسل لك الملابس ولتفرغ بها غضبك إن واجهت مشكلة ما.

وإليكَ مثال واقعي: جارنا الذى انفصل مؤخرًا عن زوجته التى لم تتعدَّ الثامنة عشرة من عمرها، بعدما مضى على زواجهم ما يُقارب الخمسة أشهر حينما طلبت منه أن يذهبا سويًا إلى فرح خالها فتفاجأت بالرفض بداعي أنه لم يأتِ إلى فرحهم في السابق.

من هنا بدأ الحقد يتغلغل إلى قلوبهم ويضع مسافاتٍ بينهم وبدأت شرارة الكُراهِية تشتعل بينهم لتحرق ما تبقى من الحُب! لم يكملا العام ولم تسنح لهما الفرصة أنْ يحتفلا معًا في ذكرى زواجهم، كل واحدٍ منهم ركب رأسه وعاند الآخر إلى أن وصلت علاقتهم للانفصال التام. تخيل، شيء تافه لا يذكر، وُلِد من العدم؛ فهدم علاقة زوجية، وفرق قلبين كانا يسرفان في المشاعر!

لا تجعل والدتك تتدخل كثيرًا في علاقتكما وتوجهك يُمنةً وشمالًا، فللأم مكانتها التي لا تُضاهيها مكانة وللزوجة مكانتها، وهذا لا يعنى بالضرورة التصادم والاحتدام، بل التوافق والاجتماع.

يا عزيزي الأمر أعمق مما تظن، المرأة كائنٌ رقيق، يُضعِفها الكذب، ويُقويها الاحترام، يكسرها الإهمال، ويُرممها الاهتمام، تقتُلها الإهانة، وتُحييها الابتسامة، هنَّ كقطرات المطر ينزلنَّ من الغيوم البهيجة ليزهرنَّ قلوبنا القاحلة!

الزوجات يا صديقي إنهنَّ مُغتَسلٌ باردٌ و شراب، بعضنا يدفعه اليأس بيديه بقوة حتى تختلِف أرجلنا ونؤول للسقوط فيسنُدنَ أكتافنا المهشّمة، ويلففنَ أوشحتهنّ على جراحنا.
إنهنَّ طمأنينةً تسير على أرضٍ تعجُّ بالقلق، يمسحنَ على قلوبنا بأيدٍ ناعمة، لذلك علينا أن نجاملهنّ بالكلمات ونرد لهنّ اللطف باللطف وأن نغمر قلوبهنّ بالسعادة.

قل لزوجتك إنها حبّةُ القلب وريحانة الروح، أخبرها أنها شمعةً تضيء عتمة المنعرجات، وأنها عكازٌ تتكئ عليه عندما تُتعبك الأيام، وأنك بدونها ضعيفٌ هش، أشعرها أنها جزءٌ من شخصيتك، وأنها جبلٌ يحمل نصف همومك، قدِّر وجودها أمام الآخرين، واجعلها تقرأ أفكارك، بادِلها الحديث واستشرها في أمورك الحياتية، لا تكن انطوائيًا عنها، وتشعرها أنك أنت رب البيت وصاحب القرار.

غازلها بالليل، واطبع قبلةً على جبينها بالنهار، كن شاكرًا لها عندما تُقدّم لك الطعام والملابس، لا تُشعرها أنها كالعبيد في حياتك، أشعِرها بالدفء فغياب الكلمة الدافئة تذبِل القلب وتؤذي العلاقات، ارسم البسمة على مُحيّاها، أقطف لها وردة، حينها ستشعر أنك قطفت قلبك وقدمته لها، ما ضرّك لو تُغنّي لها وتُرطّب خاطرها، دعها تُعبر عن رأيها، استمع دومًا لها لا تسخر منها أبدًا.

أرشدها للطريق الصحيح إنْ أخطأت، مازحها كما تُمازح أصدقاءك، لا تكن في عملك مرِحًا وعندما تدخل المنزل تقلب وجهك للعبوس، لا تُخوّنْها أو تُكذّبها أمام أحد.

إيّاك ونزع الثقة، فالثقة أحد أعمدة العلاقة المتينة إنْ فُقِدت سيُهدم كل شيء!

لا تفرض رأيك عليها إلزاميًا لأنها ستكون أعند مما تتصوّر، المرأة بالمحبّة واللين تأخذ منها ما تريد، فهي ترى رجولتك في أخلاقك الحميدة وتعاملك اللطيف معها لا بفرد عضلاتك عليها وكلامك الجارح لها والمُهين!

إنْ تزوّجتَ يا صديقي فكنْ رجلًا بقلب امرأة، لا امرأة بقلب رجل. كن صريحًا مع زوجتك، فالمرأة لا تُحب من يستغفلها، دلِّلها كالأطفال وخصّص لها لقبًا تُناديها به، ستجدها بعد ذلك نهضت و قد تحوّلت لمنارةٍ تهتدي بها في ظلامِك البهيم، سيقول المُنفَصمُ والمُفسد أنّك محكوم، ولكنْ لا بأس، وهل هنالك أجمل من أن يحكمك قلبٌ متيَّمٌ بهواك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد