أعلنت الحكومة الروسية ترشيحها لكارين كنايسل لعضوية مجلس إدارة شركة «روسنفت»، درة التاج في مملكة النفط والغاز الروسية، كنايسل كانت قد شغلت في السابق منصب وزير الخارجية النمساوية بين عامي 2017- 2019 عن حزب الحرية اليميني الشعبوي، الشريك السابق في الائتلاف الحكومي آنذاك قبل أن تطاح الحكومة النمساوية بعد فضيحة إيبيزا التي تورط فيها هاينز كريستيان شتراخه، نائب رئيس النمسا وزعيم حزب الحرية الشعبوي، وكذلك نائبه يوهان يودنوس، عندما التقيا في الجزيرة الإسبانية بسيدة روسية مرتبطة بأوليغارشي روسي مقرب من الكرملين وناقشا استثمار 250 مليون يورو في المشهد الإعلامي النمساوي عبر شراء صحيفة «كرونين تسايتونغ» واسعة الانتشار في النمسا وإضافة إلى ذلك حرمان شركة المقاولات النمساوية العملاقة «ستراباغ» من الحصول على عقود حكومية نمساوية وتحويلها لصالح شركات مرتبطة مع الروس.

كنايسل يتذكرها كثيرون بسبب الضجة الإعلامية التي تسببت بها رقصتها الحميمية مع الرئيس بوتين في حفل زفافها والتي تعرضت على أثرها لحملة انتقاد واسعة في الصحافة النمساوية والأوروبية، ويتذكرها العرب بسبب استخدامها اللغة العربية في خطابها في الجمعية العامة في الأمم المتحدة.

على الرغم من أن كنايسل نشأت في الأردن وتصف نفسها بالمستعربة، لكن ما يعرف عن مواقفها تجاه اللاجئين السوريين سلبي بشكل محبط ويدعو للاستغراب، فهي ترى أن أسباب قدومهم إلى أوروبا هي أسباب اقتصادية بحثًا عن عمل ومستقبل لهم، وترى الشباب منهم يعانون من الكبت الجنسي، ولذلك هي تفضل استقبال من لديه أموال فقط.

وكذلك فهي ترفض الاتهامات الموجهة للنظام السوري باستخدام للأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري، وبدلًا عن ذلك تردد في لقاءاتها الصحفية ذات الرواية الروسية التي تتهم فصائل المعارضة بتدبير الاعتداءات بالأسلحة الكيماوي، بل أيضًا زعمت أن صحافيًّا تركيًّا معارضًا اسمه «جان دوندار» وجد أدلة تشير إلى تورط الاستخبارات التركية في نقل الأسلحة الكيماوية التي جرى استخدامها في الاعتداء على خان شيخون 2017، الأمر الذي نفاه الصحافي التركي تمامًا، كما أنها في ربيع 2019 بذلت جهودًا لإعادة افتتاح السفارة النمساوية في العاصمة السورية دمشق، ولكنها لم تنجح في ذلك.

كنايسل سوف تنضم إلى كل من جيرهارد شرويدر المستشار الألماني السابق والذي يرأس «روسنفت» منذ 2012، وأيضًا ماتيس وارنيج العضو الآخر مجلس الإدارة، والذي يرأس في الوقت نفسه شركة تابعة لشركة «غازبروم» الروسية هي شركة السيل الشمالي، السيل الشمالي هو المشروع الروسي الكبير لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر بحر البلطيق.

لا يبدو أن كنايسل تشعر بقلق من إمكانية تعرضها مستقبلًا للانتقاد بسبب ارتباطها مع عالم الصناعة النفطية الروسية، أسوة بما حدث مع جيرهارد شرويدر وماتيس وارنيج، اللذين تعرضا إلى انتقادات قاسية من الصحافة الأوروبية نتيجة لعملهما في شركات الطاقة الروسية، فجيرهارد شرويدر تعرض إلى انتقاد مباشر ليس فقط من الصحافة الألمانية بل أيضًا من المستشارة الألمانية ميركل لعمله في الصناعة النفطية الروسية، فالرجلان فضلا علاقة الصداقة مع بوتين على أي شيء آخر، خاصة أنه يُعتقد على نطاق واسع أن علاقة الصداقة بين وارنيج وبوتين قديمة ويعود تاريخها إلى عملهما السابق في أجهزة الاستخبارات في ألمانيا الشرقية، ففي الوقت الذي كان بوتين يعمل في وحدة الاستخبارات السوفيتية في دريسدن كان وارنيج أيضًا يعمل في جهاز الاستخبارات الألمانية الشرقية (ستازي)، وجرت الإشارة إلى وارنيج في الوثائقي «قصر بوتين» الذي عرضه المعارض نافالني حين تطرق إلى تبادل الرسائل الذي جرى بين زوجة بوتين السابقة ليودميلا وصديقة ألمانية لها في منتصف التسعينيات، كانت إحدى الرسائل قد أرسلت من جهاز الفاكس التابع لشركة وارنيج.

علاوة على ذلك، كنايسل لديها سبب عائلي يجعلها تهتم بالعرض الروسي فزوجها رجل الأعمال وولفجانج ميلينجر مرتبط بشكل وثيق الصلة بصناعة الطاقة الروسية، حيث إن ميلينجر يعمل على مشروعات مشتركة مع شركة «OMV»، والتي هي واحدة من أكبر الشركاء الأوروبيين لـ«غازبروم» في مشروع السيل الشمالي.

يجب النظر إلى توظيف كنايسل وأمثالها على أنه عمل يتسق مع الإستراتيجية الشاملة التي يتبعها الكرملين في مقاربته للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي التي لا تعتمد فقط على الدبلوماسية العلنية، بل أيضًا تستخدم في الظل مجموعة واسعة من الوسائل لتوليد الضغط والتأثير من داخل دوائر صنع القرار الأوروبي في القرارات التي تُتخد بشأن روسيا وتقويض أي معارضة تجاهها، ويضطلع بهذه المهمة كل من شركات الطاقة الروسية الكبرى والأوليجارشيين الروس المرتبطين بالكرملين، هذه الوسائل تشمل التوظيف للسياسيين السابقين أو الشخصيات العامة المعروفة، إضافة إلى تمويل سخي للحركات السياسة ذات التوجهات الشعبوية، إلى جانب ذلك الاختراق والتجسس السيبراني، وأخيرًا، الاستهداف المعلوماتي لزعزعة الثقة وهز الاستقرار من خلال الاستحواذ على القنوات الإعلامية والتمويل المباشر أو غير المباشر لمراكز البحث والتفكير التابعة للجامعات الأوروبية بهدف الترويج لسرديات الكرملين للتلاعب بالاتجاهات السياسية والانتخابية داخل المجتمع الأوروبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد