«أمريكا أولًا».. شعار رفعه ترامب، فلما حلَّ بايدن قالوا آن السياسة الخارجية الأمريكية ستتغير وستصبح من منظورهم «أكثر اتزانًا».. لكن ومع الوقت يتبين أن بايدن هو الآخر يتبنى الفكرة عينها، غير أن الفرق بينه وبين ترامب قلة الكلام.

ما فعلته أمريكا في الأسبوع المنصرم من خلال الفوز بصفقة بيع الغواصات «ذات المبلغ الباهض» لأستراليا في اتفاق ثلاثي أمريكي-أسترالي-بريطاني دون الاكتراث لفرنسا هو خير تجسيد للمقولة الترامبية «أمريكا أولًا، كما أن الأمر يبين بالملموس أن التحالفات الإستراتيجية التي نتجت إبان الحرب العالمية الثانية بين الدول هي في طريقها لإعادة التشكُّل، فلا القارة العجوز حافظت على موقع الحليف المفضل لأمريكا، ولا روسيا (والاتحاد السوفيتي سابقًا) ظل العدو الأول لها.

الصين اليوم تُعد الشغل الشاغل لأمريكا، فهي العدو الأول والمُنافس على زعامة العالم، نفوذها يزداد يومًا بعد يوم، سيطرتها على بحر الصين الجنوبي تتزايد، بل هناك من يقول إن مسألة اجتياح تايوان مسألة وقت! في ظل كل هذا، تحاول أمريكا كبح هذا التقدم (ولو جاء متأخرًا ربما!!) فبعد تعزيز الشق الشمالي من بوابة اليابان، كان لزامًا أن تفوز هي بصفقة الغواصات على حساب فرنسا المتحسرة «المكسورة»، والتي لم تجد حيلة غير التنديد والتحسر (منطق القوة!) من أجل تضييق الخناق من الجنوب، كل هذه التحصينات ربما لن تكون كافية لصدِّ تمدد التنين الصيني، بل وحتى أفغانستان باتت بعد الخروج الأمريكي تحت أعين الصينيين مترقبين الفرصة المواتية فقط.

بعيدًا عن القارة الصفراء، القارة السمراء هي كذلك معنية بهذه التحولات الجيوإستراتيجية، فبعد أن كانت لوقت ليس ببعيد (وما زالت نسبيًّا!) مُحتكَرَة من طرف فرنسا التي تسيطر طولًا وعرضًا على خيراتها وبدرجة أقل على بعض البلدان الأوروبية، تتحول الآن لأرض صراع بين القادمين من الشرق الأقصى، ونخص بالذكر هنا الصين والشرق الأوسط، تركيا وإسرائيل (التي أصبحت بالمناسبة عضوًا مراقبًا في دهاليز اتحاد القارة) والقادمين من الغرب، نتحدث هنا عن أمريكا، بالنسبة لهم أفريقيا هي المستقبل حيث الشباب، حيث الموارد الطبيعية، حيث الطاقات المتجددة، حيث المعادن النفيسة… كل طرف يحاول أن يحشد تحالفات تضمن نصيبه داخل هذه القارة.

المغرب، مربط فرس المقال، أين يتموقع؟!  في معسكر الشرق الصيني أم في معسكر الغرب الأمريكي أم ما زال وفيًّا للمستعمر الفرنسي!

في خضم تدوين هذا المقال، نصادف حملة فيسبوكية تندد باستبدال اللغة الأجنبية الأولى في البلاد من الفرنسية إلى الإنجليزية (على الرغم من أنها تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن صداها حتمًا سيصل للسلطات الحكومية ومعها الصحف الفرنسية، ولنا في حملة مقاطعة بعض المنتجات سنة 2018 خير دليل)، قبل هذا بأشهر لم تفز شركة فرنسية على غير العادة بصفقة بناء ميناء الداخلة الكبير (والتي كانت هي صاحبة الحظ الوفير في بناء المشاريع الإستراتيجية للمملكة)، وقبل ذلك لم تُمنح إلى الآن شركة ألستوم الفرنسية صفقة إنجاز مشروع القطار الفائق السرعة مراكش- أكادير.

وهنا يجدر الحديث عن منافسة شرسة من الصين التي تراهن على تكلفة ومدة أقل، في أفريقيا نفسها، فرنسا ترى المغرب اليوم منافسًا على الفوز بالصفقات الاستثمارية، وليس صديقًا يكتفي بما تتركه من صفقات.

والأهم من ذلك، فهي ما زالت تلعب على الوترين في قضية الصحراء المغربية، فلا هي اعترفت بمغربيتها ولا هي أعلنت علنًا أن لها مصلحة في بقاء الوضع كما هو عليه حفاظًا على مصالحها في المغرب والجزائر، ولكن مع التحولات الجديدة لم يعد هذا الوضع «الرمادي» يريح المغرب فإما معي أو ضدي، هذا الموقف يبين أن النفوذ الفرنسي في المغرب في انخفاض (ليس ملحوظًا بشكل كبير لكنه بطيئ و يتلاشى)، من جهة أخرى، الصين تبرم صفقات استثمارية ضخمة مع المغرب (مدينة محمد السادس تيك بطنجة والتي ما زالت متعثرة نوعا ما، شراكة لصنع لقاح سينوفارم بالمغرب…)

ومطلع الأسبوع المنصرم أبرم رئيس مجلس النواب المغربي ورئيس الجمعية الوطنية الشعبية الصينية اتفاقية تنص على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة (وضع سطرًا أحمر تحت هذه الكلمة) وسلامة الأراضي، من جانب آخر، أمريكا في خطوة تاريخية تعترف بمغربية الصحراء (دون الخوض في حيثياته وظروفه) فرغم تغير إدارة ترامب ما زال الموقف ثابتًا، بالموازاة مع ذلك صفقات تسليح و مناورات عسكرية مشتركة مما يبين إستراتيجية التحالف بين البلدين رغم تغير الظروف، إضافة إلى هذين القوتين العالميتين، صفقات تعاون في تزايد مع إسرائيل وصفقات عسكرية في تزايد مع تركيا، والتعاون المغربي البريطاني في تزايد منذ خروج هذه الأخيرة من الاتحاد الاوروبي وحضور وازن في القضية الليبية وقضايا الساحل والصحراء، ونبرة غير معهودة في التعامل مع القوى الأوروبية (ألمانيا وإسبانيا كمثال)… الدبلوماسية المغربية اليوم لا تشبه ما كانت عليه قبل خمس أو عشر سنوات.. فقد أصبحت أكثر نضجًا واتزانًا وحضورًا على الصعيد القاري والدولي.

بالعودة إلى تموقع المغرب وسط كل هذا المشهد. نجده يحاول على قدر استطاعته أن يخلق توازنات بين القوتين العالميتين «الصين وأمريكا» فمن نظرة بعيدة المدى هو لايريد أن يضع كل البيض في سلة واحدة، كما أنه من منظور القوة الاقتصادية والعسكرية المغرب ليس ضمن هذه الدائرة الضيقة من الدول، فالاصطفاف الى جانب قوة عظمى على حساب أخرى (أمريكا والصين) ليس من مصلحته، كما أن قضيته الأولى الآن هي حسم ملف الصحراء.
وكجملة أخيرة  «في السياسة ليس هناك صديق دائم أو عدو دائم.. بل هناك مصالح..
حيثما وُجِدت المصلحة حلَّت الصداقة!!»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد