في الشرع يأتي النهي وظاهره المنع لكن المتأمل في المقاصد يجد أن هناك فوائد تكمن من وراء المنع سوء على مستوى الفرد أو المجتمع، وذلك في إطار الكليات الخمس التي أكدتها الشريعة الإسلامية ووضعت قواعد لحمايتها وهذا لا يعني أن الغاية محصورة بل إنها قد تتعدى إلى أي مخلوق في الفضاء وتلك هي حكمة الله العليم الخبير.

«جزى الله الإيمان عنا خيرًا، فلولاه لثقلت على عواتقنا هذه الهموم التي نعالجها، ولولاه لعجزنا عن أن نتنفس نَفَسَ الراحة الذي يعيننا على السير في صحراء هذه الحياة القاحلة… وهل كنا نستطيع أن نبقى لحظةً واحدة في هذه الدار التي لا نفلت فيها من هم إلا إلى هم، ولا نفزع من رزْءٍ إلا إلى رزْءٍ، لولا يقيننا أن هذه الطريق الشائكة التي نسري فيها إنما هي سبيلنا الوحيد الذي يفضي بنا إلى النعيم المقيم الذي أعده الله في جواره للصابرين من عباده؟»

لا تغضب

بعيدًا عن التفسير الموضوعي أترككم في جو المحاكاة فلنتمثل المشهد يتكرر بلسان الأعرابي مع تعابير هيئته دون تجسيد لشخصية النبي، صلى الله عليه وسلم، وكأني بالأعرابي قد أتى من البادية يحث الخطى صوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلتمس منه وصية يحمل نفسه على تنفيذها ويحملها إلى قومه علهم ينتفعوا بها، فيجني حسنات كأمثال حسناتهم دون أن ينقص ذلك من أجورهم، وها هو يخاطبه والأمل يحدوه نحو وصية عظيمه يا رسول الله «أوصني» فيجيبه النبي، صلى الله عليه وسلم، بلسان الناصح الأمين «لا تغضب» ثم يكرر الأعرابي الطلب عله يتلقى نصيحة أخرى لكن النبي، صلى الله عليه وسلم، يكرر عليه وصيته الأولى، وهي هنا وإن كانت للأعرابي فإنها في مقام العموميه تشمل كل من آمن به فهل استشعرت وصيته وتذكرتها قبل أن تقع في الصدمة الأولى، فالغضب هو جماع الشر، والتحرر منه هو جماع الخیر.

قال الفشني – رحمه الله- في المجالس السنية «هذا الحديث عظيم يتضمن دفع أكثر شرور الإنسان؛ لأن الشخص في حال حياته بين لذة وألم؛ فاللذة سببها ثوران الشهوة أكلًا وشربًا وجماعًا ونحو ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، فإذا اجتنبه يدفع عنه نصف الشر، بل أكثر».

لا يخلو غاضب من توتر وقلق فهما قرينان لا ينفكا عند كل نوبة غضب، وهذا ما يجعل آثار القلق تستمر لفترة طويلة، بل إنها قد تمتد إلى وقت النوم ويكون ظهورها على هيئة أحلام وكوابيس مزعجه تقض مضجعه وتزعج هدوءه، وحين تزداد سمة الغضب «عدد المرات التي یشعر فیها الفرد بحالة الغضب في وقت محدد»، فإن هذا يعني زيادة في حالة الغضب «حالة عاطفیة تتركب من أحاسیس ذاتیة تتضمن التوتر والانزعاج والإثارة والغیظ».

توصلت دراسة سمور، وعواد «2004» التي أجريت على مجموعة من الطلبة الجامعيين إلى أن هناك علاقة ارتباطیة قویة بین سمة وحالة الغضب لدى الطلبة وبناء على ذلك فإن حالة الغضب تزداد ارتفاعًا كلما كان الموقف الذي یتعرض له الفرد أكثر تعصيبًا، وكلما ارتفع مستوى سمة الغضب لدیه.

إن ارتفاع مستوى مقياس «الغضب سمة» لدى الفرد يعزز من تصوره تجاه المواقف العادية التي تواجهه على أنها بمثابة مواقف مثيرة للغضب فيستجيب لها بردات فعل مختلفة، وبالتالي یحصل الفرد على درجة مرتفعة في مقیاس الغضب حالة» مما يجعله عرضة للكثير من الأمراض فقد أكدت الدراسات الحديثة أن المصابين بالانفعالات النفسية والعصبية عندهم قابلية أكثر للإصابة بالأمراض الخبيثة، لأن الغضب يحدث اضطرابًا في هرمونات الغدد الصماء، مما يعني عدم استقرارها وعدم استقرارها يهيئ جوًّا مناسبًا داخل الجسم للأمراض الخبيثة.

يكون الغضب ثم يعقبه الكثير من الآثار في العديد من الجوانب سواء «الاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية…» وللهموم جانب من ذلك حتى إن علاقتها بالغضب لن تكون طردية فحسب، بل سوف تكون متعدية إلى الغير؛ فالغاضب قد يفتح جروحًا لدى آخرين ويستعدي عليهم الهموم إما لأجله أو لأجل الآخرين الذين وقع الغضب عليهم، أو لأجل أنفسهم إن كان الغضب قد وقع عليهم، أي إنه في إجمالي المنطق يمكننا القول إن الغضب يمثل علاقة «طردية ومتعدية».

علاقة التعدي بين الغضب وآثاره تنبه لها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز – رحمه الله- وهذا ما جعله يصدر مرسومًا لأحد عماله ما نصه «لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه علـى قدر ذنبه»، لأن ثوران الغضب يفقد الفرد التركيز في قراراته ويؤثر في سلامة أفكاره، ولذا یقول ابن حبان ـ رحمه الله ـ  في روضة العقلاء «لو لم یكن في الغضـب خصلة تُـذَمْ إلا إجمـاع الحكمـاء قاطبـة علـى أن الغضـبان لا رأي له، لكان الواجب علیه الاحتیال لمفارقته بكل سبب».

هل الغضب سُلوك فِطْرِي أم قَرار؟

في الحديث الذي رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، وحسنه الألباني  أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه»  توكيدًا لنا أن الغضب ليس سلوكًا بل هو قرار يأتي بناء على رغبة الفرد واختياره ليتسنى بعد ذلك القول إن المثيرات للغضب ليس لها من الأهمية في التأثير ما للقوة الذاتية في التحكم بل إنها ستكون معدومة التأثير أمام الفرد المتحكم بمشاعره وانفعالاته، وهذا ما جبل عليه الأحنف الذي اشتهر بحلمه حتى صار ذلك صفة ملازمة له، وقد نقل عنه قوله «لست بحليم ولكني أتحالم».

لماذا لا تغضب؟

يجيب الدكتور طارق الحبيب عن ذلك بإجابة مفصلة بناء على نوعية المثير للغضب، والتي فصلها في ثلاثه أشخاص:

1- شخص جاهل: والجاهل لا يغضب عليه لأن ذلك سوف يزيد من جهله.

2- شخص مخطئ: «أي لديه فكرة خاطئة عنك»، وهذا يحتاج منك أن تصحح فكرته الخاطئة وألا تتلقى خطأه بالغضب عليه؛ لأن غضبك عليه سوف يعمل على زيادة فكرته الخاطئة عنك ويرسخ من تصوره الخاطئ تجاهك.

3- شخص لئيم: «شخص يستثيرك»،  وهنا عليك ألا تغضب لأن اندفاعك إليه بالغضب يكلفك سداد فاتورة خطأه وهذا هو غاية ما يريده لذلك سوف يقابل غضبك بالابتسامة حتى يستثيرك أكثر.

ومن ثم علينا ألا نغضب على الجاهل أو المخطئ أو اللئيم لنصل إلى قناعة تامة ألا نغضب معًا.

قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133]. ليس هذا فحسب فهناك العديد من العروض التي قدمتها الشريعة الإسلامية في صدد كظم الغيظ والعفو  فقد تعددت الأدلة من الكتاب والسنة متضافرةً على أهمية كل منهما عارضةً العطاء الرباني لمن تبنى هاتين الصفتين وتحققتا فيه .

ختامًا:-

يقول ابن القيم «إن الغضب مرض من الأمراض وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظیر الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان، فالغضبان المغلوب في غضبه كالمریض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد