يتردد صدى طبول الحرب في الوسط الإعلاميّ اللبنانيّ والعالميّ بين إسرائيل و«حزب الله»، وتفوح رائحة تجدد المعارك، وتطفو على السّطح استعادة أمجاد المقاومة يوم التّحرير في العام 2000، وبعد النّصر الإلهيّ عام 2006. محور «المقاومة» الّذي وقع اليوم في معضلة لا يحسد عليها يحاول استعادة شرعيته عبر التّهديد والتّحذير من حرب مع الكيان الصّهيونيّ، بيد أنّ العديد من المعطيات الخارجية والدّاخلية تشكّك بواقعية هذه التّهديدات التي باتت تتأرجح ما بين سياسة حافة الهاوية، وخيار شمشون.

على مستوى المعطيات الخارجية:

حزب الله هو الابن المدلل للجمهورية الإيرانية، وكما الأمّ فإنّ إيران على استعداد لقطع رغيف الخبز عنها لتأمين حاجات وليدها. بيد أنّ اختلاف السّياسات الخارجية مع مجيء ترامب لسدة الحكم في الولايات المتحدة، حيث بات تجفيف «المنابع» أكثر حدّة وأشدّ وطـأة، وتغيّرت النّظرة الأوروبية لحزب الله ومن خلفه إيران، أوقع الأخيرة تحت ضغط العقوبات الاقتصادية، وضيّق الخناق عليها، وزادت جائحة كورونا العالمية الطّين بلّة كاشفةً عن سراب القوّة الإيرانية، الّتي لا تعدو عن كونها قوّة أمنية وعسكرية توسعية دون بنى تحتية أو دعامات تقيها السقوط والانحدار جراء عقوبات الدّول المنافسة.

من جهة ثانية فإنّ الحرب السّورية الّتي قاربت العقد من الزّمن، زادت النّزيف الّذي يعاني منه المحور «الممانع»، فالحرب السّورية استنزفته ماليًا وعسكريًا وبشريًا، وإن خرج المحور حيًّا فإنّه يعاني أضررًا جسيمة في كيانه، حتّى بات يترنّح في مشيته، وخفّت سرعة حركته وصعوده، وزاد التّململ في أوساط جمهوره. هذا التّصدّع على المستوى النّفسيّ والعسكريّ بات يهدد تماسك هذا المحور ويقلب موازين القوى لغير صالحه.

أمّا من النّاحية العربية، فإنّ السّياسة العدائية الّتي انتهجها حزب الله على أثر السّياسة الإيرانية تجاه دول العالم العربيّ، قلّلت من رصيده على الصّعيدين السّياسيّ والشّعبيّ، وحفّز قرون الاستشعار والحساسية لدى المحيط المعارض الّذي بات يرى المشروع «المقاوم» مشروع سيطرة وتوسّع باطنيًا، فانقلب على عقبيه، وأدار الدّفة تجاه الغرب طلبًا للمعونة والنّصرة.

إيران وهي الدّعامة الأساسية الّتي يتكئ عليها حزب الله باتت متعبة ومنهكة، جراء الجبهات المفتوحة في سوريا والعراق واليمن من جهة، وجراء العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها عالميًا من جهة أخرى. وسوريا معبر الإمدادات والدّعم اللوجستيّ لحزب الله ما زالت تترنّح تحت وطأة الحروب من جهة والخوف من تأثير العقوبات الإقتصادية المتمثلة بقانون قيصر من جهة أخرى. إنّ حليفي حزب الله في المنطقة منهكان، والمنابع وإن لم تجف تمامًا فإنّها غالبًا لن تكفي لسدّ ظمأ الحزب؛ ما يعني أنّ قواعد اللّعبة اختلفت عن تلك الّتي وجدت إبّان حرب الـ2006 مع العدوّ الصّهيونيّ.

على المستوى الدّاخليّ:

سطع نجم حزب الله مع التّحرير في العام 2000، ثمّ عاد بريقه ليسطع بعد انتصاره في حرب الـ2006، بيد أنّ البريق سرعان ما بهُت مع أحداث 7 مايو (أيّار)، الّتي رفعت الأصوات المتسائلة عن دور حزب الله وشرعية سلاحه، لاسيّما بعد أن استُدرِج لمعركة داخلية أيقظت في أذهان الشّعب اللبنانيّ شبح الحرب الأهلية. وازداد الانحدار في شعبيته مع دخوله في الحرب السّورية، وزاد التّململ – الدّاخليّ والخارجيّ – مع امتداد الحرب السّورية وما أعقبها من خسائر بشرية ومع دخوله وإن بشكل أقل في حرب اليمن، بيد أنّ الأصوات المعارضة لم تعدو عن كونها بعوضًا يسبب الإزعاج دون تهديد حقيقيّ للوجود، حيث بقيَت الأكثرية – جمهور «8 أذار» – يرى في وجوده ضرورة لحماية الدّولة اللّبنانية والشّعب من أخطار العدوّ الخارجيّ المتمثل حينًا بالكيان الصّهيونيّ وحينًا آخر بالإرهاب الدّاعشيّ.

بالرغم من أن بريق نجم حزب الله كان يسطع تارة، ويبهتُ أخرى، إلا أنّه حافظ على تأييد الغالبية، وهذا ما أظهرته نتائج الانتخابات النّيابية الأخيرة. لكن ومع استمرار الفساد الّذي نخر كيان الدّولة اللّبنانية الّتي يشكل حزب الله جزءًا أساسيًا من منظومتها، ومع ازدياد تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في لبنان، تَهَدَّدت المصالح المعيشية، وتفجر التّململ الشّعبيّ إلى انتفاضة وتحرّك طال المناطق اللّبنانية بغالبيتها وهو ما عُرِفَ بـ«ثورة 17 تشرين».

كانت «ثورة 17 تشرين» بداية انحدار شديد في شعبية حزب الله، على مستوى لبنان عمومًا وعلى مستوى الطّائفة خصوصًا، فالنّاس الّتي ثارت ضد كافّة الطّبقة الحاكمة بقطبيها «8 و14 أذار» فوجئت أن حزب الله اعتبرها ثورة موجهة ضده، لاسيما بعد رفض المواطنين محاولات السّلطة بمختلف أطيافها قطف الثّمرة. وزاد الطّين بلّة اضطرار حزب الله وحلفائه لتشكيل اللون الواحد، حكومة «مستقلة» الظّاهر مسيّسة الباطن. إلا أنّ زيف استقلالية الحكومة الجديدة سرعان ما كُشِفَ بعد سلسلة التّعيينات والمحاصصة، وعجزها بالرغم من خطاباتها الواعدة عن تحقيق إنجازات على أرض الواقع، فاللّيرة اللّبنانية منهارة، وأسعار السّلع تفوق القدرة الشّرائية؛ ما دفع بعض المحال للإقفال، واضطر عدد من المواطنين لاستخدام المقايضة كبديل عن العملة الورقية. هذا التّدهور الاقتصاديّ والمعيشيّ وما رافقه من تلكُّؤ حكوميّ من جهة، وضبط عمليات تهريب للسّلع والدولار والمازوت على أعين النّاس نحو سوريا، والّتي كان لحزب الله اليد العليا فيها من جهة ثانية، زاد حنق المواطنين، وأطفأ وهج الحزب في أعين الكثيرين.

هذا التّدهور وخسران التّأييد الشّعبيّ زاد الخناق عليه، وبات يشعر بأنّه محاصرٌ تمامًا، وكان لابدّ عن إعادة كسب تأييد جمهوره – العنصر الأهم لضمان شرعية سياسته – فعمد لتوجيه الغضب الشّعبيّ نحو العدوّ الخارجيّ، فعاد شعور الطّائفة بأنّها مهددة، ولا خلاص إلا بالانكماش على نفسها والتّدرع تحت راية الحزب، وبذلك يضمن تأييدًا شعبيًّا بقدر ويخفف من وطأة الحصار ولو على المدى القريب.

خلاصة:

هذه العوامل الخارجية والدّاخلية – باختصار – تثبت حجم الأزمة الّتي يرزح تحتها حزب الله، الّذي بات غارقًا في رمالٍ متحرّكة، ومع ذلك لم تزل استغاثاته مجرّد همسات وضمنيات أمام خطابات الهجوم والتّهديد، وإن خفّت اللّهجة في الفترة الأخيرة. وسياسة العداء هذه نحو العالم العربيّ وإن أكسبته وزنًا على المدى القريب، إلا أنّها تكشف اليوم عن التّصدّع الّذي يعاني منه سور «محور المقاومة» دون صديق حميم يردم الثّغر ويقيم الجدار.

يدرك حزب الله أنّه محاصر فالدّاعم الأساسيّ له ماليًا وعسكريًا منهك داخليًا، والممر الوحيد لإمداده معدم، أسد «محور المقاومة» جريح، و«الحرب مع العدوّ» هي رسالة موجهة في جوهرها نحو جمهورين أساسيين، جمهور «المؤلفة قلوبهم» الّذي سرعان ما سيختبئ خلف سور المقاومة، بل يساعد في ترميمه ويتغاضى عن الدّافع الحقيقيّ وراء إعادة صورة العدوّ الخارجيّ فجأة، وجمهور المؤمنين بسياسة الحزب، الّتي صوِّرَ له أنّ الواقعة أشبه ما تكون بالمشهد الكربلائيّ، حيث تكالب أعداء الدّاخل والخارج و«الشهادة» هي الخيار الوحيد.

«الحرب ضدّ عدوّ خارجيّ» هي الورقة الأخيرة كما يراها حزب الله في الوقت الحاليّ.. لكنّها مجازفة، إذ ليس شرطًا أن تكون الورقة الأخيرة رابحةً دائمًا. ويبقى السّؤال كيف سيلعبُ ورقته الأخيرة؟ هل سيعتمد سياسة حافة الهوية أم سيكون خياره خيار شمشون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حزب الله
عرض التعليقات
تحميل المزيد