«تمنيتُ على الله، أن يجعل حُكَّام العرب والمسلمين، يجعلون النبيَ المصطفى، عليه الصلاة والسّلام، أُسوتهم الحسنة وقدوتهم في اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، ليس في المجال العسكري فحسب، بل في شتى المجالات المختلفة..».

هكذا تحدث اللواء الركن محمود شيت خطاب، بعد أن عاش مع سيرة سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معيشة الدارسين الموضوعيين الباحثين عن الحق والحقيقة.

المولد والنشأة

محمود شيت خطاب (1919 – (23 شعبان) 1419 هـ- 1998 م) ولد بمدينة الموصل العراقية، ونشأ نشأة إسلامية كبيرة حيثُ الدين الذي كان يؤثر بسماحته في الفطرة النقية عند الناس.

درس في الكتَّاب علوم الدين الإسلامي، وتجويد القرآن، وحفظه، وتعلم فيه الخط، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية في السنة الثامنة من عمره، وواصل تعليمه فيها حتى أكمل المراحل الثلاثة: الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

وكان يصحب والده إلى مجالس الحي، حيث يجتمع الأعيان في مجلس يسهرون فيه على سماع الأخبار، وقراءة الكتب النافعة، وتدارس مشكلات الناس، ومساعدة من يحتاج إلى المساعدة، وحل المعضلات التي تعترض الأفراد والأسر.

وكان والده يكلفه بقراءة أحد كتب التاريخ على الحضور، ومعظمهم من أهل العلم واللغة، فكان ذلك سببًا من أسباب حرصه على إتقان القراءة، وعشقه للتاريخ.

نضاله المشرف

روح الثورة على الباطل لم تفارق اللواء خطاب في سائر أطوار حياته، فمنذ كان تلميذًا صغيرًا وهو يشارك في المظاهرات الطلابية ضد الاستعمار البريطاني. ثم لما قام القائد رشيد عالي الكيلاني بثورته المسلحة ضد الإنجليز المحتلين عام1941م، التحق اللواء خطاب بالثورة وشارك فيها وجُرح في تلك المعارك.

وفي أثناء المد الشيوعي أيام حكم عبد الكريم قاسم، تصدى للشيوعيين أيما تصدٍ، ووقف أمامهم ودافع عن أبناء الشعب حتى اعتقل وعذب بعد أن ترك التعذيب 43 كسرًا في عظامه.

وتقدم عام 1948م بطلب إلى المراجع العسكرية ليسمحوا له بالالتحاق بالقطعة التي سوف تتوجه إلى فلسطين لقتال اليهود، وقد شارك في عدة معارك. وبقي في مدينة جنين أكثر من سنة، وقد قال عن معركة جنين الذي أبلى فيها بلاء حسنًا:

هذي قبور الخالدين وقد قضوا ** شهداء حتى ينقذوا الأوطانا

المخلصون تسربلوا بقبورهم ** والخائنون تسنموا البنيانا

لا تعذلوا جيش العراق وأهله ** بلواكم ليست سوى بلوانا

أجنين يا بلد الكرام تجلدي ** ما ضاع حق ضرجته دمانا

يقول عن نفسه: وقد حبستُ قلمي على الجهاد في فترة الأيام العصيبة قبيل اندلاع الحرب 5 يونيو (حزيران) 1967م، فلما وقعت الحرب بين العرب وإسرائيل، حاولت أن أجاهد بروحي، فلم يكتب الله لي الشهادة في ساحات القتال.

الرسول القائد

لقد أجلى اللواء خطاب ذكاء النبي، صلى الله عليه وسلم، في معاركه، وبيَّن أن النبي قد عمل بكل مبادئ الحرب المعروفة، دون استناد على خوارق خارجة عن دائرة التخطيط العسكري العام. إن النصر من عند الله، ما في ذلك شك، لكن الله لا يهب نصره لمن لا يعرف متطلبات القتال كافة.

ويمتاز النبي عن غيره بميزتين مهمتين هما: 1. أنه كان قائدًا عصاميًّا 2. أن معاركه كانت لفرض حماية حرية نشر الإسلام، لا للعدوان، والاغتصاب، والاستغلال.

لقد حرص النبي على تربية الروح المجاهدة في نفوس المؤمنين أولًا قبل القتال، فكل جيش يحارب بعقيدة لتحقيق هدف معين لا بد أن يستقتل في سبيل عقيدته وهدفه، وبذلك يصعب قهره، إذا لم يكن ذلك مستحيلًا. أما الجيش الذي لا عقيدة له ولا هدف، فما أسهل أن تتحطم معنوياته عند الخطر. إذا كانت لديه معنويات!

لقد كانت أسباب نصر الرسول القائد في أربعة أسباب مهمة هي:

  1. قيادة عبقري 2. جنود ممتازون 3. حرب عادلة 4. ضعف الأعداء.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينتصر وينشر دينه بحد السيف كما يزعم المستشرقون، وإنما كان قائدًا إنسانًا فذًّا له مؤهلات العظمة التي تجعله فوق القادة العسكريين على مدى الزمان.

من أهم أسباب النصر

بيَّن اللواء خطاب من خلال دراسته للسيرة النبوية العطرة، أهم أسباب النصر الذي صاحب المسلمين في معاركهم على مر العصور، وقد كان للعامل المعنوي دور مهم وأساسي في هذا.

لقد غرس الدين بعقيدته وأخلاقه روح البطولة والذكاء في نفوس أتباعه، حتى كان الواحد من المسلمين يخوض ميادين القتال مقتحمًا له غير مبالٍ بعاقبة أمره من القتل. لأنه كان يسعى أساسًا للشهادة في سبيل الله.

كما كانت للقيادة العبقرية دور بارز في النصر؛ إذ إن القادة كانوا رجال أعمال وأفعال وتخطيط لا أقوال. فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقود رجاله من الأمام، يقول لهم اتبعوني اتبعوني، ولم يكن يقودهم من الخلف، ويقول لهم تقدموا تقدموا، ثم يأوي إلى مقر آمن مريح، كما يفعل القادة المخذولون.

وفي هذا يقول اللواء خطاب موجهًا: «لا بد من إعادة النظر في بناء الرجال ليكونوا دعامة الحاضر وسند المستقبل، ولتكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس».

ويضيف من واقع خبرته: «لقد تعلمت في حياتي الخاصة أن صفات ثلاثة ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبية، وهي تعني عدم خوف الإنسان من قول ما يعتقده صوابًا، والثبات على هذا الاعتقاد».

من أقواله

– يقول: «بعد تخرجي ضابطًا كان من تقاليد الجيش أن تولم وليمة للضباط الجدد، وشهدت الحفلة مع زملائي، فجاء قائد الكتيبة وقد ملأ كأسًا بالخمر، وأمرني أن أبدأ حياتي بشرب الخمر، وكان الليل قد أرخى سدوله، وكانت السماء صافية تتلألأ فيها النجوم، وكان قائد الكتيبة برتبة عقيد يحمل على كتفيه رتبته العسكرية وهي بحساب النجوم: اثنتا عشرة نجمة، فقلت له:

إني أطيعك في أوامرك العسكرية، وأطيع الله في أوامره الإلهية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنك تحمل على كتفيك اثنتي عشرة نجمة، فانظر إلى سماء الله لترى كم تحمل من نجوم.

فتعجب القائد وردد: السماء.. السماء.. نجوم السماء!

ومضى غضبان، وشعرتُ بأن موقفي هذا ليس مصاولة بيني وبين القائد، ولكنها مباراة بين إرادته بشرًا، وبين إرادة الله خالق البشر».

– ويقول: «إن الدعوة التي تبناها المبشرون وعملاء الاستعمار وأذنابهم في إبعاد الدين الإسلامي عن الحياة، دعوة مريبة، هدفها إبعاد العرب عن الناحية المعنوية في حياتهم، فالعرب جسم والإسلام روحه، ولا بقاء للجسم بدون الروح.

إن قوى هائلة تعمل على تحطيم هذا الجيل، وتفتيت قدراته، وكانت قبل مقصورة على العدو الخارجي، أما اليوم فقد وجدت لها مرتكزات لا تحصى في الداخل، وإن ارتباط مستقبل هذا الجيل صعودًا أو هبوطًا بمدى التزامه هداية الإسلام، أو إعراضه عنه.. إن المسلمين اليوم في حاجة ماسة إلى قادة كخالد والمثنى وغيرهما، إلا أن حاجتهم إلى العلماء العاملين أمسُّ وأشدُّ.

هناك أزمة ثقة بين الشيوخ والشباب. ومردُّ ذلك إلى فقدان عنصر القدوة الصالحة في معظم الذين يُعدُّون في الشيوخ، ويظنون أن كل ما عليهم هو أن يحسنوا عرض الموعظة السطحية، ولو كان سلوكهم الشخصي أبعد ما يكون عما يدعون إليه».

– ويقول: «يجب أن نبني الرجال ولا نحطم الرجال، إن الذين يعملون على تحطيم الرجال والشباب يخدمون إسرائيل وأعداء العرب والمسلمين في كل مكان».

قالوا عنه

– يقول عنه الأديب المؤرخ محمد أحمد باشميل:

«يُعَدُّّ كتابه «الرسول القائد» من أروع من خطَّته الأقلام المسلمة في تاريخ الرسول العسكري، حيث لم يسبقه أحد إلى الطريقة التي سلَكها في وصف المعارك التي قادها الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث أثبت للقارئ، بفلسفة عسكرية شيّقة، أنّ محمدًا – بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا – هو أعظم قائد عسكري عرفته البشرية».

– قال عنه أحد الكتاب اليهود في كتاب «الحرب بين العرب وإسرائيل»:

«إنه أكبر عقلية استراتيجية في العرب، ولكنه كالنبي في الصحراء لا يجد من يستفيد منه».

– يقول الشيخ محمد أبو زهرة:

«إن صديقي الكريم اللواء الركن محمود شيت خطاب القائد العظيم المدرك، والوزير المخلص ـ وقليل ما هم ـ سعدت بمعرفته، وأحسست بأني أعرفه منذ سنين، يسير بفكره، وقوله وعمله في خط مستقيم كاستقامته، وقد جمع الله له من الصفات ما تسمو به واحدة منها عن سفاسف الأمور».

وفاته

في صباح اليوم 23 شعبان 1419 هـ الموافق الثالث عشر من شهر ديسمبر (كانون الثاني) سنة 1998م كان اللواء خطاب يجلس على كرسي عتيق تحت درج منزله، وجاءت ابنته تودعه قبل أن تغادر المنزل إلى الجامعة، طلب منها أن تجلس إلى جانبه لتقرأ سورة يس فجلست وجاءت زوجته وجلست وقرأت البنت سورة يس، وكان يقرأ معها، فأحس بجفاف في حلقه بعد الانتهاء من قراءة السورة، فطلب من زوجته أن تأتيه بكأس من الشراب، وأسرعت الزوجة إلى المطبخ وهي تسمع زوجها يردد:

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. وكررها مرارًا ثم سكت، وابنته تنظر إليه وتردد معه شهادة الحق، فأسرعت زوجته إليه لتراه كالنائم، قد أسلم الروح لبارئها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سيرة, محمود شيت

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد