لكل تجارة موسمها، فالزراعة أقسام وأنواع، ولكل موسمه؛ فالليمون له موسم لجنيه وللتجارة فيه، والجوافة لها موسمها لقطفها، والزيتون… إلخ؛ فالفلاح يكون عنده عدة خيارات ليزرع أرضه على مدار العام، ولكن لا يزرعها إلا الصنف الذي يرى فيه الخير والصلاح له ولأرضه من الناحية المادية بالدرجة الأولى.

ورمضان موسم من مواسم العام الذي تحلو فيه التجارة، ولكن هذه التجارة ليست كأي تجارة؛ فهي تجارة مع الرحمن مع الرحيم، فهي تجارة الإيمان والطاعات، والخيرات والبركات والرحمات، تجارة تنجينا من العذاب الأليم.

رمضان يا شهرًا في السنة الواحدة، يا لجمالك رمضان، ولجمال أجوائك، وجميل عباراتك، يا قرة القلوب ومحببها بخالقها ومقربها منه، وكما قيل: «ما أعظمك يا شهر رمضان»!

لو عرفك العالم حق معرفتك لسمَّاك «مدرسة الثلاثين يومًا» مدرسة وأي مدرسة؟ فهو مدرسة القرآن والأرحام، مدرسة الصدقات والتراحم بين الناس في الليل والنهار.

الله – عز وجل- قال في محكم التنزيل: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم» (الصف: 10) جاء في تفسير سيد طنطاوي أن لفظ التجارة جاء للتهويل والتعظيم، أي هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن؟ بلى يا رب، دلنا لعلنا نفيق مما نحن فيه ونكون كالذي قلت عنهم «خير أمة أخرجت للناس»، دلنا يا رب لعلنا نتقرب منك أكثر وأكثر، دلنا يا رب لعلنا نتقرب من بعضنا البعض ونترك البغضاء، والشحناء، والقبلية، والعصبة، والعائلية، والحزبية، دلنا لعلنا، ولعلنا، ولعلنا، دلنا يا رب لعلنا ننال رحمتك وننجو من العذاب الأليم.

«هل أدلكم على تجارة»

وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح، وذلك لأنهما يتلاقيان ويتشابهان في أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم، وأي ربح أعظم من هذا الربح الوفير؟! إذ هو ليس من ملك من الملوك، أو مدير المؤسسة الفلانية، أو صاحب الشركة الفخمة، بل هذا الربح من الكريم الغني الذي له ملكوت السماوات والأرض، وكذلك يجب السعي من أجل الحصول على المنافع في الدنيا والآخرة، لننال أجر الصائم الذي هو على الله – عز وجل- على الكريم الرحيم، وهو يجزي به «فهو الربح العظيم، لأنه ليس بيد أحد من البشر».

إني صائم

يا لها من كلمة رقيقة، وفِعلة عظيمة في الميزان قد تكون سببًا بأن تدخلك الجنة، نعم إني صائم عن الطعام والشراب، والشهوات، والشتم، والمعاصي، والمنكرات، نعم إني صائم عن الأذى، إني صائم عن السرقة، إني صائم عن الأمل الزائف، والكذب الذي لطالما أوهمنا به الآخرون، نعم إني صائم لأن الله – عز وجل- قال: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه».

رمضان شهر الخيرات والأعمال الصالحة، فيه ترفع الهمم، فيه تتقرب القلوب وتصفد الشياطين، فيه ترتقي الكلمات والنفحات، فيه تتقرب الصلات والأوصال، فيه تذوق القلوب حلاوة الإيمان والطاعات، رمضان يا شهر الجود والكرم، من أول لحظة تسمع فيها أن غد رمضان يلهف قلبك للقياه وتشعر بكمية كبيرة من الرقة دخلت فؤادك، يا من نامت العيون فيك ولم تنم القلوب حتى لا تفقدك وتفقد بركتك، رمضان شهر التوبة والأوبة، حتى لو قصرت وعصيت، وهذه عادة كل البشر، فلا تخجل، ولكن افتح صفحة جديدة من حياتك من هذا الكتاب الذي بين يديك قلّب صفحاته وابدأ صفحة جديدة مع الله – عز وجل- وفي بعض الأحيان لا يُجدي أن تقلب الصفحة من نفس الكتاب، فعليك أن تغيّر كل الكتاب، وافتح كتابًا جديدًا وعاهد الله – عز وجل- على التجارة العظيمة التي لم ولن ولا تبور!

فأي تجارة أعظم وأفخم من هذه التجارة، إذ هي تجارة مع الغني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد