من أكثر الكتابات جنونًا وعبقرية، لا أعرف من أي مكان جاء بالفكرة، أو أي شيطان أوحى للكاتب بهذه الفكرة، فأنت مهما حاولت أن تتفكر وتتقصى في الأمر ستجد صعوبة في معرفة الجذور والإشارات التي أوحت له بكتابة مثل هذه الرواية، إنها نوع من الكتابات التي لن تجد لها مثيلًا في حياتك، رواية «العطر» للكاتب الألماني بالترياك زوسكيند.. قصتي مع هذه الرواية طويلة، فقبل سنوات شاهدت الفيلم المقتبس عن الرواية، وكانت صدمة شديدة لي، فمن القصة الغريبة والأحداث والنهاية الجنونية للفيلم إلى الممثل المحترف كان الإبداع مجسدًا، أتذكر أنني ظللت مصدومًا لعده أيام.
وكمثل كل الأفلام العبقرية التي شاهدتها كنت أبحث عن الروايات التي اقتبست منها الأفلام لأقرأها إن كانت متوفرة ومترجمة، وبينما أتجول في مكتبة وقعت عيني على رواية العطر فاشتريتها فورًا. الرواية تدخل عالمًا لم يسبق لأحد حسب علمي طرقه، عالم الشم والروائح، جون باتيست جرانواي، الشخصية الغريبة، منذ ولادته وهو غريب فمجيئه شؤم، وكل من اقترب منهم كان شؤمًا عليهم، الطفل الشيطاني، فمن والدته التي كان سببًا في قتلها، إلى إيداعه كنيسة، ورفض كل المرضعات إرضاعه بعد يوم واحد فقط من اتفاقهن ورفضهن العروض السخية لإرضاعه لتشاؤمهم منه، ولأنه كان غريبًا لا يشبه الأطفال العاديين، حتى القس في الكنيسة اشمأز منه وابتعد عنه، لم تقبله إلا مرضعة واحدة فقط، وهي مدام غايار، فهي مختلفة، لا تشعر، ولا تعرف معنى الرحمة، كأنها جماد، حتى الأطفال الذين كانوا معه في دار المرضعة أدركوا أن هناك خطبًا ما في هذا الطفل لدرجه أنهم حاولوا قتله.

إن بوسع البشر أن يغمضوا عيونهم أمام ما هو عظيم، أو مروّع أو جميل، وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان والكلام المعسول، ولكن ليس بوسعهم الهروب من العبق؛ لأنه شقيق الشهيق معه يدخل إلى ذواتهم.

إن بطل الرواية له أنف خارقة تتعرف على آلاف الروائح، تستشعر طيوفها من مسافات بعيدة وتحللها إلى مكوناتها الرئيسة، كما أن له ذاكرة تختزن كل الروائح التي استنشاقها، بل هو قادر على استدعائها من ذاكرته في أي وقت، يقول الكاتب في الرواية على لسان جرينواي أننا لا نحب شخصًا، أو نعجب بشخص بسبب شكله، أو ملامحه أو تقاطيع وجهه وجسده، بل لأننا نعجب برائحته حتى لو لم ندرك هذا، هل من الممكن أن يكون هذا صحيحًا؟ هل نتأثر برائحة شخص آخر دون أن ندركها في عقلنا الظاهر بأنفنا، وحاسة الشم المباشرة؟ أم بالعقل الباطن؟ هناك قصة مشابهة في القرآن، قصة النبي يعقوب الذي كان أعمى البصر، وكان أن أرسل النبي يوسف قميصه إليه، وأثناء سفر القميص في الطريق، وقبل أن يصل إلى بيت سيدنا يعقوب قال لأبنائه «إني لأجد ريح يوسف»، هذا حدث مع الأنبياء فهل يحدث مع العاديين منا؟
البطل في بعض أجزاء الرواية يكتشف أنه بلا رائحة، نعم صاحب الأنف الخارق والموهبة الحساسة القوية بلا رائحة، لذلك عرف لماذا كان الناس يتعاملون معه كأنه غير موجود (نكرة)، وعرف السبب أنه بلا رائحة مميزة، إذًا فهو غير مرئي بالنسبة لهم، لذلك عزم على عمل رائحة خاصة له، وما رائحه الإنسان إلا مجموعة تزيد أو تنقص من المكونات، قادر أنفه الحساس على تمييزها، وهو قادر على خلطها وتركيبها، فعمل خلطة لنفسه وخدع بها بقيه الناس، وأصبح (مرئيًا) من الناحية الشمية لديهم، وعندما كان يريد ان يظهر للناس كان يضعها على نفسه، وعندما كان يريد أن يختفي كان لا يضع تلك الرائحة. كذلك نجح أيضًا في تركيب عطور جديدة، منها الذي يجعل الناس تشفق عليه، ومنها ما يجعله محبوبًا… إلخ.

لم يكن شكلها يهمُّه في شيء، وهي كجسد لم تعد موجودة بالنسبة له، إنما فقط كعبق من دون جسد، وهو ما كان يحمله تحت ذراعه، وهو ما أخذه معه.

أراد جريناوي تحقيق هدف محدد وهو استخلاص أعظم عطر، ولكن بالرغم من موهبته الحساسة وأنفه الرهيف، إلا أنه لا يعرف طرق استخلاص الروائح، مكث مع بالديني صانع العطور الإيطالي فترة ليعمل معه ويتعلم بعض طرق استخلاص الروائح، ثم سافر إلى مدينه جراس أيضًا، وتعلم طرقًا أيضًا لاستخلاص العطور، اكتشف أن لكل إنسان رائحة، وأن أجمل الروائح هي عبير الفتيات العذراوات، قام بالعديد من جرائم القتل لفتيات عذراوات جميلات في سن الـ17 واستخلص منهن عبيرهن وعطرهن بالطرق التي تعلمها، ثم قام بعمل أعظم عطر عرفه العالم، العطر البشري المستخلص من عبير أجمل الفتيات العذراوات، الذي سيجعل العالم كله يركع تحت قدميه.

لعبق الرائحة الطيبة قدرة على الإقناع أقوى من الكلمات ونور العين والشعور والإرادة. من أهم الخطوط أيضًا في الرواية هو الصراع المحتدم والغيرة المتبادلة بين صاحب الموهبة والمجتهد، وهنا ليس صاحب موهبة عادي، بل إِنَّهَا موهبة خارقة بكل معنى الكلمة، جان باتيست جريناوي صاحب الأنف الجبارة التي تميز بين الآلاف من الروائح الحساسة جدًا، وبالديني العطار الذي أفنى حياته في صناعة العطور، الذي لم يستطيع أن يعرف مكونات العطر الذي صنعه منافسه، بالرغم من أنه عطار قديم، وجاء غرينواي وأخبره بالمكونات، بل صنع له العطر بنفسه في دقائق قليلة، بالرغم من أنه في حياته لم يدخل معمل تصنيع، ولم يتعامل في حياته مع أية أدوات، بخلاف بالديني الذي شاب شعره في المهنة، بدون أي قياسات أو معرفة أحجام أو استخدام أوزان أو أي من الأدوات، هنا تظهر الهبة والعبقرية، بالديني كان سيستخدم الأدوات والطريقة التقليدية لإجراء الآلاف التجارب، أما جرينواي فقد عرف المكونات على الفور وصنع العطر على الفور. الصراع بين الروتين، والتقيد بالطرق، والقواعد، وبين الإبداع القائم على خرق القواعد والأعراف.

عبق البشر في حد ذاته كان بالنسبة إليه سيان، فقد كان بوسعه تقليده ببدائل مختلفة وبنجاح، أما ما كان يشتهيه فهو عبق بشر بعينهم: أولئك القلة النادرون الذين يلهمون الحب، هؤلاء كانوا ضحاياه.

الرواية حافلة بكل ما يمت بالشم والروائح بصله، فمن المواد المستخدمة في العطور والشرح المستفيض لمكونات العطور وأسماء وأنواع الزهور وطرق استخلاص العبير منها. كنت قد قرأت من قبل كتاب خفيف لطبيب نفسي يبحث فيه موضوع حاسة الشم وما تؤثر به علينا، وأنها من الحواس المهملة، وقرأت أيضًا أنه عن طريق حاسة الشم نجتذب شريك الحياة! وَإِنَّكَ تستطيع أن تشم رائحة الخطر، والكذب، والخديعة! ربما أنا على أية حال لست ممن يصدقون كل ما يقرأ. ربما ستذهل من معرفة أن هذه الرواية هي أول رواية يكتبها الكاتب، ولقد أخذت شهرة عالمية، وترجمت إلى أكثر من لغة، وبيعت منها ملايين النسخ، الرواية مبهرة وعبقرية، وتقريبًا من أكثر الكتابات غرابة وعبقرية التي قرأتها في حياتي كلها، وأنصحكم بقراءتها بشدة، ومشاهده الفيلم المقتبس عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد