لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية، ما لم تتوافر للدولة سيطرة على مواردها الاقتصادية، مع توافر بعض الشروط لحسن استخدام السيطرة وترشيدها. إن السيطرة على موارد الدولة ليس أمرًا مطلوبًا في حد ذاته، وإنما هو الشرط الضروري لحسن استخدام الموارد وعدالة التوزيع.

ليس المقصود بسيطرة الدولة الاقتصادية هو أن تباشر الدولة بأجهزتها المختلفة الإدارة اليومية، أو التدخل المستمر في العلاقات الدولية، ولكن المقصود هو أن تنظم إدارة الموارد الاقتصادية في اتجاه عام متناسق مع أهداف الدولة، وأن تكون قادرة في أي وقت على منع الانحرافات التي تهدد مصالح الدولة، مع توفير الإمكانيات اللازمة للقدرات الخلاقة والإبداعية للمجتمع.

مع اختلاط المفاهيم أصبحت الحياة الاقتصادية مهددة بالضياع، فعندما تصبح سيطرة الدولة هدفًا في حد ذاته، وليس شرطًا من شروط التنمية والتقدم. عند التحدث عن سيطرة الدولة يقفز لأذهاننا القطاع العام دون القطاع الخاص. هذا اعتقاد خاطئ! أيعقل هذا؟!

الحقيقة أنه إذا فقدت الدولة سيطرتها، أو ضعفت هذه السيطرة على القطاع الخاص؛ فهذا يعني ببساطة انهيار سلطان الدولة وسيادتها؛ فالدولة أداة للقهر على الأفراد، فإذا كانت غير مطمئنة لممارسة القهر على الاقتصاد الخاص، تعترف بفقدان أهم مقوماتها.

من الطريف أن نلاحظ أن سيطرة الدولة على القطاع العام أقل من القطاع الخاص. فعند النزول لأرض الواقع نجد أن القطاع العام بطبيعته جزء من أجهزة الدولة، والقائمون عليه لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مسئولون عن إدارة وحدات اقتصادية مملوكة ملكية عامة، بل على أنهم جزء من أجهزة الدولة. كما أنها الأكثر مخالفة للقواعد والقوانين بوصفها جزءًا من الدولة. ولكن الأسوأ أنها تكون حافزًا للأفراد والقطاع الخاص على ارتكاب المخالفات. ففي كل الأحوال، القطاع الخاص أقل متابعة استنادًا للحجة الدائمة، نقص الموارد المتاحة للقطاع الخاص. وبالتالي نستنتج أن القطاع العام أدنى جدية، وأكثر تراخيًا من سيطرة الدولة على القطاع الخاص.

فننظر قليلاً إلى ظاهرة «الخصخصة» بمعنى بيع بعض وحدات القطاع العام للقطاع الخاص ليس مجانًا أو منحة من الدولة، ولكن بمقابل مادي. لكن السؤال المطروح هنا: هل سيطرة الدولة الاقتصادية على مواردها الاقتصادية تزيد بفعل هذا التبادل أم أنها تضعف؟!

الإجابة بالإيجاب، أيعقل هذا؟! فمثلًا من يشتري مصنعًا للحديد والصلب يجد نفسه مكبلًا بالقيود، لا يجوز له العمل إلا في هذا المنتج، وهو أيضًا مقيد بالعاملين في المصنع أنفسهم، ويلتزم بتعليمات الدولة وشروطها. ويُحدث ذلك تأثيرًا في نظام التسعير والحصول على المواد الخام من الدولة، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية والضرائب؛ بالتالي تكون الدولة المسيطرة على إدارته للموارد العينية وذلك لضمان النفع على الاقتصاد القومي، على العكس من صاحب الثروة المالية يتمتع بحرية شخصية في استخدام الأموال السائلة ودور الدولة هنا ضعيف، ويكاد يكون معدومًا من الناحية الفعلية. وهذا يكون عكس الانطباع السائد.

إن بيع الوحدات الاقتصادية التابعة للقطاع العام إلى القطاع الخاص، بمقابل موارد أجنبية أو محلية، يزيد من سيطرة الدولة الاقتصادية، بإضافة موارد مالية لخزينتها بعد أن كانت هذه الموارد هائمة بعيدة عن رقابة الدولة الفعلية.

إن منطق إدارة القطاع العام لا يدفع إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية. فحسن الإدارة الاقتصادية يتطلب أمرين هما: تجنب الأخطاء، واقتناص الفرص. هذان العنصران لازمان لأي تقدم اقتصادي، ولا يغني أحدهما عن الآخر؛ فالقطاع العام كان دائمًا شديد الحساسية لأي أخطاء فكان يتجاهل اقتناص الفرص، بمعنى أنه يتعامل بروتينية مملة. نجد دومًا السلوك الرشيد للدولة ينادي لتجنب الأخطاء وتشديد الرقابة للحيلولة دونها، وبذلك تسقط مسألة اقتناص الفرص من الإدارة.

فهنا يعاب على أجهزة الدولة ومؤسساتها بعدها عن الكفاءة والديناميكية، ليس انحرافًا عن منطق الأشياء، بقدر ما هو تأكيد لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد