بنزول أول آية من القرآن تأمر النبي محمد بالقراءة، وتمجد العلم وتنسبه إلى ذات الله، وتجعل من القلم رمزًا مقدسًا مرتبطًا بخطة لخلاص العرب والبشرية. يتضح أن إستراتيجية النبي الكريم في إحداث التغيير الاجتماعي الذي سيحل مشاكل الإنسانية، ويحقق الكرامة لكل البشر على اختلاف أجناسهم، ويحقق التنمية التي ركيزتها الإنسان، سوف تعتمد بحسب رؤية الإسلام ومنذ اللحظة الأولى وبشكل رئيس على العلم من خلال التفكر واقتداء النموذج.

عرض القرآن في بداية فترة مهمة النبي محمد النبوية في مكة التي استمرت 13 سنة العديد من قصص حدثت مع الأنبياء السابقين، وسير الأقوام السابقة في سياق وعظي، وربما لتكون المواقف التي اتخذوها وتصرفاتهم الرسالية مع الجماعات التي عاشوا فيها أنموذجًا يرشد النبي محمد في أداء مهامه النبوية، وكذلك اتباعه من المؤمنين، سواء كانوا في مواقع قيادية سياسية أو دينية.

لقد تناول القرآن قصص أنبياء مثل: موسى، والمسيح، وداود، وسليمان، ونوح، وآدم وغيرهم، وقادة مثل ذي القرنين، بعض هؤلاء كانوا في موقع القيادة لجماعاتهم، وقاموا بأدوار سياسية؛ ما يعني أن رسالة القران تتضمن جوانب سياسية واجتماعية من شأنها خدمة قضايا التنمية في كل وقت، ومن الممكن أن نتلمس بعض ملامح هذه الرؤية القرآنية باستعراض بعض آيات القران التي تتناول قصصهم، فمن خلال قصة النبي موسى في القرآن التي تتوزع في فصول عديدة من القرآن وبمواقف مختلفة.

كان النبي محمد قد تعلم من موسى أن يلقى عصى الراعي فيتحول إلى الحياة الواقعية بكل ما فيها من تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية، في محاولة لمعالجة نقاط الضعف في المجتمع وإصلاح الفساد، وتحقيق التوازن بين مكوناته والسعي لمكافحة الطغيان، والتهميش، والتفاوت الاقتصادي، والاجتماعي، لمقاومة المؤامرات التي تحكيها النخب المستغلة للأغلبية.

فحسب ما ذكرت التوراة والقرآن بعد ذلك أن موسى كان قد نشأ في قصر الفرعون، أي انه حضي بفرصة رائعة لكي يتلقى تأهيلًا سياسيًا وعسكريًا على أعلى مستوى، والقيادة لم تكن موهبة فطرية لديه، مع ذلك كانت قصة موسى درسًا تطبيقيًا للنبي محمد كي يتعلم من موسى كيف يكون القائد مثال التكامل، والتواضع، والعمل المشترك، الدؤوب والمخلص والجاد، والفضول في التعلم المستمر، وروح التعاون والتشاركية والثقة بالنفس وفي الآخرين، في الصبر، وطول النفس، والتخطيط الإستراتيجي، والإدارة، والتنظيم الشعبي، ولكي يكون محمد القائد الاجتماعي الواقعي الذي يعترف بالعيوب والنقص البشري في قدرات ومعارف مجتمعه وقلة الإمكانات التقنية، ولكنه لا يستسلم، بل يسخر العمل التشاركي وروح الفريق في التعاون لقهر العقبات ألتي تقف في وجه تحقيق أهداف التنمية والتغيير الاجتماعي.

إن موسى الذي كان بالواقع جزء من النخبة السياسية الحاكمة التي تستغل موارد المجتمع، وتمارس سلطات الدولة وتحتكر القوة العسكرية وتفرض إرادتها في تسيير وتدبير المؤسسات العمومية بما يضمن مصالحها الذاتية الضيقة لا ينسى في النهاية انتماءه للشعب المهمش والمغلوب على أمره الذي هو بأمس الحاجة إلى الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، والحقوق الإنسانية. بل إن جوهر رسالته يتضمن الدعوة إلى إنهاء حالة الطغيان السياسي الذي مارسه الفرعون ضد رعاياه، سواء أهل البلاد الأصليين أو أبناء الأقلية من المهاجرين الإسرائيليين الذين كانوا يعانون الاضطهاد حسب ما تذكر التوراة، والقرآن، إلى الحد الذي كانت فيه سلطة الفرعون تمارس الإبادة بحق مواليد الإسرائيليين، حتى أن موسى نفسه كاد يكون ضحية لهذه السياسات العنصرية، لولا أن ترتيبًا إلهيا فذًا أنقذه من المصير المحتوم.

وإذا كانت الصدفة ستقود إلى إحداث التغيير الثوري في حياة موسى الذي برغم انفعاله وتعاطفه مع مطالب الشعب المهمش المتعطش للتغيير والخلاص الوطني، فإنه لم يطور رد فعل تخريبي للنظام السياسي والاجتماعي الذي هو جزء حيوي وأساسي منه، بل اهتدى بعد ذلك حين تلقى الأمر بتولي مسؤولية تولي الرسالة النبوية إلى وسيلة مثالية لإحداث تغيير الواقع، وهي تربية المجتمع المؤمن برسالته بصبر وعناية ورحمة، فتعلم خلال عقد من سنوات العمل الجاد كراعي أغنام الصبر والتحمل، والتريث في التعامل المجاميع المستضعفة ورعاية شؤونها واحتياجاتها بعناية، حتى إذا أصبحت هذه المجاميع بعد فترة من الوقت وقد تكاثرت أعدادها وتحسنت أوضاعها المادية والمعنوية قادرة على الامتثال لدواعي التغيير ومستعدة للنهوض بهذا الواجب وتحمل مسؤوليته ستدرك حينها أنها ليست قطعان مواش.

لقد كانت خطيئة القتل غير المتعمد لشخص من الأغلبية نذيرًا بتغير سياق الاحداث، لأنها كانت مؤشرًا على قدرة شخص ما من الرعية على تحدي سلطة الفرعون المطلقة التي كانت تستمد شرعيتها من الآلهة، إذ لم يكن هناك فاصل بين الألوهية والحكم، فالحاكم مطاع لأنه بالواقع إله، والطعن في ألوهيته يبطل شرعيته التي تستند إلى الألوهية.

ما يعني أن مهمة موسى النبوية كانت منحصرة بداية في تخليص بني إسرائيل والخروج بهم إنقاذًا لهم من بطش الحاكم المتأله، ودحض فكرة الحق الإلهي في نظرية الحكم، عن طريق ضرب ألوهية فرعون، التي هي أساس شرعية حكمه، والمطالبة بحق شعب في السيادة على نفسه، وعيش خياراته وفق ما يرضاه ويختاره من أساليب عيش بحرية وقناعة في مناى عن ضغوطات وقهر وطغيان يصل إلى حد العذاب اليومي، ولو إلى الهجرة إلى حيث يستطيع أن يقرر هذا الشعب مصيره، وأن يمارس حياته بشكل طبيعي ما دام لا يستطيع تغيير السلطة.

لقد كان الخروج الكبير الذي قاده موسى خيارًا ماثلًا أكثر من مرة للنبي محمد لإنقاذ جماعته من الاضطهاد. وبالفعل فقد حث شريحة من مؤيديه على طلب اللجوء في دولة إفريقية هي مملكة أكسوم (الحبشة) أو إثيوبيا حاليًا، فكانت ابنة النبي محمد (رقية) وزوجها (عثمان) زميله التاجر الخبير والدبلوماسي القبلي، وهو من النخبة الثرية في مكة، والذي سيصبح الخليفة الثالث، جعله موفدًا خاصًا على رأس قافلة اللاجئين، كحل أمثل للحفاظ على جماعة المسلمين الأوائل من الفناء مقابل الاضطهاد الديني الذي كان يتعرض له مع جماعته من طرف زعماء مدينة مكة موطنه الأصلي الذي أعلن فيه عن دعوته إلى الدين الإسلامي.

لقد استغرقت مهمة الخروج أربعة عقود من الزمن حتى استطاع موسى أن يعثر على وطن لشعبه المهاجر من ديار الاضطهاد، وبعد أن قاسى شعب المهاجرين مرارة العيش في الصحارى القاحلة الشحيحة الموارد، بعد أن اعتادوا العيش في بلاد خصبة وفيرة المياه وغنية المحاصيل الزراعية، ومزدهرة حضاريًا، وعمرانيًا مع وفرة الإنتاج والقوة العسكرية. أثناء هذه السنين كاد الشعب أن ينقلب على قائده المخلص (موسى) جراء المعاناة القاسية، وإزاء التململ، بل التمرد، وجد موسى نفسه مضطرًا أخيرًا إلى أن ينفذ غزو عسكري لبلاد أخرى يمارس من خلاله أعمال العنف والاحتلال، وهي أفعال كان قد خلص قومه من مثلها، وطالما كان يعظ بعكسها.

لكن محمد النبي الذي ولد في الصحراء، وعلى ضوء من تجربة الهجرة الموسوية تبنى استراتيجية اللجوء إلى بلد مستقر وأمن ذي موارد طبيعية خصبة، ومصادر مياه وفيرة (نهر النيل وبحيرات شرق أفريقيا)، أي بعكس موسى الذي ترك بلدًا يقع على النيل متجها إلى البرية القاحلة. دون أن يحاول حتى أن يستغل مكانته السياسية ويتفاوض مع القصر في فرض الاندماج والتكامل بين جماعته وشعب المملكة التي يقيمون فيها على مر القرون.

لكن النبي محمد كان قد امتدح ملك الحبشة واصفًا إياه بـ(الملك العادل الذي لا يظلم عنده أحد) معززًا الثقة فيه بين أتباعه من المهاجرين، ولربما كان يخطط الانتقال إلى تلك البلاد للتبشير بالدين هناك، ونشر الدعوة انطلاقًا من مكان ودود وأمن يتمتع بالحريات، حيث كانت العلاقات الدبلوماسية والتجارية وثيقة وقوية بين مكة ومملكة الحبشة، وتكررت الإستراتيجية حين أرسل النبي محمد وفدًا آخر، يتضمن أعدادًا أكبر من المهاجرين، بقيادة ابن عمه جعفر، الذي أفشل مساعي أعداء محمد من المكيين، في حرمانه من أن يؤسس جالية من أتباعه هناك، وأن يكون له سفارة، أو مستوطنة مستقبلية من شأنها أن تؤثر سلبًا على مصالحهم التجارية، وتشكل خطرًا حتى على مكة كأن تصبح نواة لدويلة في أفريقيا يحكمها محمد وتدين بدينه.

ولعل هذا الهدف كان سيتحقق لولا أن محمد استطاع أخيرًا وبعد 13 سنة من الدعوة غير الموفقة في مكة بسبب المعارضة الشديدة لنبلائها وجهودهم المكثفة لمكافحة أي مكتسب ملموس، استطاع أن يجد مكانًا يهاجر إليه مع أصحابه الذين اعتنقوا الإسلام. فغادر مكة بعد كفاح مرير. وبتلك الهجرة تحول محمد محررًا للعبيد، وسندًا للضعفاء والمهمشين، الذين شعروا بكرامتهم الإنسانية، وأهليتهم لأن يكون لهم أخيرًا رأي وحرية ضمير، وأن من حقهم الطبيعي التمتع به، والتعبير عن قناعاتهم الدينية، دون أي إكراه، وحتى لو كانت تخالف قناعات سادتهم، ومحفزًا للنساء للعب دور فريد في الحياة كناشطات مؤثرات في مجتمع يوفر لهن فرصة في اعتناق الحرية، والدفاع عنها بصلابة تصل إلى حدود التضحية والفداء من أجل المبادئ تحت سياط التعذيب ورماح الاضطهاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القران, قصص
عرض التعليقات
تحميل المزيد