شكَّل الخطاب الشعبوي لدى اليمين الغربي إعادة حضور مسألة صراع الحضارات، فرأينا خطابًا مزيجًا بين محاولة تمجيد العرق الأبيض، ومحاولة أخرى لمهاجمة الأعراق، ولم يخل في كثير من الأحيان من مهاجمة الأديان خاصة الحضور الإسلامي بصفته لديه الحصة الأكبر من التابعين في أوروبا، معبرين عن تراجع المسيحية.

في ظل ذلك يجب علينا الوقوف مع حقيقية الصراع المفتعل، الذي أصبح مادة دسمة في أفواه اليمين لنيل مكاسب سياسية، أو إذكاء روح العنصرية لدى الأوروبيين، الأمر الذي نجم عنه ولادة حركات متطرفة تعادي الأعراق والأديان، وتنادي بالعنف، وترفع رايات الكراهية، وهنا لا أفضَل من الوقوف مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، بصفته المثقف العربي الأبرز، وأكثر من يعلم خبايا الغرب باتجاهاته وتوجهاته.

يضع هيكل تصورًا للصراع القائم بين الحضارات، وهو ليس بالضرورة ردًّا على هنتنغتون – كما أوضح هيكل نفسه- وإنما مفاهيم لمصطلحات كالحضارة والجغرافيا، ونظرة إلى حقيقة الصراع، فيرى أولًا أن الجغرافيا هي أم التاريخ ومعلمه وسبب وجوده، وأن الجغرافيا التي تقع عليها الشعوب واحدة، الأمر الذي يوجِد بالضرورة تاريخًا مشتركًا، وإن اختلفت أحداثه بتغير أماكن الشعوب في هذه الجغرافيا الواحدة، وتغير الظروف الطبيعية التي فرضت نوعًا من اللباس، والأكل، والموسيقى، أو حتى الطقوس الشعبية، التي بفعل فاعل أصبحت تتصف بالدينية، حتى تغير اللغات يعد أحد مظاهر الطبيعة الإنسانية، التي يتفق عليها الروحانيون معجزة لله تعالى، والماديون على أنها نتاج أطوار الطبيعة، فنحن أمام حضارة إنسانية واحدة انبثقت من سلالة بشرية، ثم بدوافع خارجة عن إرادتهم تكونت الثقافات، التي اختلفت باختلاف الأزمنة، والتصقت بسلالة الأجداد الأوائل.

أما في معنى الصراع فيقول هيكل: «وليس مصادفة – دون أن يكون بالضرورة مؤامرة- أن حكاية صراع الحضارات ونهاية التاريخ توافق ظهورها مع الغلبة الإمبراطورية في الحرب الباردة»، وفي هذا يرى أن الحضارة، أو لنقل بمعنى أدق الثقافة، لدى قوة أحادية اتسمت بالعظمة تريد أن تطغى على الثقافات الأخرى بما عندها، واستعملت لذلك حروبًا رخيصة – كما وصفها هيكل- كالحاصل في أفغانستان والعراق، بهذه الطريقة نرى أن أمريكا، أو من هم قبلها من الإمبراطوريات التي حكمت، أرادوا فرض قوتهم وثقافتهم على الثقافات الأخرى بقوة السلاح، ولا بد من ملاحظة الفرق بين جسد الحضارة الواحدة، وصراع القوى القائمة على جسد هذه الحضارة.

لعلنا نتفق مع الأستاذ هيكل في أمر الصراع القائم على المصلحة، ونختلف في توصيف من يرعون هذا الصراع؛ فليست الحضارة بطابعها إنسانية، وإنما قد تكون غير ذلك، وإن كانت الحضارة تعبر عن بقعة أرض ومحيط طبيعي، فإنها لا تعبر عن الإنسان القائم على هذه البقعة، فالإنسانية قد تلتصق بشعب، ولكنها في المقابل قد لا تجد طريقًا أو ملجأ عند شعوب أخرى.

أما الدور العربي والثقافة الإسلامية، فيرى هيكل أنها انشغلت بالرد على هذا الصراع فخسرت الكثير؛ لذلك رأيناهم يعتزلون الأمم، وتصاب بالوهن والضعف نتيجة العوالق التي ترسبت في أذهان الشعوب، وبسبب من يصدرون صورة الثقافة ويصيغون مفهوم الحضارة، تمامًا حينما نجح العرب بتأثيرهم الذي صنعوه في فترة سابقة من استصدار قرار يرى الحركة الصهيونية حركة عنصرية، لكن وبعد سنوات، حل الضعف مكان القدرة صوَّت العرب المسلمون لإسقاط القرار ذاته، هذا القرار عبّر عن حالة الضعف التي انتابت العرب بمن يقومون عليهم، ومن صمت عنهم مجمل شعوبهم، ومن جُمَل الضعف قبول فكرة صراع الحضارات من منظور ضيق، وعين تتعصب لما عندها دون وعي؛ ليصبح الإسلام بالمجمل، والثقافة العربية والإسلامية أداة لصالح من يريدون السطوة وتشويه عدوهم العربي والإسلامي، بل تعداه لاستخدامهم في أجنداته، يقول هيكل: «هناك من وظف الدين الإسلامي في حربه الباردة، الساخنة على العربي والمسلم في أفغانستان، ثم أمسك بمن حاربوا لأجله ووضعهم وراء القضبان في غوانتانامو»، لا بد لنا من معرفة الخطر الذي قد يصيبنا نتيجة الفهم غير المتعمق لمفهوم الصراع وتوظيفه، فأمريكا وظفت المصطلحات، وتاجرت بالعقول، واستغلتها لغزو العراق، مثلما قال بوش الابن في أحد خطاباته: سنحارب لأجل الله والصليب!

في حين وُظف المصطلح من ناحية لجر الشباب المفعم بالحماسة نحو هدم ثقافته بمعوله دون أن يدري، على خلافه جاء النموذج الصيني والهندوكي الذي نأى بنفسه عن صراع الحضارات، وصدّر ثقافته الناقصة للعالم، فتذوقت الإنسانية من وعاء حضارة الصين، في حين رأينا بقصور وجهل، أو تعصب وتشديد وخوف من الانفتاح أن الوعاء العربي والإسلامي الذي ساهم بالقدر الأكبر بصورة الحضارة، وكان محورًا للعلوم، لم يستطع أن يتذوق منه أحد إلا من بحث واستقصى، هنا يشير هيكل إلى أن العرب والمسلمين بقبولهم فكرة الصراع تنازلوا عن حقهم في شراكة التاريخ، تاريخ الحضارة، وقبلوا أن يكونوا في حوزتهم، الأمر الذي أدى إلى تحويل صراعات سياسية إلى حوار وصراع هوية، أو هكذا يظنون.

ولم يغفل هيكل عن دور الإعلام والصحافة في نشر الثقافة، وتصدير الصورة للشعوب، ويذكر أن استغلال حكومة صورة عرق، أو دين، أو قوم، قد يشعل فتيل الصراع، ويخدم حوار تجار الحضارة الذين يركضون خلف مصالحهم الشخصية، أو تحقيقًا لاستراتيجيات تهدف لغلبة ثقافة على ثقافة، وسيطرة إمبراطورية على سائر الدول؛ طمعًا في ما عندها، وحقدًا عليها وعلى تاريخها، الصحافة ذاتها سعت إلى تأجيج حوادث عرضية أو مفتعلة من قبل مارقين عن الثقافة العربية والدين الإسلامي، لكن السلطة الرابعة، استطاعت أن تنقل الخلاف مع الفكر إلى صراع مع الهوية، وحق الآخر في الوجود، في حين أن العالم يتناول مذابح تاريخية كخبر عابر.

أخيرًا يرى هيكل أن الصراع الذي تشهده المنطقة العربية ناجم عن ثلاث أمور: الموقع الاستراتيجي، والبترول، وإسرائيل.

يستطيع الجميع أن ينظر إلى العالم بعينه الخاصة، وقد يراها المحايد صراعًا سياسيًّا، لكن علينا أن نعي أن الدول التي تطمح لبسط نفوذها سترفض كل ما يجلب الاستقرار، فهي تريد الحروب، ومن صالحها حدوث الصراع؛ لتغذية آمالها وبسط نفوذها، وإذكاء نار العداء بين الشعوب؛ لتظل متفرقة واهنة، وأن أي طرح قد يلغي هذا المفهوم سيهدد بهدم قلاع الاستبداد، وعمارة قلعة الإنسانية التي ستلفظ كل من يتاجر بها، ومن يعمل لصالحه، إن صراع الحضارات قائم بالنسبة للإمبراطورية بشكل يبيح لها عدوانها على الآخر، ويضمن لها مصالحها، أما صراع الثقافات فينذر بغلبة ثقافة الفطرة، وهي تخالف ما يروج له هذه الأيام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد