مع اندلاع الحرب الطائفية في العراق بعد تفجير مرقد الإمامين في سامراء في 22 من فبراير (شباط) عام 2006، فقدت الكثير من العائلات في العراق أبنائها مع تصاعد وتيرة العنف الطائفي واختفى عدد كبير من الناس لم يتم العثور عليهم حتى الآن.

لم يكن العراقيون على علم بأن التغييب سيصبح ملفًا ويكبر يومًا بعد يوم، فبعد كشف الجيش الأمريكي في العراق عام 2005 عن سجن سري في مجمع مجاور لوزارة الداخلية بدأت منظمات حقوق الإنسان عمليات البحث والتقصي عن مصير المئات من المفقودين الذين أنكرت السلطات العراقية في ذلك الوقت أي معلومات عنهم، وتوصل البحث إلى اكتشاف عدد من السجون السرية التابعة للمليشيات أو تابعة لمكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي ازدادت في فترة حكمه تلك السجون السرية، ورغم تلك الفضيحة فإن التحقيقات تم التكتم عنها وإغلاق هذا الملف دون محسابة أو توجيه تهمة لأحد.

ومع دخول داعش للعراق أعدم التنظيم الإرهابي المئات من أهالي تلك المحافظات التي سيطر عليها بحجة انتمائهم للأجهزة الأمنية العراقية أو التعاون مع الحكومة وغيرها من التهم التي كان الموت عقوبتها المؤكدة، وهؤلاء أيضًا لم يتم العثور على الكثير منهم.

ومع انطلاق عمليات التحرير التي شاركت بها مليشيات الحشد الشعبي اقتيد الآلاف من أبناء تلك المناطق بطوابير إلى مصير مجهول لم يعلم به أحد حتى الآن لتُكتب صفحة جديدة في ملف المغيبين وتمتلئ بأسماء وعنوانين هؤلاء الأشخاص، بعد اكتمال عمليات التحرير طالبت الكثير من المنظمات الإنسانية من الحكومة الكشف عن مصير هؤلاء المفقودين خصوصًا بعد أن تم العثور على مقابر جماعية تضم رفاة أشخاص تم اعتقالهم على أيدي فصائل، ما يسمى بالحشد الشعبي في مناطق كثيرة منها الفلوجة والصقلاوية في محافظة الأنبار وبعض المناطق من محافظة صلاح الدين.

الحكومة العراقية حتى الآن تنكر معرفتها بمصير المغيبين وتقلل من الأرقام التي تجاوزت مئات الآلاف، معللة ذلك بأن المفقودين لا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف شخص كانوا يقاتلون مع التنظيم الإرهابي وقُتلوا أثناء المعارك..!

غير أن الجثث المستخرجة من المقابر التي عُثر عليها اثبتت وجود جثث لنساء وأطفال، ما يؤكد أن تلك المناطق حدثت فيها مجازر بحق المدنيين ارتكبتها المليشيات العراقية الموالية لإيران، ولأن العدد المكتشف حتى الآن من المقابر وماعثر عليه من جثث لايساوي شيئًا، أمام عدد المغيبين الهائل، والذين لا يعرف مصيرهم حتى الآن، يؤكد أنه قد تكون هنالك مقابر أخرى، لم يتم العثور عليها حتى الآن، وأن هذه المناطق شهدت عمليات تطهير طائفية بحق أبناء تلك المحافظات.

ومع وجود بعض المناطق في العراق تسيطر عليها المليشيات، ولا تستطيع الحكومة العراقية نفسها دخولها، يرى الكثيرون أن هذه المناطق تحتوي على سجون سرية تابعة للمليشيات على غرار ماعثر عليه في فترة نوري المالكي عام 2011.

ورغم وجود العديد من المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان العاملة في العراق، لم يتمكن أحد حتى الآن من معرفة مصير هؤلاء المغيبين مع محاولات حثيثة من الحكومة العراقية التستر على هذا الملف المهم، وعدم تمكن تلك المنظمات من إجراء عمليات البحث عن مصير المغيبين.

ليبقى هذا الملف عالقًا حتى الآن مابين صمت الحكومة وبين حرقة أهالي المغيبين على ذويهم لمعرفة مصيرهم وعالقًا أيضًا بين صمت المجتمع الدولي تجاه هذا الموضوع.
إن ضعف الحكومة واحتمالية علمها بمصير المغيبين وإخفائه عن الرأي العام يثير الكثير من علامات الاستفهام حول جدية الحكومة في حسم هذا الملف ومحاسبة المسؤولين عنه، ومع وجود قضاء مسيس يكيل بمكيالين، ليس لدى ذوي الضحايا والمهتمين بهذا الملف أي أمل في كشف مصيرهم.
ليبقى هذا الملف مفتوحًا إلى أجلٍ غير مسمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد