((نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومشعلي الفتن فيه وجلاديه)

ينبغي أن ندرك طبيعة الصراع الوجودي ونعي طبيعة تفكير العقل الإسرائيلي والمرجعية الحاكمة للتصورات تجاه الغير والخلفيات التاريخية التي تُسْتَنْسخ وشكل الصراع والتمدد «الزمكاني» بهدف إنشاء الحلم الكبير.

ومع تداعيات الاتفاقية التاريخية المسماة بـ«صفقة القرن»، ما زال البعض ينظر للقضية الفلسطينية من منطلق العروبة والقومية، وبالتالي ستبقى القضية عنصرية بحتة بين شعوب عروبية (الإسماعيليين) وشعب عبراني (الإسحاقيين)، وهناك من ينظر لها على أساس الحدود الجغرافية السياسية، وبالتالي سيُنظر للقضية على أنها شأن سيادي داخلي يخص الفلسطينيين.

ولكن القضية أعقد بكثير، وأكبر من مجرد حدود رسمها مشروع الأمم المتحدة عام 1947، فليس الصراع الدائر لعقود ولا الحلم الإسرائيلي بإنشاء هيكل سليمان على أنقاض المعالم المقدسة والتاريخية عبر مشروع التقسيم إلا أهدافًا تكتيكية لهدف استراتيجي بعيد وحلم تاريخي، وهو إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

عندما نتكلم عن دولة إسرائيل فهي وفق وعودهم تأخذ صورتين:

إسرائيل الصغرى التي هي فلسطين بحدودها الحالية، وإسرائيل الكبرى التي هي تشمل كل فلسطين بما فيها غزة والضفة الغربية، مرورًا بالأردن ولبنان، وسوريا، وجزء كبير جدًا من العراق إلى دجلة، ويصل في بعض الخرائط الإسرائيلية، كالتي على باب الكنيست الإسرائيلي إلى الفرات، كذلك مصر حتى الجانب الغربي من النيل كلها داخلة في أرض إسرائيل الكبرى، وشمال السعودية حتى المدينة المنورة وجزء كبير من السودان، بل المطامع تمتد حوالي 112 كيلو مترًا جنوب المدينة المنورة، وبعض الخرائط تضم جنوب تركيا إلى هذه الخريطة الواسعة.

ففي خطاب بن غوريون، وهو أول رئيس لإسرائيل بعد إعلانها عام 1948، خطب قائلًا: إن خريطة فلسطين الحالية إنما هي خريطة الانتداب وللشعب اليهودي خريطة أخرى يجب على شباب اليهود أن يحققوها وهي خريطة التوراة التي جاء فيها: وهبتك يا إسرائيل! ما بين دجلة والنيل.

وفي ظهر عملة الشيكل الإسرائيلية نجد نفس الخريطة الممتدة من دجلة إلى النيل. وفي علم إسرائيل الذي يحمل خطين أزرقين بينهما نجمة داود، الخط الأول إشارة إلى نهر دجلة أو الفرات، والخط الثاني يشير إلى نهر النيل أطول الأنهار.

ووفق مذكرات تيودور هرتزل، وهو صاحب فكرة قيام دولة إسرائيل ومهندسها، فقد ذكر: أن حدود إسرائيل الكبرى التي ينوي أن يقيمها في أرض فلسطين تمتد من نهر دجلة في العراق إلى نهر النيل في مصر، بل إنه تساءل أين الحدود الشمالية الجنوبية إن كانت هذه التي بين أيدينا الشرق والغرب، فذكر أنه التقى مع راهب إنجليزي وتباحثا حول هذا الموضوع، وخلصا إلى أن الحدود الشمالية تصل إلى جبال في جنوب تركيا، وتصل في الجنوب إلى المدينة المنورة، حيث كانت قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير في المدينة المنورة في زمان البعثة المحمدية.

ولو نظرنا لهذه القبائل نجدها في الأصل وافدة من اليمن وليسوا أصحاب أرض يثرب الأصليين، وذلك إبان حكم بلقيس ملكة سبأ، بعد حصول السيل العظيم (سيل العرم) الذي اجتاح اليمن فتوزعوا في العالم مستوطنين، فذهب بعضهم إلى العراق، عرفوا تاريخيًا بملوك حمير، وبعضهم ذهب إلى الشام وهم ملوك الغساسنة، وذهبت قبائل إلى نجد والجزيرة العربية كبني قينقاع والنضير وقريظة، وسكنوا يثرب، التي سميت بعد الهجرة بطيبة على ساكنها الصلاة والسلام.

كل الشواهد الحسية تثبت البدء الفعلي في مشروع التوسع الزماني والمكاني بدءًا بمحاولة تأسيس دولة الكيان داخل فلسطين التي منحتها بريطانيا لهم بحق الانتداب بعد أن كان مقررًا أن يتخذ اليهود من كينيا وطنًا لهم، تمهيدًا للوصول لمركز البؤرة فلسطين، والذي كان حلم قدم على طبق من ذهب بفضل بريطانيا بينما لم يكن بالحسبان.

وأيضًا بعد حرب النكسة 1967، وتقدم إسرائيل على مختلف المحاور لقطاع غزة والضفة الغربية حتى وصلت سيناء في مصر والجولان في سوريا. وفي احتلال لبنان عام 1982، الذي دام 19 سنة، وحرب الخليج التي أشعلوها كانت لتدمير الجيش العراقي حجر العثرة باعتبار أن العراق أحد أهم حدود الدولة الكبرى؛ فكل هذه الدول المذكورة تقع ضمن حدود إسرائيل الكبرى.

واستطاعت إسرائيل عبر حليفها الاستراتيجي أمريكا إنشاء علاقات دبلوماسية حميمية مع تلك الدول الواقعة ضمن الحدود الكبرى أو بأطرافها كمحاولات لإزالة العداء عند الشعوب تجاه دولة الكيان الصهيوني والإظهار بمظهر المضطهدين ومسلوبي الحقوق لتمرير المخطط التوسعي الكبير.

المطامع الإسرائيلية في السودان:

لا يخفى دعمهم المباشر للقائد جون قرنق، بل تلقيه لتدريبات عسكرية في كلية الأمن القومي الإسرائيلي، لدعم حركة انفصال جنوب السودان ومنع التوغل الإسلامي عبر الجنوب إلى وسط أفريقيا، بل تأويلهم لنصوص من التلمود بأن لجنوب السودان أصولًا يهودية قديمة كما جاء في سفر التكوين الإصحاح 15 الفقرة 18 (لقد منحت ذرياتكم هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات).

وكذلك التقارب والتعاون بينها وبين حركة عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة تحرير السودان، كونها أكثر الحركات اتصالًا بإسرائيل في مجالات التعاون الاستخباري وإعلانه عبر أحد زياراته استعداده لإقامة سفارة لإسرائيل في الخرطوم متى أتيحت له فرصة تولي مفاصل الحكم بحسب مصادر صحفية.

بل أنه في 4 سبتمبر 2008م صرح ديختر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي في محاضرة له عن التدخل الإسرائيلي في دارفور بأن السودان هو العمق الاستراتيجي لمصر فلا بد من العمل على إضعافهما وعدم تمكينها من أن تصبح دولة موحدة قوية، لأنه يُعد من ضرورات الأمن القومي الإسرائيلي.

وبالتالي تنظر إسرائيل للسودان كعمق استراتيجي حيوي، وكدولة طليقة تطل على أهم المسطحات المائية، إضافة لتعدد مناخه، وتنوع ثرواتها المعدنية والطبيعية، فضلًا عن أراضيها الخصبة التي يمكن أن تؤمن الغذاء العالمي، فضلًا عن مخزون المياه الجوفية في غرب السودان التي يمكن أن تسد العجز للكرة الأرضية كلها في حال شح المياه.

متى تصحو الحكومات والشعوب؟

الشعب الفلسطيني وكذلك الدول العربية التي تشجب اليوم إنما تحصد ثمار مشروع التقسيم الذي قُدم تحت مظلة الأمم المتحدة عام 1947، المشروع الذي تقدمت به أمريكا وإنجلترا بتقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين، وكان من الظلم أن أعطى هذا المشروع لليهود الذين هم أصلا مهجرون من أنحاء العالم 56 بالمئة من الأرض، في حين منح أصحاب الحق الأصليين 43 بالمئة، واستبعدت القدس من مشروع التقسيم لتبقى تحت الحكم الدولي لتحفظ حتى يشتد عود اليهود في أرض فلسطين لتقدم لهم عبر سياسات أخرى ليتحقق حلمهم التاريخي الوجودي.

فمتى ينتبه حكام العرب من إدارة سياساتهم الخارجية وفق المصالح المادية الضيقة بعيدًا عن المبادئ؛ فاليهود هم من يحتكر السلطة الدينية والعلمية والاقتصادية والسياسة عبر تاريخهم منذ الحكم الروماني أيام المسيح عليه السلام وإبان الدولة السلجوقية والعثمانية ودولة المماليك والبيزنطيين وإبان الحربيين العالميتين حتى تاريخ اليوم، فهم قادرون على امتلاك الدول والحكومات عبر الهيمنة الاقتصادية بسياسة الإغراق بالديون عبر البنك الدولي.

ومتى تصحو الشعوب من غفلتها ومن سياسات التغييب الممنهجة والتعتيم الإعلامي المضلل قبل أن نجد أنفسنا لاجئين في أرضنا غريبين في أوطاننا؟ ومتى ننظر لتلك الصفقة على أنها مجرد طعم وهدف تكتيكي لهدف استراتيجي كبير بإنشاء دولة إسرائيل الكبرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد