الطرف الثالث مصطلح يطلق على جهة غير معروفة – قد تكون شخصًا، حزبًا أو جماعة أو هيئة ما في حكومة الدولة نفسها – تفتعل الأزمات والمشكلات من أجل زعزعة أمن البلاد واستقرارها لتحقيق مصلحة ما، ويستخدمه السياسيون عندما يعجزون عن كشف الحقيقة ومعالجة السبب الأصلى للمشكلة.

وقد تلجأ العديد من الدول العاجزة عن اتخاذ سياسات ديمقراطية حقيقية في إدارة أوضاعها الداخلية إلى اختراع طرف ثالث خفي أي غير محدد على وجه الدقة، فمن هو؟ ماذا يفعل؟ وما قدراته الحقيقية؟ وذلك ليسهل عليها تمرير أهدافها السياسية والاقتصادية والعرقية وغيرها من الأهداف التي تدعم توجهاتها الإيديولوجية، واستمرارها في السلطة بحجة مواجهة ذلك العدو الخفي الذي يسعى لتدمير الدولة والاستيلاء على السلطة أو الانفصال عنها.

كما أن بعض الدول التي تتمتع بإدارة ديمقراطية حقيقية قد تلجأ أيضًا إلى هذا الأسلوب؛ أي ابتداع عدو أو خطر ضخم – قد يكون وهميًّا – في الغالب؛ وذلك لتتمكن تلك الدول من إيجاد الغطاء السياسى والمبرر الأخلاقى لتبرير سياستها التوسعية العدوانية المسيطرة، أو أن تلك الدول في حاجة للتعبئة والحشد الجماهيرى في اتجاه معين لصرف الأنظار عما تعانيه من المشكلات السياسية والعرقية والدينية وغيرها، والتي قد تهدد تماسكها والسلم الاجتماعىى داخلها بل وجودها، وحالة الاسترخاء والهدوء السياسى الخارجي قد تدفع الداخل للتفكير في مشكلاته المادية والمجتمعية بعيدة المدى، فحيث لا وجود صراع وهيمنة، هناك تفسخ وانهيار.

بينما حالة وجود خطر خارجى يهدد الدولة تدفع المجتمع للتوحد والتغاضى عن الاختلافات والخلافات الداخلية لمواجهة الخطر المحتمل، الذي قد يكون حقيقيًّا أو متوهمًا محدود القدرة، لكن يصوره التزييف الإعلامى على أنه ضخم يمكنه تهديد بقاء الدولة والإضرار البالغ بالشعب ومقدراته.

ويسمى هذا التوجه السياسى «استراتيجية البحث عن عدو»، وقد ظهرت الدعوات لهذه الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب حركة التحرير التي قادها جورج واشنطن (1775 /1783)م، إذ منذ ذلك الحين والسياسة الأمريكية ترى أن استمرار بقاء الولايات المتحدة الأمريكية لا يتحقق إلا عبر الانتصار على الأعداء ( أي وجود عدو)، وبدا ذلك التوجه يزداد بعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وتحالف الكتلة الشرقية الداعمة له ولإيديولوجيته الشيوعية والاشتراكية، وكذلك عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

ومن أشهر الاتهامات الموجهة إلى الطرف الخفي المسؤولية عن أعمال العنف والتفجيرات والاشتباكات خلال الثورات والاحتجاجات الشعبية، كما في ثورات الربيع العربى؛ والسعي لهدم مؤسسات الدولة وتقويض سلطتها، زعزعة الأمن والسلم الاجتماعي، وإثارة الفتن الطائفية والعرقية، والدفع باتجاه الحرب الأهلية.

وقد يكون الطرف الخفي هي الدولة نفسها عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية أو الدولية، التي تقوم ببعض الأعمال العدائية عبر التخطيط وإعداد مسرح الجريمة لينفذ عملاء الطرف الخفي تلك الأعمال دون إمكانية إثبات مسؤولية مباشرة للدولة عنها، مما يمكن الدولة من إلقاء المسؤولية على جماعات سياسية أو دينية أو عرقية، تمثل قلقًا لها ولا تستطيع تلك الدولة التعامل معها، ومع مطالبها تعاملًا ديمقراطيًّا منصفًا، ومن ثم تلقي على عاتق تلك الجماعات المسؤولية عن تردي أوضاع الوطن سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا في حين تفلت الإدارة الحاكمة من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ذلك التردي.

إلا أن أشهر الأطراف الخفية هو الإرهاب – الإسلامي بالطبع – والذى يزج به كثيرًا بوصفه الطرف الثالث والمتدخل الأهم في العلاقات الدولية أو السياسة الداخلية للدولة، وقد طرحت أحداث 11 سبتمبر بقوة في الحياة السياسية الدولية بل المحلية أيضًا ظاهرة الإرهاب، والتي أخذت العديد من الدول تلصقها لأفراد وجماعات وثقافات وأديان بعينها، ليصبح الإسلام هو العدو والخطر المهدد للاستقرار الدولي والمحلي؛ وهو ما مهدت له دراسات وكتابات سياسية منذ تسعينيات القرن الماضي وعقب انهيار الاتحاد السوفيتى.

كما يعد الإرهاب المبرر الأكثر استخدامًا للقرارات السياسية الدولية والداخلية التي تفتقد المبرر القانوني والأخلاقي، وذلك بغض النظر عن حقيقة وجوده بالفعل أو حجم التهديد الذي يمثلة، ومدى مصداقية توصيفة إرهابًا أو مقاومة مشروعة.

فالإرهاب الإسلامي المتهم الأول والمسؤول عن الأحداث في: ليبيا، سوريا، العراق….، بل إن المضطهدين المسلمين في تركستان الشرقية، ميانمار، الهند، كشمير، متهمون بالإرهاب والانفصالية، بل إنه سبب التدخل الأمريكي في أفغانستان، العراق، والتدخل الروسى في سوريا وليبيا؛ دون النظر لما بين سطور السياسة أو الواقع، ومدى الرغبات التوسعية والتمدد السياسي والاقتصادي، أو القهر وإهدار كافة الحقوق الإنسانية للشعوب.

والأسوأ من ذلك هو وصول الآخر إلى فكرة عدم حاجة الناس إلى أدلة لتصديق أن أي خطر إرهابي هو من قبل متطرفين إسلاميين، وأن الإسلام هو منبع الإرهاب، باختصار الإسلام = الإرهاب، ومن ثم يجب القضاء عليه.

ولا يمكن الجزم بحقيقة حجم دور الطرف الخفي بل وجوده أصلًا فاعلًا مستقلًّافي الأحداث. بسبب عدم امتلاك أدلة قاطعة على مسؤوليته عما ينسب إليه من أحداث. فإن كل ما لا يمكن ملاحظته وإدراكه والحصول على معلومات دقيقة مؤكدة عنه يعد بعيدًا عن نطاق الحقيقة لخروجه عن قواعد الدراسة العلمية المنضبطة؛ لوجود أبعاد وجوانب مجهولة للموقف محل الدراسة.

وهو في معظم الأحيان مجرد تكتيك سياسي دعائي يستهدف تحقيق أهداف معينة غير مشروعة وغير مرضي عنها في أغلب الأحوال، أو لتبرير فشل السياسات المتبعة. ويتطلب لتحقيق ذلك ادعاء وجود تهديدات للدولة تصدر من طرف خفي يحمله مسؤولية تردي الأوضاع ودفع المسؤولية بعيدًا عن القادة السياسيين الفاعل الحقيقي للأحداث الجارية على الساحة، وتقديمه مبررًا للفشل السياسي والإداري أمام الرأي العام الداخلي والدولي.

والأداة الرئيسية لتنفيذ هذا التكتيك هو التضليل الإعلامي الذي هو عملية مزج بين الحقائق والأكاذيب وبثها لتوجيه اهتمامات الناس باتجاه معين للتأثير في خياراتهم وقراراتهم، ورسم صورة مغايرة للواقع لخدمة أهداف غير معلنة؛ ويعمد التضليل الإعلامى لاستخدام المبالغات وتضخيم الأحداث والتعميم الذي تضيع فيه الحقيقة، ويستخدم الخطاب الإعلامي المضلل ألفاظًا عامة مثل: تهديد استقرار الوطن وإثارة الفتنة، تخريب الاقتصاد، الانفصاليون، الإرهابيون، تهديد السلم العالمي.

كما يقوم التضليل الإعلامى بالتعتيم على الحقائق والقضايا المثيرة للجدل الموجودة على أرض الواقع المراد تغييره.

إن من يمتلك السلطة كثيرًا ما لا يمتلك الحقيقة ولا العدالة، لكنه يمتلك إمكانية تزييف الحقيقة والعدالة ووضع معايير مضللة للحقيقة والعدالة لتحقيق أهدافه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد