من دون ترتيب مسبق من جهتي وعلى موعد رتبته الأقدار التقيت بأول عمل أقرأه من أعمال نورا ناجي وهو «أطياف كاميليا»، ربما مر علي الاسم من قبل أو التقيت بأغلفة العمل أثناء زياراتي العابرة لفروع مكتبات الشروق، لكن وحدها الصدف السعيدة أتاحت لي قراءة الرواية؛ لأبدأ بعدها الانغماس في عوالم نورا المليئة بالقسوة تمامًا كما هو العالم الذى نعايشه ونكابده، على أن الأعمال لم تقتصر على إبراز قسوة الواقع وإنما رأيت في الطريق علامات وإرشادات إلى طرق التعافي والنجاة، وإن كانت الأعمال ترتكز على المرأة بشكل أساسي تظل المحصلة الإنسانية النهائية تصلح للجميع. لذا دعنا نستكشف خلطة نورا للتعافي بإلقاء الضوء على بعض الجوانب من أعمالها، فالروايات شديدة الثراء وأستقى منها فقط ما يخدم غرض المقال.

* تنبيه المقال به حرق لأحداث الروايات

المرحلة الأولى: الهروب للخيال

في أول رواية مطبوعة للكاتبة «بانا» الصادرة عن دار ليلى فيما يشبه السيرة الذاتية؛ تتناول الرواية حكاية فتاة في عمر الست سنوات تصنع عالمًا سحريًّا باسم عالم بانا وتهرب إليه عندما لا يكفى العالم وعندما تتعرض للخذلان، ومدخلها للعالم السحري حصان خشبي ورغم ذلك يستطيع الطيران واسمه «عاثر» وربما الاسم هنا احتفاءً بمقدار العطاء الذي يمكن أن يقدمه من يصمهم العالم بالفشل، ولا يعيرهم انتباهه، ولا ينتظر منهم شيئًا.

أما عن عالم بانا من الداخل فهو يتسع فقط لما تحب ومن تحب، ومن يسيء السلوك ولا يتمتع باللطف الكافي فيكون عقابه هو الطرد النهائي من عالم بانا، وهل هناك عقاب أقسي من أن تنفي أحدهم من الخيال.

وتكبر الفتاة وتقع في حب معين الذي لم يكن له من اسمه نصيب، ومفارقات الأسماء هنا هي دعوة لعدم الانخداع بما تتظاهر به الأشياء، فذلك حصان خشبي يسمى عاثر يمكنه الطيران، وهذا شخص لامع من الخارج وثقب أسود من الداخل يبتلع كل من حوله. تنتهي الحكاية برفضها الواقع وقرارها الرحيل التام لعالم بانا في الخيال، حيث أمكنها أن ترسم عالمًا كما تحب.

المرحلة الثانية: التعافي بالآخرين

في الرواية الثانية «الجدار» الصادرة عن دار الرواق؛ تحكى الرواية عن حياة التي تقع في حب خالد الذي التقته صدفة فدخل الحب قلبيهما بلا استئذان دون الاهتمام بأية تفاصيل أخرى، العلاقة معقدة بالفعل فخالد على وشك الزواج من أخرى ولا يملك الإرادة لتنفيذ ما يهواه قلبه ضد إرادة أهله؛ وحياة لا تقدر على الرحيل والنجاة بقلبها، يتزوج خالد وبعدها بشهور في يوم تنحي مبارك أيام الثورة المصرية؛وكأنه اليوم الذي اكتسب فيه إرادته، يتصل بحياة ويتقابلان في منزلها يمارسان الجنس فيتنصل خالد من فعلته فهكذا هو الجنس يمارسه شخصان وتتحمل تبعاته كاملة المرأة، ويذهب خالد وكأن إرادته كانت ومضة لحظية باهتة.

تكتشف حياة حملها طفلة خالد، تذهب إلى الطبيب وتحصل على صورة سونار للجنين لتكون أول صورة تعلقها على جدارها، تنجح حياة في إجهاض طفلتها لتكون ثاني لحظة مفصلية في حياتها بعد لحظة حبها الخالد أو خيبتها الخالدة، تنتقل للإمارات عند والدها وبمساعدة صديق إماراتي تنتقل للعمل بكوريا الجنوبية في محطة إخبارية ويتضمن عملها تغطية أخبار دموية ما بين سوريا والعراق وقتل وغرق الأطفال، محملة بالذنب تطبع صور القتلى لتعلقهم على جدار غرفتها تتأملهم ليلًا وفى يدها الموسي تجرح معصميها، وما بين محاولاتها التشبث بالحياة و محاولاتها التخلص منها يظهر لها ثيودور صديق العمل الهولندي، ومعنى اسم ثيودور في اليونانية «هبة الله»، يقع تيو في حبها ويدفعها دفعًا للحياة تستمر محاولاته في التسلل إلى قلبها في دأب، تلتقي صديقه آدم المعالج النفسي لتبدأ رحلة البوح والتعافي، رحلة لم تتح لوالدتها التي أحبت من هو مثل خالد وتزوجت غيره وتطلقت لكنها لم تجد تيودور في حياتها لتكون برامج الواقع على الشاشة أقرب لها من باقي البشر وذخيرتها في الحياة هي الخطابات غير المرسلة لحبيبها.

المرحلة الثالثة: فك الاشتباك

في الرواية الثالثة «بنات الباشا» الصادرة عن دار أجيال، تبدأ الرواية بنهاية حياة نادية وتنتهي ببداية حياة زينب تحكي الرواية عن 10 شخصيات نسائية، يجمع بينهن كوافير الباشا ونادية، لكل منهن خيالاتها وأحلامها ومأساتها الخاصة، في كل فصل حكاية منفصلة وعندما تشتد الآلام على كل شخصية؛ تظهر نادية التي لا يُعرف عنها الكثير ولكنها تعرف الآخرين كما لو أنها تحيا داخلهم، فتلهمهن القوة لإكمال الحياة بينما تذبل هي جسديًّا ونفسيًّا، وفي صرخة من زينب ضد هذه العلاقات الاعتمادية المدمرة التي تحمل الكآبة لطرف والتقزم للطرف الآخر، أدركت أن عليها فك الاشتباك وأن تتمرد على السلطة الأبوية وأن تنجو بنفسها من حياة رسمها لها المجتمع لا تجد لنفسها فيها مكانًا.

وأريد أن أتوقف عند الفصل الخاص بأم لوسيندا، اهتمام خاص من الكاتبة بالتفاصيل الصغيرة التي يهرب منها ويتحاشاها الجميع، وصف دقيق للمآسي يجعل القلب ينبض بالألم، الفصل وحده يستحق أن يُقدم في عمل سينمائي يحمل كل خلطات النجاح، ولا أدرى كيف فى فصل صغير أن تنتقل كل هذه التنقلات فى المشاعر بين الرثاء والترقب والسعادة والصدمة وأخيرًا العزاء والأمل، وفي حقيقة الأمر الواقع هذه المرة كان أشد قسوة من تلك النهاية الحانية؛ فالمشهد الحقيقي لا يمكن نسيانه، وأتساءل ألم يأتي الوقت ليحدثونا عن أحكام الحب والكراهية في الأديان وربما وقتها فقط يخرج من بيننا من يصلح للحديث عن اللاهوت والعقيدة السلفية القويمة.

المرحلة الرابعة: الإرادة

الرواية الرابعة «أطياف كاميليا» الصادرة عن دار الشروق؛ تأخذنا الكاتبة في جولة لاستكشاف رحلة العمة كاميليا مع الغربة، وكل شخصية في الرواية لها صوتها.

شخصية العمة: حظيت بحب الأب منذ وفاة الأم كانت تتمتع بالجمال وبقدر من الذكاء ما جعلها تمتلك مفاتيح لمعظم الأبواب المغلقة ولكن ماذا عن الأبواب التي لم تمتلك لها مفاتيح؟  ففي كل مواقف الاختيار الفاصلة لم تتمكن من أن تنتصر لإرادتها فهي رغم ما يظهر عليها من حيوية لم تتعلم أبدًا القتال.

وهنا أود أن أشير إلى مفهوم كتبت عنه د. هنا أبو الغار في كتابها رحلة الحياة -طبعة دار الشروق- أن علينا عند تقييم ومكافئة الأطفال أن نكافئهم على الجهد المبذول لا النتيجة النهائية فقط؛ فبطبيعة الحال هناك تفاوت في القدرات الذهنية بين البشر وبين الأطفال قد يتأخر نمو القدرات الذهنية عند البعض عن الآخرين، وإذا اقتصر التقييم على النتيجة النهائية دون الجهد قد ننتهي بمكافأة طفل على ذكائه الفطري دون أي مجهود يذكر من جانبه فينتهي إلى إنسان قليل الشعور بالمسئولية فقير الطموح، ونقرع طفلًا آخر لم تنمُ قدراته لكامل مداها بعد؛ رغم ما بذله من جهد فيصبح قليل الثقة بنفسه، ويخسر العالم الطفلين في النهاية.

شخصية كاميليا الصغيرة: لم تجد من يفهمها من أهلها أو الأصدقاء، وكل ما يشغل ذهنها ذكرى في خيالها لعمتها وهي تختفي تمامًا داخل المرآة، وتقع بين يديها مذكرات عمتها، فهل تسير على خطاها وتتبع طيف كاميليا، تمتعت الصغيرة بقوة الإرادة وقامت بالقتال لأجل نفسها عندما اقتضت الأمور ذلك، لم ترضخ لضغط المجتمع أو الأهل، وحينما تحققت بالكامل فرض وجهها نفسه على المرآة؛ لتكون.

شخصية والد العمة: في البداية كنت أتمنى وجود صوت للأب كما لباقي شخصيات الرواية وبعد تفكير توصلت إلى أنه إن كان الهدف النهائي هو التعافي والخلاص فبما يفيد تشريح السلطة الأبوية التي تتوارثها الأجيال منذ قديم الأزل وقلما وجدنا منها فكاكًا، فإن كان قيدك ينتهي عند حلقة أو شجرة أو حول جبل؛ فكل ما عليك هو تحرير معصميك والانطلاق. وعندما يزداد أعداد المتحررين قد نصل حينها للتعافي الجمعي.

هذه هي المراحل المختلفة كما استنبطها من الروايات، ولا يعني هذا إن أردت التعافي أن تخوض المراحل بالترتيب، فلا بأس من الانتقال بينهم، فالنفس البشرية لا تخلو من ضعف وكل لحظة ولها متطلبات مختلفة، وأحيانًا يكون كل ما تحتاج إليه هو القليل من العزلة لتحيا في عالمك الخيالي، وأحيانًا أخرى قد تكفي دفعة صغيرة من الآخرين، وأحيانًا إن لم يسعدك الحظ وتجد ملاكك الحارس فعليك أن تحارب لنفسك وتسعى للمساعدة فكم من المرات التصقنا بالآخرين وهم بعيدون عنا كل البعد، وضع نصب عينيك دائمًا أنك إن أردت الراحة، فعليك أن تستمد توازنك من داخلك لا من بين أيدي الآخرين. ولا أريد أن يفهم من ذلك أنها دعوة للفردية والانعزال؛ فلا قيمة عندي أعلى من الحب بين البشر سوى العدل فبه يستقيم الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد