إن أهم ما يَسم ويميز العلوم المستقبلية؛ هو الحاجة إلى إيجاد مساحة للتفاؤل في خضم الإشكالات والمناوشات والصراعات. هذا المبدأ يجد مبرره وسنده في نسبية سلطة الحاضر ومجرياته، ليحيل حمولته السلبية الآنية ويرهنها في رحاب المستقبل المفتوح على مصراعيه أمام جميع الاحتمالات. بل لا أتجاوز المنطق إن سلمت بأن الأحداث المهمة في قاطرة التاريخ؛ كانت نتاج أحداث صغيرة وعرضية لم تكن في مخيلة راسبوتين نفسه. فالراجح عند العرَّافين والمستشرفين للمستقبل ماضيًا، أنهم كانوا يضعون نصب أعينهم الأطماع الاقتصادية رافعةً لنشوب حرب عالمية أولى؛ ولا أحد توقع أن يكون اندفاع شاب من صرب البوسنة واغتياله لولي عهد النمسا سببًا في حدوث الواقعة.

وعليه يمكن أن نعتبر أن قضية الصحراء التي عمَّرت لأزيد من 30 سنة فوق طاولات المفاوضات وبين نيران المدافع؛ لم تُحسم معالم مآلها لأي أحد من الطرفين. وعلل هذا التلكؤ والتسويف الذاتي تعود إلى التطورات الخطيرة التي يعرفها الأمن القومي للمنطقة والإقليم وتغير خارطة النفوذ والتحاف بين الدول. إن الظروف السياسية والاستراتجية التي تأسست فيها الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب سنة 1973، وكذلك المناخ العالمي الذي قُدم فيه مقترح الحكم الذاتي من جانب المملكة المغربية سنة 2006، كل ذلك ينذر بأن القواعد والآليات الكلاسيكية قد تلاشت؛ ومرده إلى اعتبارات عدة من بينها أن حرب الصحراء بين المغرب والبوليساريو بين سنتي 1975 و1991 جرت في ظرفية خاصة؛ تتعلق بشمولية الحرب مكانيًا، حيث كانت الصراعات محتدمة في أكثر من نقطة في العالم فكانت حرب الصحراء وحرب الرمال جزءًا بسيطًا من الصراع المادي الكوني. أما آنيا فإن أي اضطراب في دول شمال أفريقيا خاصة المغرب الذي لا يفصله عن جنوب أوروبا إلا بضع كلومترات سيكون إيذانًا بحدوث رجَّات عنيفة بدءًا من المنفذ الجنوبي لأوروبا في تسلسل دؤوب إلى أن تبلغ مبلغ الدعوات الدينية السماوية، حيث إذا عطس المغرب ستصاب إسبانيا بالإنفلونزا حالًا.

أما المكمن الثاني فيخص التحولات المفهومة في العلاقات الدولية وخارطة السيطرة، حيث كان البون واضحًا وبَرجا بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، وظلت المصاهرات بين الأيديولوجيات مقيدة بالمواثيق والضوابط، فكنا نجد قطبين مناوئين أحدهما رأسمالي والآخر شيوعي، فقد كانت التحالفات تقوم على علوم الأفكار أو فلسفة الأفكار. لكن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين ومباشرة عولمة العالم أو بتعبير أدق أمركة العالم، تم تجاوز المصاهرة الأيديولوجية لتقوم مكانها التحالفات الاقتصادية والعسكرية المبنية على أساس الأفكار الاستراتجية الأفَّاقة على المدى البعيد.

لا يمكن لوم أي طرف وتحميله ما آل إليه الوضع سابقًا وآنيًا سواء من حيث الخسائر البشرية في الحروب أو النفقات المالية أو الحزازات المعنوية والنفسية؛ التي تجهز على منظومة قيم بكاملها. فالتاريخ المشترك بين كل مكونات الشعوب المغاربية لا يمكن تقزيمها وحصرها في عِرق أو دين أو أرض ولكن الأخذ الصحيح يكون بتبني فقه الموازنات والمصالح وتغليب المنافع العامة على الخاصة.

يقول المثل الحساني «يد واحدة لا تصفق» واَخر جاء فيه «نصف عقلك عند أخيك»، فهذه الأمثال الشعبية التاريخية الموروثة هي دعوة صريحة إلى اعتماد العقل والمشورة والتعاضد بين الجميع في الزمان والمكان.

صحيح أني لا أتماهى مع الطرح السلطوي والمقاربة الأمنية في معالجة القضية؛ التي أقول أنها وطنية وعادلة ليس فقط لسكان الشمال والوسط المغربيين ولكن للصحراويين أنفسهم؛ الذين وجب عليهم تحكيم العقل وتغييب ما يمكن اعتباره أناركية ترفض أي سلطة منظمة أو غضبًا ضد التعسف الماضوي؛ الذي انتهى بانتهاء إدارة وزير الداخلية المغربي السابق إدريس البصري لملف الصحراء وباقي الملفات.

إن ما أقدِّره حقيقة في الرجل؛ أقصد هنا رجل السلطة أو الخادم المطيع للأعتاب؛ كما كان يصدح بهذه العبارات نفسه؛ هو تفانيه في عمله وولائه لإيمانه الفكري، فقد استطاع تنظيم الإدارة في المغرب وحلحلة ملفات معقدة. لكن الرجل كان له نواقصه وبُجره حيث صرح العديد من السياسيين المغاربة المعتبرين أن إدريس البصري كان المؤجج والمنظم لمظاهرات مدينة العيون سنة 1991، وذلك ليؤكد على أنه حلقة حتمية ولازمة في إدارات ومكاتب الدولة. كما أنه كان يعمل على تأليب ملك المغرب ضد مختلف أطياف الشعب وربما حتى المختلين عقليًّا ليضمن مكانته المهمة والعالية.

أعتقد جازمًا أنه لو تم استبدال المقاربة الأمنية الماضوية بمقاربة سياسية ديمقراطية وتشاركية لكنا قد اختصرنا الوقت والأموال لإنهاء الملف وحل القضية. فقد كان من الصواب الإنصات إلى أطروحة الاَخر كمكون حاضر ومهم في النسيج المجتمعي المغربي بدل قمعه وتعنيفه، فالعنف يولد العنف، واستمرار العنف يعني التمرد المسلح. وهذه المعادلة نستنتجها من نتائج المقاربات الأمنية التي نهجها من سبقوا البصري مثل الجنرال محمد أوفقير والجنرال أحمد الدليمي اللذان خرجا بخفي حنين من ملف الصحراء، لأن ليس الكل يعرف البيداء وهي لا تقبل الكل.

إن العهد الجديد الذي بدأ منذ أغسطس (آب) 1999 يعتبر قطيعة مع الممارسات اللاقانونية وإعلانًا صريحًا لمباشرة الإصلاح والإنصاف، فتم واقعيًا تجاوز المقاربات الأمنية التعسفية وإحلال المنظومة القانونية كرافعة لبناء الوطن الجديد. وهذا المعطى لا يستقيم الجحود به أو إنكاره فقد حقق المغرب تقدمًا وازنًا اقتصاديًا وحقوقيًا وسياسيًا، لكن الأمر الذي ما زال يرهق مكونات المجتمع ومؤسسات الدولة هو الفساد المتمثل في الرشوة ونهب وتهريب وغسل الأموال وهذا كلف الدولة الشيء الكثير.

لقد سبق لي أن زرت جنوب المغرب سنة 2017 وبالتحديد مدينة بوجدور، حيث التقيت بأهلها وتمشيت على ترابها؛ فوجدت أن الذاكرة الماضية والحاضرة واستشراف المستقبل لسكان الصحراء يماثل باقي سكان المغرب؛ في تناغم ينم على أن المستقبل سيشرق كفجر جديد قريبًا. فكلانا كان يحس أن العائق أمام بلدنا هو فساد المسؤولين في الإدارات المختلفة، بل إن التعسف والفساد يمتد إلى القطاع الخاص مثل المعامل والشركات والتي يديرها أفراد من الصحراء أنفسهم. وهنا طرحت سؤالًا على صديقي الذي يعيش بالمدينة الجنوبية، إن المغرب يعمل على تطهير المؤسسات والإدارات من رؤوس الفساد هذا تحقق بالفعل وما زال ينتظرنا الكثير، فالأمر جيد أن يلتحق بنا الإخوة من مخيمات تندوف ليشاركونا هذا الانتصار، وإذا لم يقبلوا بمآخاتنا فإن الحكم الذاتي سيمنحهم سلطة التطهير أيضًا، فالأمران سيان، ولذلك فالأمور ستكون بخير.

إن استشراف الحل الممكن من ضمن الحلول الموضوعة على الطاولة، وهي الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب والاستفتاء لتقرير المصير الذي تقدمت به الجبهة الشعبية للتحرير ثم خيار الانفصال أو الانضمام أو مقترح كوفي عنان المتعلق بتقسيم الصحراء بين الطرفين حيث يأخذ المغرب الثلثين والبوليساريو الثلث – يبدو صعبًا للغاية لأسباب متعددة منها:

إن الدعم الروسي للبوليساريو لا يمكن التعويل عليه، فروسيا البوتينية لا تؤمن إلا بمصالحها، فنهجها البرجماتي قد يجعلها تبرم صفقات مع المغرب خصوصًا إذا مكنها من قواعد عسكرية لها في مياه البحر الأبيض المتوسط، وإن كان الأمر صعبًا للغاية أمام الرفض الذي سيقابل به من طرف أمريكا وحلف الناتو، لكن أي تهديد للمغرب ومحاولة ضرب وحدة ترابه قد يجابه بتحركات مفاجئة على هذا المنوال.

إن وقوع أي حرب بين الطرفين بغض النظر عن قوى الموازين، حيث ستغير التحالفات أرقام القوة العسكرية، ستشكل وطأة قاسية وكارثية على الجميع، بما فيها دول أوروبا. فعدد النازحين والمهاجرين سيكون مهولًا ستعجز معه القوى البحرية الأوروبية في إيقافه، مما قد يجعل من الزعيم الليبي معمر القذافي عرَّاف القرن الواحد والعشرين، حيث سبق وأن صرح أن استمرار الحروب في أفريقيا؛ سيقوض أمن العالم وسيجعل أوروبا تغرق تحت أرجل سكان أفريقيا.

لا يمكن اعتبار المغرب والبوليساريو ومن ورائه الجزائر اللاعبين الوحيدين في الميدان، فالمنطقة تعج بالتنظيمات المسلحة والمتشددة التي ستستغل أي معركة لوضع قدم لها في شمال غرب أفريقيا خاصة تنظيم الدولة والقاعدة في المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا وأنصار الدين وجنود الخلافة وكتيبة الموقعون بالدم.

وتقعيدًا عليه ندعو الأطراف إلى ضرورة تجنب جُحْمة نار الحرب، والركون إلى الأناة والعقل لإيجاد صيغة عمل متوافق حولها، فالحرب قرار سهل لكن إيقاف نتائج وتداعيات الاستنزاف أمر عسير وصعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد