الحقيقة الأكيدة أن عقل الإنسان مستقل بذاته. العلماء أرهقتهم الأبحاث والسعي طوال تلك السنين، لكن ما توصلوا إليه بخصوص العقل البشري لم ولن يكون كاملًا ولا كافيًا، سيظل الباقي أعظم وأشد تشويقًا.

البشر بنو آدم وحواء خُلقوا من طين، لكنهم لم يتنزهوا عن العيش إلا فيه، حياتهم رحلة طويلة ومرهقة رغم نقص عدد السنين مقارنةً بالأسبقين، لكنها لا تزال حياةً طويلة مليئة بملايين التفاصيل التي لا يقدر إدراكنا أو عقل الواحد منا على استيعاب كل هذه الأحداث دون أن يسأل نفسه: هل ما يراه هو واقع مسلَّمٌ به أم أنه نسج خياله وآماله الضائعة؟

وكيف تستمر الحياة بعد الفقد، الضياع، الخذلان والعجز؟

لماذا تطاردنا أشباح الماضي ولماذا تحبس أنفاسنا الكوابيس؟ و ما الذي يدفع عقل الواحد منا أن يصور له أسوأ مخاوفه في ساعات نومه؟

يبدو أن حياة اليقظة لم تكن كافيةً أبدًا لتجعل خلايا عقلك تذوب كشمعة سريعة الاشتعال، هذا ما تفعله بنا الصدمات السابقة، والأحزان المتراكمة والفقد المستمر، هكذا تذيب أشباح الماضي وأخطاؤه شمعة حياتك المتقدة يومًا تلو الآخر، وأنت العاجز تظن أنك إن فتحت نافذةالمضي، ستوقف ذوبان شمعة حياتك العبثية، لكنك لم تعلم أنك تزيد الطين بلة؛ هذا لجهلك فأنت رهين عدم معرفتك وجهلك؛ فالجهل ظلام وعتمة، عجز محتوم مقضي أمره، وأمرك هذا إن لم تحاول أن تتوقف برهة من الزمن وتسأل نفسك ما الذي أفعله أنا هنا والآن ولماذا؟

نحن جميعًا نستمر في التقدم دون هدف واضح، نتظاهر بالقوة والعلم والمقدرة على تخطي الصعاب، لكن لم يسأل أغلبنا ما هي تلك الصعاب من الأساس وما هي الطرق المؤدية لتخطيها واحدةً تلو الأخرى؟

لم يكترث أيٌّ منا ليسأل: ما الذي نهرب منه وما الذي يحبس أنفاسنا ويمنعنا من التنفس؟ لماذا نصاب بضيقٍ في التنفس في كل مرةٍ نواجه فيها الواقع؟ ذلك الذي صنعه الآخرون بنا والذي صنعناه نحن بأنفسنا وبأيدينا؟

نشتكي جميعًا من الغرق في أمواج الحياة المتلاطمة، لكن هل حاول أيٌّ منَّا النجاة أو هل صنع الواحد منا طوقًا لنجاته؟

الأيام تمر سريعًا، نكبر بسرعة عجيبة لكننا لا ننظر خلفنا، يذكرني هذا بتلك اللحظة التي رأيت فيها سحابةً على شكل ديناصور، ولم أحاول أن أنظر إليها بتمعن ظنًّا مني بأنها لن تبتعد كثيرًا؛ بل ستظل معي إلي نهاية الطريق لكني لم أعرف أنها ستكون آخر مرة أرى فيها ذلك الديناصور المرح.

نحن نسير في طريقنا دون النظر حولنا، وما الذي فقدناه في هذه الرحلة ولماذا؟ مَن قام بأذيتنا ولماذا؟ ومَن قمنا بأذيته وبأيِّ حق؟

نستمر في عيش الحياة دون أن نحاسب أنفسنا دون أن نتوقف هنيهة لنفكر ما الذي اقترفته أيدينا وما الذي كتبناه في صحفنا وفي صحف الآخرين. نمر كهبوب سريع، لا نلتفت لتلك الأشجار التي أسقطتها كلماتنا وأفعالنا؛ لأننا نحاول اللحاق بالسباق؛ سباق السرعة؛ سباق الحياة الذي لا ينتهي ولن ينتهي؛ لذا لِمَ نعاقب أنفسنا بالجهل والظلم والقسوة؟ لمَ ندعس بعضنا بعضًا ونمضي وكأن شيئًا لم يكن؟

لماذا نعاقب البعض على أخطاء آخرين ظالمين؟ و الأقسى لماذا نعاقب أنفسنا؟ لماذا لا يغفر البعض منَّا لنفسه أي شيء؟ و لماذا لا يحاسب البعض الآخر نفسه أبدًا؟

ما هي الخلية أو المادة التي توجد عند البعض، وتضمحل عند البعض الآخر؟ والأهم بالنسبة لي لماذا يجد البعض نشوةً ولذةً في أذية الغير؟

يُشاع في المجتمع العقلي والنفسي أنها فروق واختلاف ظروف التربية، لكني أضيف إلى هذا أنه اختيار الواحد منَّا أن يكون شرًا مستطيرًا، كلما وجد مدخلًا، أو أن يكون خيرًا مغدقًا في كل فرصة يقدر فيها على مجاهدة نفسه؛ لذا أظن أن الاختيار قائم لا محالة؛ لكن البعض يختار طريق الظلام دون تردد لأنه دائمًا الأيسر والأقرب للنفس.

السؤال هنا لماذا لا يتوقف الجميع في منتصف الطريق بعض الشيء ليفكر في كل ما اقترفته يداه تجاه الجميع و تجاه نفسه الصاغرة؟

لماذا لا نُحاسِب أنفسنا قبل أن نُحاسَب يوم الحساب الأعظم؟

لماذا يكذبون على أنفسهم في الحياة وحتى بعد الممات؟

هل يظنون أنهم سيهربون من الحساب الأعظم؟

طرقت عقلي فكرة عجيبة؛ هل هم جميعًا يتبعون مذهبًا جديدًا أو فكرة حديثة تجمعهم جميعًا، تبرر لهم سوءهم أم أنها طبيعتهم؟ يتلذذون بأذية الغير، ومن ثم النحيب بأنهم لم يعنوا أيًّا من هذا كله وأن العيب يكمن في عقلك أنت وفي استيعابك للأمور هل يبدو هذا منطقيًّا لكم؟

أظن أن مربط الفرس هنا أن يحاسب كلٌّ منَّا نفسه، ويتوقف عن أذية الغير بدوافع واهنة، ويبدأ المظلوم المستضعف برفع الأذى عن نفسه، تلك النفس التي استباح الآخرون أذيتها، حينما سكت عن أذيتهم مرةً بعد مرة؛ لذا قم وتحرر منهم، وحافظ على سلامتك النفسية؛ لأنك أنت خط دفاعك الوحيد؛ لذا أرجو ألا تتخلى عن نفسك عزيزي القارئ، وأن تحارب كل يوم لتحافظ على سلامك، وتقف بشموخ محاربًا أذية الآخرين لك. كن قويًّا ولا تيأس من رحمة الله ولا تنسَ أن ساعة الحساب قادمة لا محالة وأن الله العدل فلا تجزع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد