لماذا ينحاز إنسان ما إلى فكرة أو عقيدة لا دليل على صحتها لديه؟ لماذا يقول من نحسبهم من علية القوم فكرًا وثقافةً وتعليمًا بمعتقدات وآراء غريبة على العقل السليم؟ لماذا يدافع من نعدهم مفكرين وعلماء عن خرافات وخزعبلات؟ لماذا ينكر من نظنهم عاقلين حقًا واضحًا أبلج؟ لماذا يؤيد من نراهم من الصالحين فاسدًا ظاهر الفساد بينما يحارب صالحًا لم يثبت عليه فساد أو حتى كذب؟ كل هذه التساؤلات وغيرها أكثر تثير العجب وتستوجب البحث عن إجابة شافية تروي عطش المعرفة وتزيل الاستغراب الحاصل من كونها تناقض الفطرة السليمة قبل أن تناقض العقل السوي.

وللإجابة عن هذه التساؤلات تبرز الإجابة في كلمة السر:«الانحيازات المسبقة». ربما تفسر الانحيازات المسبقة كل ذلك. فالمنحاز مسبقًا يتصرف بناء على عاطفة نحو مفاهيم مغلوطة مشوهة تنافي العقل. لذا فإن المنحاز مسبقًا يرفض الدليل والبرهان الذي يختلف مع قناعته المسبقة. المنحاز مسبقًا يشوه الحقائق ولا يقبل منها إلا ما يتوافق مع هواه. المنحاز مسبقًا يرفض تعديل سلوكياته أو تصحيح مفاهيمه مهما كانت قوة الأدلة والبراهين المطروحة بين يديه.

إذا كان المنحاز مسبقًا يقوم بكل ذلك فمن الضروري جدًّا معرفة الأسباب وراء كون الإنسان منحازًا مسبقًا. ما الأسباب التي تدعو عاقلًا راشدًا ذكيًّا أن يتغاضى عن الحق ليدافع عن الباطل؟ ولماذا يعتنق الناس بشكل عام انحيازات عاطفية مسبقة تجعلهم يلغون عقولهم وينكرون كل الأدلة المنطقية الموضوعية؟ ربما نعد من تلك الأسباب ما يلي:

المعارف الموروثة: تخيل هذا العالم الفذ المتقد الذكاء الذي اعتاد التفكير العلمي وعاش بين الأسباب والنتائج والأدلة والبراهين والإثباتات، ولم يقبل سوى بالعقل والمنطق، وتميز بين أقرانه وصعد سلم المجد عبر الإنجازات العلمية، حتى وصل إلى الفوز بجائزة نوبل للعلوم في فرع العلوم الذي تخصص فيه، ثم تجده بعد كل ذلك يعبد حجرًا أو حيوانًا، أو حتى لا يؤمن بوجود إله أصلًا. كيف تفسر ذلك؟

إنه الموروث الثقافي الذي ولد فيه ووجد نفسه بين أهله. انحاز إلى موروثه الثقافي عاطفيًّا وتشدد بشأنه ورفض كل منطق سليم يناقض انحيازه المسبق، رغم أن ضلال فكرته التي يدافع عنها واضح وضوح الشمس ويسقط أمام المنطق الذي هو نفسه يستخدمه في مجاله العلمي.

وفي هذا الشأن يحدثنا القرآن الكريم ليزيل الغموض عن موقف هذا العالم وأمثاله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: 21]

المصالح الشخصية: وربما يكون السبب وراء الانحياز المسبق هو المصلحة، مجرد المصلحة الشخصية لا غير. ربما يظهر المقتنع بفكرة ما أمامك صاحب قناعة حقيقية بناء على أدلة وبراهين تمكنت من عقله لكنه في الحقيقة إنما يؤيد الفكرة فقط من باب المصلحة الشخصية لا من باب القناعة العقلية.

مثل هذا الفقير الذي يتبنى الاشتراكية في الفكر الاقتصادي فقط لأن الاشتراكية في ظاهرها تدعمه وتؤازره وتدافع عن حقوق أمثاله من الفقراء، فيجد فيها بغيته ويرى فيها مستقبلًا مضيئًا. أو تجد هذا الغني من رجال الأعمال الذي ينضم إلى حزب رأسمالي ليس عن قناعة فكرية بالرؤية الرأسمالية للاقتصاد كرؤية، إنما فقط لأنه غني يجد مصلحته إذا ساد عالم الاقتصاد أمثاله من الأغنياء، واختفى من أمامه ذكر الفقراء وحقوق الفقراء وما إلى ذلك مما يعكر صفوه ومزاجه.

انظر مثلًا إلى سبب كفر البعض بدين الإسلام. كان السبب الرئيس لكفر الحكم بن هشام (أبي جهل) هو الحفاظ على المكانة الشخصية والخوف من تميز الآخرين وعلو شأنهم على حساب مكانته، فكانت مصلحته الشخصية في رفض هذا الدين الجديد الذي أتى على لسان أحد أبناء بني عبد مناف (منافسي قومه على الزعامة والريادة). روى ابن إسحق وغيره أنّ الأخنس بن شريق أتى أبا جهل فقال له: يا أبا الحكم: ما رأيك فيما سمعت من محمد، صلى الله عليه وسلم؟ (إذ كانوا يأتون دار محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بالليل يستمعون إلى القرآن فإذا طلع النهار تفرَّقوا) قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك نحن هذه والله لا نؤمن أبدًا ولا نصدقه فقام الأخنس وتركه.

الأهواء والشهوات: ربما يلتبس الفهم بين المصالح الشخصية والأهواء وذلك لتقاربهم في المعنى. ولكن المصالح الشخصية تختلف في كونها مكتسبات يحصل عليها صاحب الانحياز المسبق نتيجة لانحيازه، سواء كانت تلك المصالح مادية أو معنوية. لكن الأهواء والرغبات والشهوات تختلف عن ذلك. فقد لا يستفيد صاحب الهوى بشكل مباشر من انحيازه لرأي ما. فقط قد يكون انحيازه بناءً على ميوله وشهواته الخاصة.

يمثل ذلك أن يخشى عاشق الخمور والمخدرات من دعاة الحكم الإسلامي ليقينه أن الشرع يحرمهما ويخشى أن يكون الحصول عليهما صعب المنال فيما إذا تم تحكيم الشريعة. كما تتخوف المتبرجة السافرة من الدعوة نفسها حيث تتخيل نفسها وقد فرض رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها الحجاب أو حتى النقاب.

بالطبع فهم هذا وتلك فهم مغلوط لتطبيق الشريعة ومشوه من قبل رافضي التوجه الإسلامي وأبواق الإعلام التي تستخدم الحدود فزاعة دون فهم صحيح لمفهوم الحكم ذي المرجعية الإسلامية، أو حتى عن عمد وقصد. يرفض كلاهما قبول دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية لهوىً في النفس لا لقناعة ولا لفلسفة.

وصاحب الهوى أو الشهوة لا يصرح أبدًا بمصدر وسبب انحيازه لفكرة دون غيرها، حيث يكون متأكدًا من عدم قبول الآخرين لتلك الحجة السخيفة التي يبني عليها قناعته. بل يكافح وينافح ليدفع عن نفسه تلك التهمة، مستخدمًا حيلًا عقلية أخرى تمامًا.

وربما يوضح ذلك نوعًا ما كلمات فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في خطبة عرفات (وقد كان رحمه الله الشيخ الوحيد من غير مشايخ المملكة العربية السعودية الذي سمح له بإلقاء خطبة عرفات حتى يومنا هذا). قال رحمه الله: «عودوا فقولوا لحكامكم: من لم يقطع يد السارق في نيته أن يسرق. ومن لم يرجم الزاني في نيته أن يزني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد