هل سألت نفسك ذات يوم: لماذا هُمِّشت منظومات القيم وأُبعد الأكفاء؟ أو ربما تساءلت من له اليد في غياب الذوق الرفيع وتسيد الأداء المنحط؟ لماذا يتشابه الجميع؟ ولماذا لا تُشفى آلامك رغم التزامك بتعليمات الطبيب؟ بل لماذا تتكرر على مسامعك كلمات مثل قيمة الخيار الشخصي، والديمقراطية، والشعبوية، وما زلت مهزومًا محاصرًا؟

تلك الأسئلة وغيرها المئات ستتجسد أمامك وأنت تقرأ كتاب «نظام التفاهة» لآلان دونو، أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية، والأكاديمي الناشط ضد الرأسمالية، ليصف المرحلة غير المسبوقة التي يعيشها العالم؛ يتسيد فيها التافهون ويسيطرون على كل مفاصل نموذج الدولة الحديثة، فيما اصطلح على تسميته بـ«الميديوقراطية»، هذا المصطلح الذي لم يظهر إلا عام 1825، لوصف النظام الاجتماعي الذي يشكل التافهون طبقته المسيطرة الحاكمة، أو يُكافأ فيه التافه ويُكرم الرديء.

صدر كتاب «نظام التفاهة» عام 2015 باللغة الفرنسية، وترجمته أستاذة القانون الخاص، مشاعل عبد العزيز الهاجري، للعربية عام 2019، لصالح دار سؤال. ولدونو كتاب نقدي وذكي بعنوان «كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في أفريقيا».

علوم

منذ 3 شهور
نوعان من القادة.. «نظرية التطور» تشرح لك ما يفعله زعماء العالم اليوم

تعريف التفاهة ونظام التفاهة

يحمل الكتاب في نسخته الأصلية عنوان «La médiocratie»، وهي الكلمة الفرنسية المقابلة لـ«Mediocracy»، وتعني: «النظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تجري فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضًا عن الجدية والجودة»، بحسب تعريف المترجمة.

أما «التفاهة» المقصودة في الكتاب، فهي ترجمة لكلمة «Mediocrity»، المستخدمة «لوصف طبيعة الشخص أو حالته من حيث التفاهة أو الابتذال، أو السخافة، أو تواضع المستوى»، بحسب المترجمة.

بداية صعود التفاهة

ساهم تقسيم العمل إلى يدوي وفكري في صعود التافهين إلى السلطة؛ فرضت قوة رأس المال هذا التقسيم، وعلق عليه كارل ماركس في منتصف القرن التاسع عشر.

فُقدت الحرفة، فتحول العمل إلى قيمة لا تساوي غير تكلفته.

أصبح العمال غير مبالين بالعمل ذاته، وتمكن العالم من إنتاج الوجبات على خطوط الإنتاج من دون أن تكون لديهم معرفة بأسس الطبخ، ومنه إلى بيع كتب وصحف لا يقرؤها بائعوها، وترديد العاملين بمراكز خدمة العملاء تعليمات لا يفهمونها على عملائهم، وظهور مهنة «الخبير» الذي يخرج على الجمهور بخطب رنانة لا تحمل من الحقيقة سوى شذرات.

هكذا أصبح العمل وسيلة لإنتاج الثروة بشكل عام، محض آلية لتأمين الوجود، ومحض وسيلة. وفي الحين الذي لا تعد فيه التفاهة نقصًا في الجهد؛ أصبح العامل يجتهد في إطالة ساعات عمله لزيادة دخله، وتفانى التافهون في الخروج ببرنامج تليفزيوني ضخم؛ فالجهد لازم لإخفاء الكسل الفكري وتفاهة المضمون.

المزايا غير المستحقة، والتواطؤ والتآمر، هي أيضًا عوامل مساعدة؛ ويذكرنا دونو بأول من لاحظوا التطور التدريجي للتفاهة حتى أصبحت نظامًا، وهما لورنس ج. بيتر، وريموند هال، في «مبدأ بيتر» الذي طوراه بعد الحرب العالمية الثانية، الذي يتمثل في قيام المؤسسات على ترقية الموظفين ذوي الكفاءة المتوسطة؛ حتى يصلوا إلى مواقع السلطة، وإزاحة أصحاب الكفاءة العالية.

ربما لاحظت ذلك في أول مؤسسة انتميت لها، المدرسة؛ فالمدرس الذي يجبر الطلاب على حفظ جدول الضرب هو المسيطر، والمدرس الخصوصي الذي ينظم المنهج في أغانٍ يرددها الطلبة هو الأكثر ثراءً، أما المدرس المتمرد – كما وصفه دونو – الذي يغير من بروتوكولات التدريس القائمة على الحفظ إلى الفهم فتفصله المدرسة.

هذه العملية لا تنتج سوى «الأمي ثانويًّا»، الذي عرفه الكاتب الألماني هانس إنتزنسبيرجر بإنسان العصر الجديد، المكون من معارف علمية مكونة من تعليمات ورسومات تخطيطية دون فهم ما ترتكز عليه، ويسمح لسلطات أعلى منه بإملاء استراتيجياتها عليه، لأغراض الترقية المهنية، والثروة المحدودة، مرددًا على مسامع الموظف الجديد نصيحة: «عليك أن تلعب اللعبة» بوصفها طقس عبور لعالم التافهين.

Embed from Getty Images

آلان دونو، مؤلف كتاب «نظام التفاهة».

كيف ساهمت الأكاديميا في تعزيز نظام التفاهة؟

حدد دونو جوهر كفاءة الشخص التافه في قدرته على التعرف إلى شخص تافه آخر؛ فالتافهون يدعمون بعضهم بعضًا، ليرفع كل منهم الآخر، وهكذا تقع السلطة بيد جماعة متحدة يزداد عددها باستمرار، لكن ما بعد السلطة، ماذا يفعل التافه مع غير التافهين؟ يفرض عليهم التفاهة، وسنرى كيف.

أدرج دونو في كتابه اتهامات مباشرة للأكاديميين بمسؤوليتهم عن عللنا الاجتماعية؛ بدراساتهم مقطوعة الصلة بالعالم، وقبليتهم، وهوسهم بالتطور الوظيفي.

يفترض المؤلف أن دور أعضاء هيئة التدريس والعاملين في الأقسام العلمية بالجامعات هو صناعة القرار وتطوير معرفتهم لتشكيل العالم الذي نعيش فيه، لكن «جامعات النخب» باتت تنبذ كل نقد ذاتي، وتحجز لنفسها مكانًا في «اقتصاد المعرفة».

باتفاق بين معهد الطاقة والعلوم الحيوية في جامعة بيركلي وشركة «بريتش بتروليوم»، يقدم المعهد نتائج أعمال باحثيه مقابل 500 مليون دولار، وتنتشر في كندا وأمريكا جامعات ومبانٍ داخل الحرم الجامعي، ومدرجات بأسماء شركات عملاقة، وعائلات تجارية، مثل «روكيفلير»، و«مونسانتو»، بخلاف منح تحت أسماء الرعاة.

Embed from Getty Images
تظاهر طلاب جامعة كاليفورنيا في بيركلي، تضامنًا مع حركة «احتلوا وول ستريت»، 2011.

غرقت الجامعات في علاقات تجارية، وبات الطلبة وإنتاجهم سلعة، وفسد البحث العلمي باختراقه، حتى صرح رئيس جامعة مونتريال عام 2011 بأن: «العقول ينبغي أن تُفصَّل وفق احتياجات سوق العمل»؛ في وقت كانت إدارة جامعته بيد البنك الوطني و شركة «باور كوربوريشن أوف كندا» الاستثمارية، وصيدليات «جان كوتو»، وشركة «جاز مترو» للطاقة، وغيرهم ممن قضوا على دور الجامعة الرئيسي.

يذكر دونو أيضًا ظهور التخصصات الغريبة فجأة، مثلما حدث عند تحول مدرسة لوزان للعلوم التقنية إلى المعهد السويسري للتكنولوجيا في لوزان؛ فكانت واحدة من تلك التخصصات معنية بالدراسات المالية العصبية، أي دراسة عمليات التفكير التي تقود إلى إبرام الصفقات التجارية، أو – لمزيد من التوضيح – كيف تربح صفقة تجارية لا تستحقها.

وهو ما يقول عنه عالم الاجتماع جيل جانيه إنك إذا اخترعت طريقة لزراعة ثمرة طماطم مربعة، واشترتها منك شركة لطبخ شطيرة مربعة، فأنت لم تساهم في التعليم والمعرفة، بل ساهمت في صنع شطيرة تدر ربحًا على شركة تمول بحثك.

لم يتوقف الأمر عند التمويل والاحتكار فقط؛ بل امتد لارتكاب جرائم.

في حين أشار مستشارو شركة «إيليدمان» – أكبر شركة للعلاقات العامة في العالم – على شركة «ترانس كندا» بتمويل إحدى جامعات كيبيك، ليقيم باحثوها مشروع مد خط النفط الأطول والأكبر عبر القارات، بوصفه «آمنًا بيئيًّا»، مقابل 3 ملايين دولار؛ تسربت تسجيلات لرئيس إيليدمان التنفيذي يأمر فيها المديرين التنفيذيين للشركة باستغلال مشاعر الخوف والغضب وتحويلها ضد الجماعات البيئية الرافضة لمشروع خط النفط، واستخدام أسلوب البحث عن الحكايات المحرجة في حياة دعاة حماية البيئة، والمشاهير الليبراليين المعارضين للمشروع العظيم. وبالنهاية لم يصدر تعليق واحد من الجامعة.

هكذا يكون المجتمع في ظل نظام التفاهة

نظام التفاهة هو نظام سياسي للوسط المتطرف، لا يمين ولا يسار، يدعي الفضيلة، ويردد الكلمات التي ترعبه نفسه كالابتكار والتعاون والجدارة، ومن لا يشاركه أفكاره يُواجه بالنبذ والإقصاء بطريقة مبتذلة، حتى صار المعنى وطوق النجاة هو الامتثال للكلمات الفارغة التي يرددها النظام التافه.

تعرف النظام التافه من خطابات أعضائه، فهل سألت نفسك يومًا من أين يأتي «الخبير» الذي يظهر على الشاشة وقت النزاعات السياسية؟ وما خطته المهنية؟

يمثل «الخبير» النموذج المركزي للتفاهة، لا يتفوه بما يفكر فيه؛ بل بما تمليه عليه مصالح خاصة وسط نظام منطقي يتجسد فيه. حدد أستاذ الأدب المقارن إدوارد سعيد وظيفة الخبير في تحويل الأفكار إلى عناصر مجردة ذات مظهر نقي، دون فكرة أو مقترح قوي، وأطلق عليه لقب «السفسطائي المعاصر» الذي يضفي الشرعية على معلوماته، في جزء من اتفاق بين الخطاب العام ومُلاك رأس المال، ممثلين في أصحاب المؤسسات الإعلامية؛ فخطابه قابل للتسويق، غير مثير للجدل، وممر صالح للسلطة لنقل تعليماتهم، وترسيخ نظامهم.

في مجتمع نظام التفاهة، يتشابه خطاب الخبير مع أستاذ الجامعة، ومؤسس شركة العلاقات العامة مع الحاكم.

يتعلق أسلوبهم باختيار كلمات تبدو علمية، لا علاقة لها بالمكان ولا بالزمان، وغير قابلة للقياس، ولا عاطفية أو تمثل أحداثًا تاريخية مؤلمة؛ فلن يقول التافه «ثورات سياسية»، بل «الصمود» لأن الثورة كلمة مثقلة بتاريخ مؤلم.

كذلك لن يُظهر التافه عداءه لخصومه من السياسيين بنبرة خشنة، لأن إظهاره غضبه يُضعف من ادعائه الفضيلة والحياد؛ ولذا لن يشير إلى مفردات بالقانون الجنائي، لكنه يردد كلامًا مثل: «تصرفات مريبة» و«أشرار» و«جرائم».

خطاب التافه مليء بأفعل التفضيل والمبالغة والتعميم، يعرقل الفهم العام، ولا يتبعه أسئلة؛ لأن أحدًا لم يفهم شيئًا؛ خطاب سياسي غامض ليس على الشعب فهمه، أو بحث علمي غامض ليس على العادي فهمه؛ لأن للسياسة أفرادها، والعلوم مملة.

كيف يوزع النظام التافه أمواله على الشعب؟

ربما يكون تحميل الأكاديميين عبء مأساتنا أمرًا مجحفًا لهم، فاحتكار الأكاديميين ليس سوى حشد لعديمي الحيلة محدودي الدخل، وإن كان قبولهم حلقة أساسية، لكن نظام الجامعة يشبه في نظامه عصابات المخدرات، فتتفاوت فيها الأجور؛ يحصد الزعماء الكبار الأرباح على كراسيهم، ويكسب باعة الشوارع المهددون بالسجن الفتات.

لماذا يقبل الصغير بالفتات رغم اجتهاده ومغامراته؟ لأنه يحلم بثروة مستقبلية، لن تأتي إلا إذا أصبح زعيمًا.

Embed from Getty Images
بيل كلينتون خلال حملته الانتخابية، سبتمبر 1992.

كيف سينفق الزعماء ثرواتهم؟ تلك حلقة جديدة من الاستغلال، تبدأ بوضوح بتعبير «إنه المال، أيها الغبي»، عبارة تذكرنا بأغنية حسين الإمام عندما أدى دور «التافه»، مقابل «الطموح» عمرو دياب، في فيلم «آيس كريم في جليم»، لكنها بالأساس كانت إحدى الجمل المحورية في الخطاب الخاص بالحملة الرئاسية لبيل كلينتون عام 1992.

في نظام تافه، ستجد الحكومة تلزم مواطنيها بقبول برامجها للتقشف وضبط النفقات، وهي توبخهم على عاداتهم المسرفة، لكنه النظام نفسه الذي ينفق أثرياؤه مليارات الدولارات لإنتاج طائرات نفاثة ذات محرك مزدوج، تطير من أمريكا إلى الصين دون توقف، لا يتجاوز عدد مقاعد الركاب فيها عشرة مقاعد، من أجل رفاهية الأسر الثرية؛ مثلما حدث في عقد الشراء التاريخي الذي تلقته مجموعة «بومباردييه»، بقيمة 7.8 مليارات دولار.

علوم

منذ 4 شهور
لا يمتلك شخصية قوية كما تتخيل.. لماذا يفزع الديكتاتور من المعارضة؟

وإذا كنت ترى أن مجرد ركوب الطائرة من علامات الثراء، فالأثرياء يملأون طائراتهم بأحواض الاستحمام وغرف الطعام، ويخصصون مهندسين وشركات لخدمتهم، وعددهم لا يتعدى العشرات.

يشبه هذا ضخ الحكومة الأمريكية آلاف المليارات من الدولارات لإنقاذ الشركات من إفلاسها خلال أزمة عام 2008، بدعوى إنقاذ الحضارة، لكن بمجرد انتهاء الأزمة الاقتصادية عادت الشركات لدفع مليارات الدولارات مرتبات للمديرين.

لم تعد الشعوب تثور لأشياء مثل تلك، فما يزالون يصدقون نظرية «التقاطر إلى الأسفل» التي يدعمها النظام التافه، وهي أن الأغنياء هم من يخلقون الثروة، وحينما تزيد ثروتهم، تفيض، وتمطر السماء مالًا على المجتمع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد