يمثل شهر رمضان تحديًا كبيرا للرياضيين المسلمين في كل عام، عندما يجري جدولة الأحداث الرياضية على مدار العام، ويتزامن وقت إقامتها مع حلول الشهر الكريم؛ الأمر الذي يحتم على الرياضيين الانتظام في التدريبات، وخوض المنافسة خلال شهر الصوم. وقد كتب نجم المنتخب المصري السابق أحمد حسام ميدو تغريدة في حسابه الرسمي على «تويتر»، طالب فيها الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم بمنع اللاعبين من المشاركة في المباريات خلال ساعات الصيام، راجيًا سرعة التنفيذ قبل موت أي لاعب بسببه.

وغرد ميدو قائلًا: «يرجى منع اللاعبين من خوض المباريات على هذا المستوى خلال صيامهم، الرجاء التصرف الآن قبل أن يموت أي شخص. أعلم أنني سأواجه انتقادات على ما أقوله، خاصة أنني مسلم، لكن لا يمكنك السماح للاعبين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عاما بالجري لمسافة 12 أو 13 كم، وهم لم يتناولوا أي طعام أو سوائل لأكثر من 18 ساعة».

وجاءت تغريدة ميدو بعد مباراة «أياكس أمستردام» أمام «توتنهام» الإنجليزي، التي شهدت إصرار حكيم زياش ونصير مزراوي لاعبي الفريق الهولندي على صيام يوم الأربعاء الماضي الثالث من شهر رمضان، رغم تزامنه مع المباراة الهامة في إياب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، والتي شهدت فوز الفريق الإنجليزي وتأهله للنهائي. فهل ما يقوله أحمد ميدو صحيح علميًا؟

كيف يؤثر الصيام على لياقة لاعب كرة القدم؟

الأبحاث التي أجريت حول تأثير الصيام على أداء اللاعبين قليلة ونتائجها غير حاسمة؛ لكن من المعروف أن نمط حياة اللاعبين يتغير خلال شهر رمضان، فيقل فيه عدد ساعات النوم ويسهر اللاعب خلال الليل خلافًا للأيام المعهودة والمعتاد عليها؛ ومن ثم تقل عدد ساعات نومهم، الأمر الذي قد يضر بقدراته الرياضية التحليلية على أرض الملعب. أيضًا قد يؤثر الصوم على عضلات اللاعبين ويصيبها بالإرهاق؛ وبالتالي تقل سرعة اللاعبين داخل الملعب.

وعندما يحل رمضان في فصل الصيف، وعند اللعب في درجات الحرارة العالية، التي يكون بعض اللاعبين غير معتادون على اللعب في هذه الأجواء، يرفع الصيام من احتمالات الإصابة بالجفاف؛ إذ تستمر عملية التعرق خلال الصيام ويفقد اللاعب كمية كبيرة من الماء بإمكانها أن ترفع وتيرة نبض القلب، وتخل موازنة درجة حرارة الجسم؛ الأمر الذي يؤدي إلى الإصابة بضربات الحر، والإعياء الحراري، وتشنجات العضلات المستمرة.

ومع اجتماع الجوع والجفاف معًا، يؤدي ذلك لإضعاف أداء اللاعب على أرض الملعب، وقد يفقد بعض اللاعبين التناسق الحركي ما بين اليد والعين، وقد يعاني لاعبون آخرون من تعب سريع في العضلات وضعف بالقوة؛ الأمر الذي يضر بالأداء الكامل للاعبين؛ وبذلك تؤثر نتائج الصيام التراكمية على مجرى يوم اللاعب وتحصيله اليومي على أرض الملعب.

«هدفي ليس صحيحًا سيدي الحكم».. 7 مواقف أخلاقية أظهرت الوجه الجميل لكرة القدم

هل يضر الصوم اللاعبين المراهقين أكثر من أقرانهم البالغين؟

في الإسلام، يصبح الصوم الذي يعد أحد أركان الإسلام الخمسة إلزاميًا عند وصول الشخص سن البلوغ، والذي عادة ما يتزامن مع سن المراهقة. وقد يبدأ تعويد الأطفال على الصيام المتقطع تدريجيًا من سن مبكرة، حتى وصولهم مرحلة التكليف، تشجيعًا لهم على البدء في وقت مبكر على التعود على الصوم.

وقد أعلنت خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة (NHS) أن الصيام لا يضر الأطفال ما فوق ثماني سنوات، في حين حذرت من مخاطر الصيام بالنسبة للأطفال الصغار، الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والثامنة وما دونهما؛ إذ من الممكن أن يتعرضوا للجفاف وسوء التغذية. وأضافت: «من الأفضل جعل الأطفال على دراية بما ينطوي عليه الصيام، وممارسة الصيام لبضع ساعات في كل مرة على حدة».

وبشكل عام، ينصح الأطباء بتجنب ممارسة التمرينات الرياضية الثقيلة خلال فترة الصيام، وخاصة تمارين الكارديو المكثفة؛ لتجنب الإصابة بالإجهاد والجفاف. ويُفضل ممارسة الأنشطة الرياضية المعتدل؛ من أجل الحفاظ على اللياقة البدنية، على سبيل المثال السير على الأقدام 30 دقيقة قبل غروب الشمس، أو بعد ساعة من الإفطار. ولتجنب الإصابة بالجفاف خلال ساعات الصيام الطويلة، يوصى بتجنب الطعام المالح والأطعمة التي تحتوي على صوص الصويا بعد الإفطار، إلى جانب الحد من شرب الشاي والقهوة والمشروبات المحتوية على الكافيين، مع شرب الكثير من الماء الذي يمكن إضافة شرائح الليمون أو الخيار إليه.

ولكن ماذا عن لاعبي كرة القدم وغيرهم من الرياضيين المحترفين؟ هل يتضرر اللاعبين المراهقين من الصوم بدرجة أكبر من أقرانهم من اللاعبين البالغين؟ وكيف تتعامل الأندية والمنتخبات مع لاعبيها المسلمين خلال شهر الصيام؟

تشير الأعداد الصغيرة من الدراسات التي جرى التحكم فيها جيدًا، والتي درست آثار رمضان على الأداء الرياضي للاعبين؛ إلى أن بعض جوانب اللياقة البدنية تتأثر سلبًا، ولم تجر ملاحظة سوى انخفاضات متواضعة. في حين غالبًا ما شكلت المشاعر الشخصية الخاصة بالإرهاق، ومؤشرات المزاج الأخرى، ضغطًا إضافيا على الرياضي طوال شهر رمضان، إلا أن معظم الدراسات أظهرت أن هذه القياسات لم تعكس انخفاضًا في الأداء.

وفي دراسة أجريت على 78 لاعب كرة قدم تونسي، تتراوح أعمارهم بين 16 و19 عامًا، درس الباحثون تأثير صيام رمضان على بعض العوامل الكيميائية والدموية على اللاعبين الذين واصلوا جدولهم التدريبي اليومي المعتاد إلى جانب المنافسة الأسبوعية. وأشارت النتائج إلى أن التغييرات في وقت تناول الطعام وعدد المرات خلال صيام رمضان، مع استمرار عبء التدريب الطبيعي، لم يكن له تأثير ملحوظ على سجلات عينات الدم الخاصة بهؤلاء الرياضيين المراهقين.

وفي دراسة أخرى أجريت على 79 لاعب كرة قدم شاب تونسي خلال التدريب في الأسبوع الثالث من رمضان، جرى تقسيمهم إلى مجموعتين: ضمت الأولى 48 لاعبًا يمارسون الصيام في رمضان، بينما ضمت الثانية 31 لاعبًا آخر يتناولون الطعام بشكل طبيعي. وقد أشارت مقاييس عبء التمارين الشاملة إلى عدم وجود فرق ذي أهمية بيولوجية بين المجموعتين: الصائمين، وغير الصائمين، خلال التدريب في الأسبوع الثالث من رمضان.

مع ذلك، ما زلنا بحاجة إلى مزيد من البحث لفهم الآليات، ومسارات الطاقة، التي تسمح للرياضيين بالحفاظ على قدرات أدائهم خلال شهر رمضان، وما هي العوامل المسؤولة عن الانخفاضات الملحوظة في أداء بعض الأفراد.

إرهاب وتعذيب.. كيف حول عدي صدام حسين كرة القدم إلى «لعبة الموت»

كيف تتعامل الفرق والمنتخبات مع لاعبيها المسلمين خلال رمضان؟

في تصريح لمحمد أبو العلا، طبيب منتخب مصر، في مقابلة مع وكالة «أسوشيتد برس» إبان مونديال روسيا العام الماضي، قال أبو العلا: «إن شهر رمضان يُشكل تحديًا كبيرًا للغاية، وهو أمر معقد. يجب أن نغير كل شيء، أنماط النوم، وعدد الوجبات التي يتناولها اللاعبون؛ إذ ستكون فترة المتاح فيها تناول الطعام لدينا ست أو سبع ساعات فقط، يجب أن يكون لدينا خلالها جلسة تدريب جيدة، ووجبتان على الأقل». وقد استعان الاتحاد المصري لكرة القدم بخبراء تغذية؛ لمراقبة الحالة البدنية للاعبين خلال شهر رمضان، واستنباط طرق لموازنة الآثار الجانبية للصيام.

وأضاف أبو العلا: «إن الصيام شيء بين اللاعب والله. ما نفعله هو إخبار اللاعبين بالكيفية التي سيكون حالهم عليها إذا صاموا، لكننا لا نقدم توصية بأي طريقة بشأن ضرورة الصيام أو عدمه». أيضًا صرح نبيل معلول مدرب المنتخب التونسي لوكالة «أسوشيتد برس» في مقابلة صحافية: «لا يمكننا التدخل».

وفي السياق ذاته، قال مجيد بوقرة، كابتن المنتخب الجزائري خلال مونديال البرازيل عام 2014، في مقابلات مع الصحافة الجزائرية، أن صيام رمضان تحدٍ واجهه اللاعبون المسلمون في الأندية الأوروبية منذ زمن طويل، وأنه كان يصوم رمضان عندما كان يلعب لصالح فريق «جلاسكو رينجرز» الإسكتلندي، مع حرصه على الحفاظ على أدائه الرياضي.

ورغم أن الفرق والمدربين لا يفرضون رأيا على اللاعبين، فمن الواضح أن الموقف صعب للغاية عند إعداد الرياضيين المحترفين للمشاركة في أكبر بطولة سوف يلعبون فيها. وقد واجه الرياضيون في الألعاب الأولمبية عام 2012 العقبة نفسها، وسمحت العديد من الفرق للاعبين بالإفطار خلال شهر رمضان؛ حتى لا يضعف أداؤهم، مع تعويض أيام الإسفطار تلك بصيامها في وقت لاحق، أو تقديم التبرعات للجمعيات الخيرية.

رمضان على الأبواب.. عادات غذائية صحية تبدأها قبل حلول الشهر الكريم

ما الطرق التي يمكن بها تفادي تأثير الصيام؟

توجد عدة استراتيجيات يمكن للاعبين المسلمين اللجوء إليها لتفادي آثار الصوم على أدائهم، منها: أن يتناول اللاعب خلال فترة الليل الكمية الكافية من الطعام والشراب التي توفر لجسمه السعرات الحرارية اللازمة، والتي تضمن أداءً جيدًا في الصباح التالي، كذلك تعد مواعيد المباراة عنصرًا مهمًا يساعد على الاحتفاظ بجودة أداء اللاعبين، وتلافي آثار الصيام، وقد يكون الوقت الأفضل لانطلاق المباريات في المساء، حين يكون مباحًا للاعبين تناول الطعام والشراب، أو قبل حلول المساء مباشرة، حتى يمكن للاعبين تعويض ما فقدته أجسامهم بمجرد انتهاء المباراة، أو خلال منتصفها.

وقد أشارت نتائج إحدى الدراسات التي أجريت على مجموعة من لاعبي كرة القدم الشباب في تونس، أنه يجب نصح المدربين بالتعامل مع متغيرات البرنامج التدريبي بشكل صحيح مثل كثافة التدريب، وحجمه، وعدد المرات، عند التخطيط لجلسات التدريب المسائي. بمعنى آخر، عند التخطيط لجلسات التدريب في المساء خلال شهر رمضان، يجب على المدربين تقليل حجم التدريب لتجنب المبالغة والإفراط في التدريب، والسماح للرياضيين بالتعامل بشكل أفضل مع التدريب مع التزامهم بتطبيق شرائعهم الدينية.

وفي دراسة أخرى أجراها مجموعة من الباحثين حول تأثير صيام رمضان على المتغيرات الفسيولوجية والأداء لدى لاعبي كرة القدم، وجد الباحثون أن العوامل الكيميائية الحيوية والتغذوية والرفاهية والأداء لم تتأثر بشكل سلبي لدى لاعبي كرة القدم من الشباب، الذين اتبعوا صيام رمضان في بيئة معسكرات تدريب تتبع خططا محكومة، بل قد تحسن الأداء البدني لديهم بشكل عام. ويوصي الباحثون اللاعبين بضرورة الحصول على النوم الكافي والتغذية الجيدة خلال شهر رمضان للحفاظ على أدائهم الكروي وصحتهم العامة.

وقد صرح الدكتور حكيم شلبي، المتخصص في الرياضة والصيام، والذي رافق المنتخب الجزائري في مونديال البرازيل عام 2014، في مقابلة معه، أن مسألة صيام اللاعبين تعد حساسة بسبب الحاجة إلى الماء وزيادة خطر الإصابات. لكنه أشار إلى أن الصيام لم يشكل دائمًا عقبة كاملة للاعبين، وقال: «غالبًا ما يُطلب منا حث اللاعبين على عدم الصيام، ولكن من الغريب أنه في بعض الحالات تتحسن نتائج الرياضيين بصورة أفضل خلال شهر رمضان؛ لأنهم صائمون ويريدون ذلك. وقد يكون الصيام بالنسبة لهم مساعدة روحية ونفسية».

فضلًا عن ذلك، أوضحت نتائج عدد من الدراسات أن التطوير والتنفيذ المبكر لاستراتيجيات الأكل والنوم المعقولة يمكن أن تخفف بشكل كبير من الاضطرابات في التدريب والقدرة التنافسية؛ وبالتالي السماح للرياضيين بالأداء على مستوى عال خلال ممارسة الصيام الديني المتقطع.

«استخدم تقنية الطماطم».. 5 نصائح لتنظيم الوقت والاستفادة به في رمضان

المصادر

تحميل المزيد