كشف موقع «ميدل إيست آي» أن مسؤولين في وزارة الخارجية المصرية عملوا مع دبلوماسيين يونانيين من أجل رفع اسم مصر من قائمة الدول التي انتقدها الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

وأشارت مذكرة وزارة الخارجية المصرية المسربة التي اطّلع عليها موقع «ميدل إيست آي» إلى الجهود التي بذلها المسؤولون اليونانيون في الضغط على نظرائهم بالاتحاد الأوروبي، من أجل عدم الإشارة إلى مصر في بيان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الخامسة والثلاثين عام 2017، وأشارت المذكرة المسربة أيضًا إلى أن الدبلوماسيين اليونانيين تعهدوا في حالة عدم تحقيق ذلك بالعمل على تخفيف انتقادات الاتحاد الأوروبي لسجل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحقوقي.

الأمر الذي قد يُفسّر الدعم الذي تلقاه مصر داخل الاتحاد الأوروبي، وغض الأخير طرفه عن «انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة في مصر، منذ اعتلاء النظام الحالي السلطة في عام 2013»، على حد تعبير موقع «ميدل إيست آي».

جدير بالذكر أن تسريب هذه المذكرة في مارس (آذار) الجاري، يأتي بالتزامن مع طلب 175 مُشرع أوروبي، من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال دورته التاسعة والأربعين التي بدأت في آخر يوم من شهر فبراير (شباط) 2022، وتستمر إلى أول أبريل (نيسان) 2022، إنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في مصر، واتخاذ إجراءات حازمة ضد مصر، قبل نهاية هذه الدورة المنعقدة حاليًا.

واتهم المشرعون في عريضتهم المذكورة المجتمع الدولي بـ«الفشل المستمر في اتخاذ أي إجراء هادف لمعالجة أزمة حقوق الإنسان في مصر»، لافتين إلى أن «الإحجام عن التحدث بشأن الانتهاكات المتفشية، علاوة على الدعم المستمر للحكومة المصرية؛ أدى إلى تعميق شعور السلطات المصرية بالإفلات من العقاب»، على حد تعبير المُشرعين.

هذا ما حدث في الدورة 35 لمجلس حقوق الإنسان!

المذكرة الداخلية التي حاز عليها موقع «ميدل إيست آي»، وأعدها مسؤولون في وزارة الخارجية المصرية، بغية رفعها إلى وزير الخارجية سامح شكري – الذي لم يزل بمنصبه – في مايو (أيار) 2017؛ تحدثت عن تحركات الدبلوماسيين اليونانيين نيابة عن مصر في بروكسل وجنيف، في الوقت نفسه الذي كان مسؤولو الاتحاد الأوروبي يعدون فيه مسودة بيان الدورة 35 لمجلس حقوق الإنسان الذي عُقِد في الفترة من ستة إلى 23 يونيو (حزيران) 2017، وكان من المقرر قراءة هذا البيان خلال مناقشة «البند الرابع» المعني بانتقاد السجل الحقوقي للدول التي ترتكب انتهاكات.

وبالفعل لم يُقرأ هذا البيان خلال مناقشة البند، لتكون المرة الأولى التي يفشل فيها الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى صيغة اتفق عليها الأعضاء! وقد ذكر الدبلوماسيون المصريون في المذكرة الداخلية المُسربة أن نظراءهم اليونانيين سيُطالبون بحذف الإشارة إلى سجل مصر الحقوقي كاملةً، وأنهم – اليونانيين – في حال فشلوا في ذلك؛ سيعملون على تعديل البيان وتخفيف لهجته قدر الإمكان، وحذف الإشارة إلى انتهاكات «القتل خارج نطلق القانون، وحالات الاختفاء القسري» من المسودة.

وأوصى الدبلوماسيون المصريون في المذكرة نفسها بإظهار عدم المبالاة بانتقادات الاتحاد الأوروبي لملف حقوق الإنسان المصري، وتركيز الجهود المصرية للضغط على اليونان، وقبرص، والمجر، وفرنسا، لحذف الفقرة الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر من البيان.

Embed from Getty Images

وتجدر الإشارة إلى أنه لم يجر التأكد من أن فشل الاتحاد الأوروبي في الوصول إلى صيغة البيان في دورته الخامسة والثلاثين كان بسبب الموقف حول ملف مصر؛ إذ أُعلن آنذاك أن اليونان عملت على حجب البيان بسبب «النقد غير البناء الموجّه إلى الصين»، وانتقد حقوقيون ودبلوماسيون موقف اليونان والمجر – التي دعمت اليونان في حجب البيان – مشيرين إلى أن شركة كوسكو الصينية للشحن، والمالكة لرابع أكبر أسطول حاويات في العالم، قد استحوذت على 51% من أكبر ميناء في اليونان عام 2016، وأن المجر تستحوذ على نصيب كبير هي الأخرى من الاستثمارات الصينية.

«المصالح تتصالح»: لهذه الأسباب تغض الدول الأوروبية عيونها عن الانتهاكات

من بين الدول التي أوصت مذكرة وزارة الخارجية المصرية المسربة، بتركيز الضغط عليها لمساندة مصر المجر، وقبرص، وفرنسا، بالإضافة إلى اليونان، وبالبحث وراء السبب الذي يجعل هذه الدول تغض الطرف عن الانتهاكات المصرية في ملف حقوق الإنسان، يقول كلاوديو فرانكافيلا، الباحث والناشط الحقوقي المعني بشؤون الاتحاد الأوروبي الخارجية في منظمة «هيومن رايتس ووتش»: ربما قد يعود إلى مصالح مشتركة وعقود بيع أسلحة، أو منع تدفق لاجئين.

وقد زادت دول الاتحاد الأوروبي من حجم مبيعاتها من الأسلحة إلى مصر بشكل كبير منذ أحداث عام 2013، وبحسب «حملة مناهضة تجارة الأسلحة (CAAT)» صدّرت دول الاتحاد الأوروبي (بما في ذلك المملكة المتحدة)، وصدّقت على صفقات في الفترة بين عامي 2013 و2020، بما لا يقل عن 12.4 مليار دولار من الأسلحة إلى مصر، وكانت فرنسا على رأسهم، بالإضافة إلى المجر، واليونان، وقبرص، من بين دول أوروبية أخرى.

فرنسا: كلمة السر طائرات «الرفال»

لم يعرقل الأداء المصري في ملف حقوق الإنسان صفقات بيع الأسلحة الأوروبية إلى مصر، خاصة فرنسا التي تجاوزت مبيعاتها إلى مصر الولايات المتحدة؛ لتكون أكبر مورد أسلحة للقاهرة في الفترة من 2013 إلى 2020، وذلك قبل أن يوقع البلدان صفقة بقيمة 4 مليارات يورو في مايو 2021 تخص شراء مصر طائرات رافال (30 مقاتلة)، على أن تتسلمها القاهرة في 2024، ليكون لدى مصر أسطولٌ من 54 مقاتلة، كلها من فرنسا.

ويمكن القول إن العقد الماضي قد شهد طفرةً خاصة في العلاقات المصرية الفرنسية، وأن هذا التقارب في العلاقات بين البلدين لم يقتصر على الشؤون الحربية والتسليح؛ بل ظهر هذا التوافق الكبير بين الجانبيْن في إدارة الملف الليبي، ودعم حملة الجنرال الليبي خليفة حفتر في الغرب الليبي، وحصاره على طرابلس، وتبادل الدعم الرمزي، المتمثِّل في زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لفرنسا أثناء أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمَّد، بالتوازي مع حملة الدولة الفرنسية للتضييق على الجاليات المسلمة في فرنسا، وما أعقب ذلك من دعوات في العالميْن العربي والإسلامي لمقاطعة البضائع الفرنسية.

وقد كشف موقع «ديسكلوز» الاستقصائي في تقرير ترجمه موقع «عربي21»، تفاصيل ما عده «مساهمة فرنسا في أعمال عبد الفتاح السيسي الديكتاتورية»، بعد قصف مدنيين على الحدود مع ليبيا بدعوى أنهم «إرهابيون» في عام 2016.

وأكد الموقع الاستقصائي أن مصر استغلت مساعدة استخباراتية مقدمة من فرنسا لاستهداف مهربين عند الحدود المصرية-الليبية وليس «جهاديين»، بخلاف ما هو متفق عليه، مستشهدًا بـ«وثائق دفاع سرِّية» تظهر انحراف هذه المهمة الفرنسية عن مسارها، وتعود هذه القصة إلى فبراير 2016، حين بدأت فرنسا ما سُمي بالعملية «سيرلي» الاستخبارية لحساب مصر في إطار (مكافحة الإرهاب)، بعد اتفاق بين الطرفين، وجرى إرسال فريق من القوات الفرنسية سرًّا إلى الصحراء الغربية، على مساحة 700 ألف كيلومتر مربع تمتد من النيل إلى الحدود المصرية الليبية.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد صرح في ديسمبر (كانون الثاني) 2020، خلال زيارة الرئيس المصري إلى باريس، أنه لن يجعل مبيعات الأسلحة لمصر مشروطة بملف القاهرة في حقوق الإنسان؛ لأنه لا يريد إضعاف قدرات مصر على محاربة «الإرهاب» في المنطقة، على حد تعبيره؛ الأمر الذي قد يفسر لماذا تعتمد مصر على فرنسا التي تتزعم حاليًا الاتحاد الأوروبي، في غض الطرف عن ملف حقوق الإنسان المصري.

اليونان وقبرص: «عدو عدوي صديقي» وشرق المتوسط كلمة السر

في أغسطس (آب) 2020 وقع وزيرا الخارجية المصري واليوناني على اتفاقية حول ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين في شرق البحر المتوسط والتي تضم احتياطات واعدة للنفط والغاز، والذي جاء بعد عام من توقيع تركيا على اتفاقية مع حكومة الوفاق الليبية لترسيم الحدود البحرية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، تجيز لأنقرة الوصول إلى منطقة واسعة في شرق المتوسط؛ ما أثار غضب مصر، واليونان، وقبرص (العدوين اللدودين لأنقرة)، وأعلنوا حينها عدم وجود أي أثر قانوني للإعلان عن توقيع تركيا مذكرتيّ التفاهم مع فايز السراج، لكونه يتعدى صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الليبي، بحسب «اتفاق الصخيرات»، واعتبرت – الدول الثلاث – الاتفاقية التركية مع حكومة الوفاق «غير شرعية» وتهدف إلى فرض هيمنة تركية في المنطقة.

دولي

منذ سنتين
بعيدًا عن التحيزات.. هل كسبت مصر بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان؟

وكان وزير الخارجية التركي قد صرح في أغسطس 2020، أن اتفاقية مصر واليونان، «باطلة ولاغية»، على حد تعبيره، مؤكدًا أن «المناطق المزعومة التي جرى ترسيمها تقع في نطاق الجرف القاري التركي وأن بلاده لن تسمح بأية أنشطة في هذه المناطق». جدير بالذكر أنه قبل أسابيع من توقيع الاتفاقية المصرية اليونانية، تصاعدت حدة المواجهة بين تركيا واليونان، حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول) 2020، بدأت مصر خطوات إطلاق منتدى «غاز شرق المتوسط» الذي يضم سبع دول، أبرزها بالإضافة إلى مصر: اليونان، وقبرص اليونانية، وإسرائيل، والأردن، والذي اعتبرته تركيا تحالفًا عدائيًا يستهدف حقوقها البحرية.

بالعودة إلى الوراء، وتحديدًا عام 2003، وقعت مصر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ كي يتمكن كل طرفٍ منهما على التنقيب عن الغاز، إلا أن مصر عادت وتنازلت بموجب الاتفاقية عن حقول غاز بمساحات ضخمة شمال شرق المتوسط لصالح قبرص وإسرائيل؛ ما كبّد – مصر – خسائر تبلغ 240 مليار دولار، بحسب الدعوى القضائية التي أقامها وكيل وزارة الخارجية الأسبق، إبراهيم يسري، في عام 2015 لإلغاء الاتفاقية.

مما سبق يتضح مدى توافق المصالح المصرية اليونانية القبرصية؛ الأمر الذي قد يُفسر توصية الدبلوماسيين المصريين في المذكرة المسربة بالضغط على اليونان وقبرص من أجل حذف فقرة الانتهاكات المصرية من بيان مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

المجر: «الطيور على أشكالها تقع»

يقبع على رأس القيادة الحاكمة في المجر، فيكتور أوربان، رئيس حزب فيدس اليميني الشعبوي المناهض للاجئين، وهو الحزب الحاكم في المجر منذ عام 2010. يناهض أوربان الهجرة علانية، ويعلن عن عنصريته تجاه اللاجئين، وسبق أن أعلن هو وقادة مجموعة فيسجراد، المكونة من التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوفاكيا، في سبتمبر 2015، أن المجموعة لن تقبل بأي حصة لاجئين يفرضها الاتحاد الأوروبي عليها، واصفًا سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه اللاجئين بالجنون.

وكانت نتائج دراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث، قد أظهرت أن المجر تعد الدولة الأكثر رفضًا وعنصرية تجاه اللاجئين، إذ تتوافق أراء الشعب المجري، مع رئيس وزرائها، ويتشابه توجه أوربان الذي يتجاهل حقوق الإنسان مع الأوضاع في مصر، وهو الآخر يتعرض للكثير من الانتقادات في هذا الملف.

ليس هذا فحسب ما يتشابه فيه النظام المصري مع المجري؛ فالحكومة المجرية تمارس التقييد على عمل وسائل الإعلام والصحافيين دون أي عقاب يُذكر من جانب الاتحاد الأوروبي، وذلك بحسب ما كتبه كوينتن آرييس المراسل الصحافي والمختص بشؤون الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو في مقاله الذي نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، والذي يتشابه مع التقييد والقمع الذي يطال حرية الصحافة المصرية، وحجب العديد من المواقع الإخبارية والصحافية الإلكترونية، علاوة على اعتقال عشرات الصحافيين المصريين في السجون المصرية.

وبيانات مجلس حقوق الإنسان تغض الطرف بالفعل عن انتهاكات مصر!

وعليه يقول كلاوديو فرانكافيلا لموقع «ميدل إيست آي» أن بيانات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عامي 2020 و2021، بدأت بالاعتراف والثناء على «دور مصر الرئيس في الأمن والاستقرار الإقليميين، وإدارة الهجرة وجهود مكافحة الإرهاب». مؤكدًا أن الصياغة اللطيفة والمجاملة، التي يعتمدها مجلس حقوق الإنسان في بياناته بشأن المخاوف المتعلقة بسجل مصر الحقوقي، «تتعارض بشكل صارخ مع اللغة الأكثر حزما المستخدمة مع البلدان الأخرى في البيانات نفسها».

ويشير موقع «ميدل إيست آي» أن مذكرة وزارة الخارجية المصرية المسربة، ذكرت أن مصر ربما سعت للتأثير على بيانات الاتحاد الأوروبي السابقة في سجلها الحقوقي، وأن البيان الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي حمل انتقادات ذات لغة خفيفة، لملف مصر الحقوقي، «جاء بالتشاور مع الجانب المصري»، على حد تعبيرهم.

عربي

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: بعد إلغاء «الطوارئ».. مصر توسع الصلاحيات الأمنية للرئيس والجيش

وكانت المذكرة المصرية المُسربة، قد أوصت بتعطيل التعاون في برنامج استشاري حول الهجرة غير النظامية، للضغط على دول الاتحاد الأوروبي، فيما يخص ملف مصر الحقوقي، لافتة إلى أن إلغاء وزير الخارجية المصري، سامح شكري لاجتماع كان مخطط عقده مع فيديريكا موجيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية العليا والأمن القومي بالاتحاد الأوربي آنذاك، يحمل رسالة استياء مصر إلى الجانب الأوروبي، بطريقة عملية، على حد تعبيرهم.

قال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو في تصريح خاص «موقع ميدل إيست آي»، بعد عدم تعقيب الاتحاد الأوروبي على هذه «التسريبات المزعومة» على حد تعبيره: إن «ملف حقوق الإنسان هو محور مشاركة الاتحاد الأوروبي مع مصر، وأن أي قطاعات أخرى – مثل برامج الهجرة غير المنظمة وصفقات الأسلحة – لا تشمل جانبًا من تعاوننا مع القاهرة». وتجدر الإشارة إلى أن موقع «ميدل إيست آي» تواصل مع وزارتي الخارجية المصرية واليونانية على حد سواء للتعليق على المذكرة المسربة، لكنه لم يتلق أي رد منهما.

المصادر

تحميل المزيد