على مدار يوميات الثورة السودانية، التي لا تزال جذوتها مشتعلة في ميادين الاعتصام، مرت مظاهرات السودان بشكل فريد تاركة خلفها مشاهد أضيفت لذاكرة المُقاومة السودانية، وأماكن سجلت بطولات مواطنييها، ووجوه جُدد حضرت دومًا بشكل استثنائي، ليعكس ذلك خصوصية كٌبرى للثورة، وتضحيات استثنائية لهذه الوجوه، الذين تحولوا لأيقونات نضالية.

 يرسم التقرير التالي صورة شاملة لهذه الوجوه التي أدت أدوارًا استثنائية، تأكدت بها دوافع مظاهرات السودان الطامحة نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، وخلفيات هذه الأدوار، والسياقات السياسية والاجتماعية المرتبطة بها، في محاولة لتأريخ لهذه الثورة، التي أطاحت بحكم ظل قابضًا على السلطة ثلاثة عقود كاملة.

هل بدأ الحرس القديم ثورته المضادة في السودان؟

عوضية كوكو.. «ست الشاي» في مظاهرات السودان

على خلفية الظروف الاقتصادية الصعبة، التي مر بها أغلب فئات الشعب السوداني، في سنوات حُكم البشير، ابتكرت أعداد كبيرة منهم مهنًا جديدة لمواجهة تلك الصعوبات المعيشية، في ظل الارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار، وغلاء المعيشة عمومًا.

مظاهرات السودان

عوضية كوكو، مصدر الصورة: مونت كارلو

واحدة من تلك المهن هو عمل أعداد كبيرة من سيدات السودان في إعداد الشاي والقهوة للمارين في الشوارع،  تحت شمس الخرطوم الحارقة، في كافة الأحياء، مستخدمين في ذلك عددًا من الأدوات البسيطة مثل: موقد وكرسي وأكواب فارغة. 

على رأس هؤلاء العاملات؛ عوضيه محمود كوكو (56 عامًا)، امراة سودانية، لم تنل حقها من التعليم الأساسي، بدأت عملها بائعة للشاي سنة 1986، عقب زواجها، بهدف دعم زوجها ماليًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لها ولعائلتها.

مرت السنوات على عوضية وهي تتنقل بين الشوارع، وواجهت هي وآلاف غيرها، تضييقًا واسعًا من جانب أجهزة المحليات بهدف أخذ أموال منهم، ومُساومتهم على إعادة أوانيهم مقابل دفع النقود، لتهتدي في أوائل التسعينات إلى  تأسيس جمعية تهدف لحماية حقوق هؤلاء السيدات، وتنظيم العاملات في المِهنِ المُهمشة، من خلال تقديم تدريب قانوني على مواجهة تلك القيود، ودعمهم ماليًا بإتاحة معدات جديدة.

على أثر تلك الأدوار، نالت عوضيه «جائزة المرأة الشجاعة» من وزير الخارجية الاميركي جون كيري في واشنطن في شهر مارس (آذار) 2016، وتحولت لأيقونة للمرأة السودانية المُلهمة لغيرها في العالم أجمع.

في الأيام الأولى للاحتجاجات ضد نظام البشير، كانت عوضية في الخطوط الأولى للثورة السودانية، رفقة آلاف السودانيات اللاتي عملن بائعات للشاي والمأكولات في الشوارع. تمثلت أدوارهن في إعداد أكوابًا من الشاي ومأكولات، وتوزيعها على كافة المحتجين، دون مقابل، دعمًا وتأييدًا لهؤلاء الثوار.

تقول عوضية في اتصال هاتفي لـ«ساسة بوست»: «بسبب الحرب والأوضاع الاقتصادية السيئة؛ أصبحت «ست الشاي» بديلًا للمقاهي والكافتيريات. ففي السودان؛ لا توجد «قهاوي» كما هو معتاد في الدول العربية، هناك «ست الشاي».

وتُضيف :«سيدات كثيرات فقدن عملهن في هذه المهنة، بسبب التضييق المستمر من جانب المحليات؛ لذلك أسست جمعية لمساعدة هؤلاء السيدات عبر توفير لهم بمبر (كرسي)- وكافتيرا (إبريق شاي)، وفحم وكانون (هو جهاز قديم يتم استخدامه لتسخين المياه)».

مرت عوضية ومعها الآلاف بكثير من القيود التي بدأت بمرور موظفي المحليات عليهم، بهدف الحصول منهم على أموال مقابل السماح لهم بالبقاء، قبل أن تبدأ مرحلة جديد بتسجيلهم في المحليات، مقابل مبلغ مالي، ومنحهم إيصال تسجيل يتيح لهم البقاء في الشارع، وفقًا لها.

امتدت المضايقات، بعد ذلك، من خلال استخدام رجال الشرطة «قانون النظام العام»، الذي منحهم السلطات لعمل محاكمات فورية لعدد من هؤلاء السيدات، تٌضيف عوضية: «كُل تلك الوقائع شكلت دافعًا أساسيًا للتفاعل مع عموم الشعب السوداني، والمطالبة بتحسين حياتنا، وإلغاء قانون النظام العام».

في سبيل مدافعة عويضة عن حقوق زميلاتها، وتقديم الدعم الحقوقي والقانوني لهن تعرضت للسجن لأكثر من تسعِ مرات بسبب رفضِها للقوانين بحق النساء العاملات.

وتجدر الإشارة إلى أن آخر إحصاء لعدد السيدات اللاتي انضممن لتحالف «ست الشاي» هو 23 ألف سيدة سودانية، وفقًا لعويضة.

شهيد الثورة الأول.. طبيب خالف نهج أبيه المسؤول في نظام البشير

لأسرة تنتمي للطبقة الميسورة ماليًا، تسكن حي الكافوري، أرقى أحياء العاصمة السودانية ولد عبدالرحمن بابكر، في عائلة تتوارى خلفياتها السياسية، وراء انتماءات الجد المنتمي لحزب «المؤتمر السوداني» الحاكم، التي حكم عبر ممثلها عُمر البشير، ثلاثة عقود كاملة؛ قبل أن يتم الإطاحة به بعدما ثأر الشعب ضده. 

جاور منزل عبد الرحمن كبار مسئولي النظام السابق، وأشقاء البشير الذي يسكنون في الحي نفسه؛ لتنكشف أمامه في سنوات صباه الفوارق الكبيرة بين نمط معيشة هؤلاء والقطاع الواسع من الشعب السوداني الذي يعيش في ظروف اقتصادية شديدة الصعبة. على رأس تلك المنازل التي كانت تبعد أمتار معدودة مسكن علي عثمان طه النائب الأول الأسبق للرئيس السوداني عمر البشير، الذي اعتقل بعد عزل الأخير، والذي تحول بحكم «الجيرة» والصداقة المُشتركة مع والده، ظل وجهًا مرئيًا له بشكل يومي، يلتقط منه أحاديث عن دوائر السلطة والصراعات الهامسة داخلها.

أمام مظاهر البذخ الماثلة أمام عينيه، وانكشاف أنماط حياة هؤلاء القادة الذين يتحدثون في خطبهم للشعب عن التقشف، والتناقض الظاهر أمامه بين العلن والحقيقة؛ خالف الشاب خيارات جده وأبيه، أيضًا الذي يعمل مستشارًا قانونيًا في السعودية، منفتحًا على خطاب الحركات الشبابية المعارضة، الداعية لإسقاط نظام البشير، كما يقول صديق مُقرب له في اتصال تليفوني لـ«ساسة بوست».

كان اندلاع الاحتجاجات الأخيرة بالنسبة لعبد الرحمن فرصة للتعبير عن انفعالاته وطاقة الغضب الساكنة داخله تجاه كُل مشاهد الظلم والديكتاتورية التي تمثلت في حُكم البشير؛ ليشترك مع المحتجين منذ بداية اندلاع الانتفاضة الشعبية في ديسمبر (كانون الأول)، وبلغت ذروتها في الحادي عشر من أبريل (نيسان) لجاري، بعدما استجاب عوض بن عوف، وزير دفاع البشير، لمطالب الجماهير بالتدخل لإزاحته.

على مدار شهور الاحتجاج، كان الشاب في طليعة المُتظاهرين، يرفع اللافتات، وتصدح حنجرته بشعار «يسقط بس»، ويُسعف المرضي، قبل أن تُصيبه طلقة رصاص من قناصة مُثبتة على أحد المنازل المحيطة بالمسيرة الاحتجاجية؛ ويسقط «شهيدًا أول» للثورة، التي تتابع شهداؤها بعد ذلك، ويُسجل بقصته  مشهدًا خالدًا لثورة ثار قطاع كبير منها لرفع الظلم والقمع عن عموم الشعب.

بسبب خلفية الشاب العائلية، وثقل القبيلة المنتسب لها، وموقع والده الوظيفي في الحزب الحاكم واتصالاته بقادتها، وجده قبله في الحركة الإسلامية الحاكمة؛ خرج صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات السابق في عهد البشير، للدفاع عن أجهزة الأمن وعدم استخدام القناصة تجاه عبد الرحمن بشكل خاص، والسعي حثيثًا لتبرئة قواته من قتله، وفقًا لصديقه الذي هاتف «ساسة بوست».

ظهر قوش في مؤتمر صحافي خصيصًا للتعليق على واقعة قتل قوات الأمن لعبد الرحمن، قائلًا: «هو اتضرب من الخلف، وبواسطة كليشنكوف، واحنا ما عندنا كلشينكوف، ولدينا تقارير طبية، وصورنا تقرير لسيدة تقوم بعملية القتل»، متعهدًا بتنفيذ حُكم الإعدام تجاهها، مضيفا أنها «شيوعية، وليس لها أخلاق».

نبيل أديب.. المحامي العجوز الذي دافع عن الجميع

بابتسامة عذبة، يُقابل نبيل أديب (76 عامًا) القبطي السوداني ذا الأصول المصرية، كُل زائرٍ لمكتبه، طالبًا دعمًا قانونيًا في قضية له أمام نظام البشير، أو مساعدة في توثيق انتهاكات وقعت بحقه؛ ليتحول لمحامي المقهورين، دون أن يكترث إلى انتمائتهم السياسية.

أديب، هو أحد الذين شاركوا في رسم أهم ملامح ومراحل النضال السوداني على مدار العقود الثلاثة. حين كان طالبًا بكلية الحقوق في «جامعة الخرطوم» شارك في الانتفاضات الطلابية، ومضى على هذا المنوال، حتى تحول لرمز وأيقونة حقيقية للثورة السودانية.

Image may contain: 1 person

نبيل أديب، مصدر الصورة: الصفحة الرسمية له على «فيسبوك»

يكتظ مكتبه، الواقع بحي العمارات في العاصمة الخرطوم، بنقابيين وناشطين وأوراق عمل، يختفي بينهما طيلة ساعات اليوم، منذ عقود طويلة، غير عابئ بتبعات هذا الدور على حياته الشخصية التي ارتضاها آملًا «في أن ينصلح حال البلد، ويرى انعكاسات عمله في الشارع وعلى المواطنين»، كما يقول في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست».

 تعرض أديب للاعتقال مرات عدة في السنوات السابقة، ووصلته تهديدات مُتكررة عبر هاتفه؛ غير أنه لم يعبأ بها، موضحًا: «أنا مؤمن بتلك الاختيارات؛ أراها إرثًا عظيمًا وفخرًا لي، لم أخف أبدًا، ولا زلت صامدًا».

عُرف عن نبيل الهدوء والقدرة على عمل نقلة نوعية في العمل الحقوقي بالسودان؛ وتوظيفه في الدفاع عن حقوق الإنسان، وتقديم الدعم الحقوقي والقانوني لضحايا هذه الانتهاكات.

من بين هؤلاء الأشخاص الذي دافع عنهم أديب صلاح قوش، الرجل النافذ داخل السودان، والرئيس السابق لجهاز الأمن والاستخبارات، بعدما جاءه في هيئة المُستغيث لنجدته بعدما تعرض للسجن والتعذيب الشديد قبل عام 2013، بعدما انكشف دوره في تدبير انقلاب عسكري ضد البشير، ليصدر الأخير قرارًا بإيداعه في سجن شديد الحراسة، ويدافع عنه أديب مطالبًا له بحقوق كاملة له مستندًا في ذلك بحق كُل مواطن بمحاكمة عادلة، غير عابئ بماضيه وسجله في التزوير والحرب والانتهاكات التي طالت أديب شخصيًا.

بعدما خرج قوش، ونسج صلاته ورمم نفوذه، وعاد لمنصبه من جديد، بضغط إقليمي، كان أول ما فعله هو «التضييق» على أديب؛ ضمن دور أكبر لحصار كُل المعارضين السياسيين، ويصدر أوامر باقتحام مكتبه مرات عديدة.

بعد سنوات النضال الطويلة، ثار أديب مع آلاف السودانين على البشير، وكان حاضرًا بجسده في مظاهرات السودان، وعقله في الدفاع عن المعتقلين، وتوثيق الانتهاكات الواقعة بحقهم، يقول: «الثورة هي أعظم ما عرفته حياتي في كُل تلك العقود الطويلة. اليوم؛ بات النضال له معنى وقيمة».

أسطورة كرة القدم السودانية في مظاهرات السودان

من بين الوجوه الاستثنائية التي قدمتها الثورة السودانية، لاعب كرة القدم التاريخي، وأفضل صانع ألعاب في صفوف المنتخب السوداني في التسعينات وأوائل الألفينات، هيثم مصطفي كرارة، الذي لعب لقطبي الكرة السودانية: الهلال والمريخ.

مظاهرات السودان

هيثم كرارة لاعب كرة القدم السوداني مصدر الصورة: الصفحة الرسمية له على «فيسبوك»

ذاع صيت هيثم طيلة السنوات الماضية بوصفه لاعبًا مهاريًا الذي يجيد صناعة الأهداف لزملائه، بتمريرات «السحرية»، جعلته يتحول لأيقونة كرة القدم في السودان، بعدما أصبح أكثر لاعب يُحقق القاب محلية، وأكثر اللاعبين مشاركة في البطولات الأفريقية، والقائد التاريخي لنادي الهلال السوداني، بعدما ظل حاملًا شارة قائد الفريق لأكثر من 15 عامًا.

مع اندلاع مظاهرات السودان، انكشف وجهًا آخر لهيثم، بعدما تفاعل مع الاحتجاجات بدعمها عبر صفحته على «فيسبوك»، أو من خلال المُشاركة فيها لاحقًا، وطرح وجهات نظر تتفاعل مع الحراك السياسي، والدفاع عن المعتصمين، إلى أن تحول لأحد مصابيها، بعدما اعتدت عليه قوات الأمن داخل مقر الاعتصام في القيادة العامة للجيش السوداني.

بعد إصابته الأخيرة، كتب هيثم على صفحته مُدافعًا عن استمرار الاعتصام: «قد لا يعلمون أن الشارع السوداني بات صاحيًا لكل أساليب القمع وتكميم الأفواه، وكنّا نعتقد بأن التغيير قد حدث بالفعل، وأن حرية التعبير باتت ممكنة، وأن الأمن والأمان بالفعل من أولويات اعلى جهة مسؤولة بالبلاد من المواطنين، ولكن يبدو أننا مخطئون، وللحديث بقية».

«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان

 

المصادر

عرض التعليقات
s