تنتظر العائلة ميلاد طفل جديد بفارغ الصبر لحظات من الأمل والفرحة والترقب، يعقبها لحظة الميلاد التي تغير حياة الأب والأم إلى الأبد، فيضعوا خططهم حول مستقبل ابنهم؛ ماذا سيدرس؟ وأين يتلقى تعليمه؟ هل يتعلم بلغته الأم أم اللغات الأجنبية أفضل؟ أي رياضة أفضل: السباحة أم ركوب الخيل؟ الكثير من الخيارات التي يبحث الأهل دائمًا عن أفضلها، وكثير من التضحيات التي يبذلونها من أجل توفير أفضل الخيارات لأطفالهم، هذا كله يسبقه الكثير من الحب واللهفة والانتظار ومتابعة هذا المولود يكبر وينمو.

يتغير مسار هذه الرحلة تمامًا عندما يعلم الأهل أن ابنهم قد أتى إلى هذا العالم باضطراب أو متلازمة ما، تجعله ينمو بشكل مختلف. لا تدرك بعض العائلات هذا الاختلاف، يمرون بالعديد من محطات الرفض والانهيار والشعور بالذنب، حتى يعبروا هذه المحنة ويصلوا إلى المعنى الحقيقي لمنحة أن تكون أبًا لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة.

من هم ذوو الاحتياجات الخاصة؟

تحكي رشا السيد (28 سنة)، أم لطفلة تبلغ من العمر تسع سنوات، مصابة بمتلازمة داون لـ«ساسة بوست» فتقول: «منذ اللحظة الأولى التي علمت فيها بخبر حملي اخترت كل شيء بعناية فائقة، اسم صغيرتي رغم أني لم أكن أعلم نوع الجنين بعد، ملابسها وشكل غرفتها، أعددت كل شيء في انتظار موعد الولادة، عقب الولادة مباشرة لم أرَ طفلتي. اخبرني زوجي بأنها تعاني من بعض العيوب الخلقية في القلب وتحتاج الى إجراء بعض الفحوصات وأنها ستبقى في الحضانة لبعض الوقت». 

Embed from Getty Images

تكمل رشا حكايتها وتقول: «شعرت بالحزن وانتظرت السماح لي برؤية صغيرتي بفارغ الصبر، لكن عندما علمت أنها ليست طفلة عادية، دخلت في نوبة بكاء وصراخ. نسيت الوجع وآلام جرح الولادة القيصرية، كأن الكون توقف عند هذه  اللحظة، فقدت حساب الزمن ، أصبحت امرأة أخرى. لم أكن أدري وقتها ماذا يعني أن تكون ابنتي من ذوي الاحتياجات الخاصة، كنت صغيرة ولم أعِ أنني أمتلك ملاكًا صغيرًا، كل ما كنت أفكر فيه أنني أريد أن أخرج من هذا الكابوس الآن وأنني لم أعد أريدها!». 

يُعرف موقع «أطفال الخليج لذوي الاحتياجات الخاصة»، الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بأنهم الأطفال الذين تنخفض عندهم معدلات النمو والتطور عن المعدل الطبيعي للأطفال العاديين في مختلف جوانب النمو سواء حسيًّا أو جسديًّا أو سلوكيًّا، ووفقًا لموقع «فري ويل فاميلي» الطبي، فإن فئة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة تشمل العديد من التصنيفات المختلفة وفقًا لنوع الاضطراب أو المتلازمة أو الخلل الجيني الذي يعاني منه الطفل.

فهي تتضمن الأطفال الذين يعانون من متلازمة داون ومتلازمة توريت ومتلازمة ريت، واضطراب التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، واضطراب صعوبات التعلم وغيرها، أو الأطفال الذين يعانون من إعاقات حسية مثل الصمم وكف البصر وأطفال الشلل الدماغي، الأمر الذي يجعل هؤلاء الأطفال في حاجة إلى خدمات تربوية خاصة وبرامج فردية لمساعدتهم على النمو بشكل أقرب إلى الطبيعي.

وما هي الخدمات التربوية الخاصة؟

بحسب موقع «أندرستود» التعليمي فإن التربية الخاصة هي الخدمات والبرامج التربوية التي تُقَدم للأطفال الذين يواجهون صعوبات مختلفة تؤثر في قدرتهم  على التطور والنمو والتعلم.

Embed from Getty Images

فتقول آمال عبد النبي أخصائية نفسية لـ«ساسة بوست» إن برامج التربية الخاصة ساعدت بشكل كبير على خدمة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدمت الكثير من الخدمات وساعدت على دمج فئات كبيرة منهم في المجتمع، لكنها تعود وتشير إلى أن العقبة الحقيقية أمام تفعيل هذه البرامج هم الأهل أنفسهم؛ موضحة أن ردة فعل الأهل والصدمة الأولى تؤثر بشكل كبير في تحسن الأطفال، وأن مشاعر الإنكار والرفض تقف حائط صد أمام تطور هؤلاء الأطفال، فـ«نسبة كبيرة من الآباء يرفضون فكرة تصنيف أبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، حتى بعد التشخيص الطبي الدقيق للحالة» على حد تعبيرها.

سلسلة من المشاعر المتضاربة

ولادة طفل ينمو بشكل مختلف تُصيب الأهل بسلسلة من المشاعر المتضاربة، في مقالة لويليام سي هيلي، رئيس قسم التربية الخاصة في جامعة نيفادا في لاس فيجاس بالولايات المتحدة، يستعرض هيلي سلسلة المشاعر التي يمر بها الأهل منذ معرفتهم التشخيص الدقيق لحالة ابنهم وهي:

1- الصدمة والإنكار: «لا بد وأنني في كابوس مزعج»

يصاب الأهل في هذه المرحلة بصدمة شديدة تجعلهم غير قادرين على تقبل التشخيص، تحكي إيناس رمضان، اسم مستعار (32 عامًا) وأم لطفل يبلغ من العمر سبع سنوات ويعاني من اضطراب التوحد، فتقول لـ«ساسة بوست»: «عندما أتم ابني عامه الثاني لاحظت أن هناك شيئًا غريبًا، أصبح يصاب بنوبات غضب شديدة ويكرر بعض الحركات بصورة نمطية، عندما أخبرني الطبيب أنه يعاني من اضطراب التوحد كنت أبكي حتى أفقد الوعي، أحتضنه وأتمنى أن أموت أنا وهو في هذه اللحظة، انقطعت عن العالم ورفضت الاعتراف بأي تشخيص غير الذي أقنعت به نفسي؛ ابني وحيد ونحن في غربة ولا يتفاعل بشكل جيد وهذا كل ما في الأمر. للأسف لم أقتنع بأنه مصاب بالتوحد إلا عندما أتم عامه الرابع، وأصبح في سن الحضانة ولم يستطيع أن يتفاعل مع أقرانه، أتمنى لو أني لم أفعل ذلك».

تقول نادية حسن (أخصائية تربية خاصة)، لـ«ساسة بوست»: «الأطفال الذين يجري تشخيصهم وهم رضع أو في مرحلة الطفولة المبكرة  – الفترة من سنتين إلى خمس سنوات- هم أطفال محظوظون وفرص تطورهم أفضل بكثير، إلا أن مرحلة الصدمة والإنكار التي يمر بها الكثير من الآباء قد تعرقل عملية التدخل المبكر، خاصة إذا تجاهل الأهل التشخيص الدقيق لحالة الطفل وتعاملوا معه على أنه طفل عادي».

وفقًا لموقع جامعة بنسلفانيا، فإن التدخل المبكر يُشير إلى عملية تقديم الخدمات والدعم للأطفال الذين يعانون من تأخر في النمو أو من بعض الإعاقات التنموية والتي تؤثر في قدرتهم على النمو والتطور والتعلم بشكل نموذجي، تُقدم خدمات التدخل المبكر في الفترة منذ الميلاد وحتى سن ما قبل المدرسة، وكلما جرى تحديد التأخيرات في النمو والاحتياجات الخاصة التي يعاني منها الطفل في وقت مبكر، ساعد ذلك على  تقليل آثار الإعاقة من خلال تلبية الاحتياجات المحددة للأطفال الصغار، والتركيز على تطوير خمس مجالات تنموية أساسية، تشمل النمو البدني للطفل، والتطور المعرفي والتطور السلوكي والتطور العاطفي والاجتماعي.

2- الغضب: لماذا أنا؟

يدرك الآباء في هذه المرحلة أنهم أمام أمر واقع، جزء كبير من الحقيقة أمامهم وعليهم أن يتعاملوا معها، إلا أن الغضب يتحكم في مشاعرهم. تحكي سلمى عبد الرحمن، (33سنة) أم لطفلة تبلغ من العمر خمس سنوات وتعاني من تأخر عقلي فتقول لـ«ساسة بوست»: «كان بداخلي ثورة غضب، بركان من الأسئلة: لماذا أنا؟ كان السؤال الذي ظل يتردد داخل رأسي لشهور، كنت أحول طاقة الغضب هذه لهجوم ضد أى شخص يبادر بالسؤال عن حالة طفلتي ولماذا لا تتصرف بشكل طبيعي».

يقول هيلي في مقاله عن تقبل الأهل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن الشعور بالغضب والذنب في هذه المرحلة يُعد أمرًا إيجابيًّا ولا يدعو للقلق، فإخراج هذه المشاعر والتعبير عنها علنًا، يساعد الأهل في التطهر والتخلص منها ويمهد الطريق لمرحلة التكيف والتقبل.

3- المساومة: ماذا لو؟

عادة ما يعاني الآباء في هذه المرحلة من إحساس الذنب ولوم الذات ورغبة كبيرة في تغيير الأحداث، فينغمسون في سلسلة من التمني، ماذا لو لم يحدث كل ذلك؟ ماذا لو كان هناك خطأ في التشخيص؟ سلسلة لا تنتهي من ماذا لو،  وفقًا لمقالة منشورة على موقع هيلث إن الطبي فإن «المساومة هي إحدى الحيل الدفاعية ضد مشاعر الحزن والارتباك والأسى»، والتي تمهد المشاعر للمرحلة التالية وهي الشعور بالاكتئاب والحزن ثم الاستسلام والتقبل.

4- الاكتئاب: الغرق في دوامات الحزن

تتسم هذه المرحلة بالهدوء على الرغم من الحزن الشديد الذي يتمكن من الأهل، إلا أن ثورة المشاعر تهدأ ولا يتبقى منها سوى الشعور بالحزن وربما نوبات من الاكتئاب. 

تحكي (س.ش) أم لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة لـ«ساسة بوست»: «لم أشعر بالغضب ولم أمر بأي مشاعر سلبية بالعكس، كنت أشعر أنها منحة، ابني عمره تسع سنوات وهو غير ناطق، ويعانى من اضطرابات في التمثيل الغذائي وتأخر عقلي. جرى تشخيصه بشكل دقيق عندما أتم عامه الثاني، وقطعنا رحلة طويلة من الأمل واليأس والتفاؤل والإحباط، أنا لم أرفضه ولكن هذا لا يمنع أنني حزينة، أنا لا أتلقى أى دعم نفسي أو مساندة، أتحمل نوبات غضبه غير المبررة بمفردي، لكني لن أتخلى عنه».
كشفت دراسة عن تأثير إنجاب طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في الرفاه النفسي والاجتماعي للوالدين، أجراها معهد (SMBT) للعلوم الطبية ومركز الأبحاث، في ولاية ماهاراشترا الهندية أن 96% من آباء الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا يحصلون على دعم نفسي، على الرغم من الدور الإيجابي للمساعدة النفسية في ترسيخ شعور التقبل والحد من مشاعر الحزن.

وفي السياق نفسه استعرضت ورقة بحثية بعنوان «قبول ورفض الآباء للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة»، نتائج إحدى الأدبيات السابقة التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشير إلى أن 68% من آباء  الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة عانوا من الاكتئاب خلال السنوات الخمس الأولى من حياة أطفالهم. 

5- القبول: الآن تهدأ العاصفة

 وفقًا لموقع «إديوكيتل» التعليمي والمعني بتقديم المشورة المهنية للآباء ومقدمي الرعاية، فإن الآباء يبدأون في هذه المرحلة في إعادة ترتيب أوراقهم من جديد، والعودة إلى إيقاع حياتهم اليومية تدريجيًّا باحثين عن حلول واقعية ومنطقية لمساعدة أطفالهم، فنراهم يتصالحون مع اختلاف الطفل ويقدمونه إلى المجتمع ويبحثون عن وسائل مختلفة لمساعدته على التطور بشكل أفضل.  

Embed from Getty Images

 ويُشير موقع «إديوكيتل» إلى أنه ليس من الضروري أن يمر الأهل بهذه الدورة من المشاعر كلها، فعادةً ما تتأرجح مشاعر الأهل بين هذه المراحل الخمس، ولكن من المهم ألا يتجاهل الأهل هذه المشاعر وأن يعبروا عنها ويبحثوا عن إستراتيجيات للتعامل معها.

معادلة الصبر والأمل: هكذا يمكن للآباء أن يتغلبوا على مشاعرهم السلبية

1- أنت أب لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة.. اعترف لنفسك بذلك

مهما كانت الحقيقة قاسية وغير مقبولة فالاعتراف بها ومواجهتها هو نصف الحل، لأنه يضعك على الطريق الصحيح للتشخيص والعلاج وتلقي الدعم، عبِّر عن مشاعرك اغضب وثُر ثم اهدأ وفكر بشكل عملي وابحث عن حلول.

2- سجل مخاوفك.. لا داعي للخجل منها

لا تلم نفسك على مشاعر الخوف التي تشعر بها، فمن الطبيعي أن تخاف على مستقبل طفلك ومصيره وتخشى عليه من ردود أفعال الآخرين ومدى تقبلهم له، يُشير موقع «فري ويل فاملي» الطبي إلى أن أفضل طريقة للتغلب على هذه المخاوف ومواجهتها هو تسجيلها وكتابتها وقراءتها بصوت عالٍ، ومعرفة أسبابها، والبحث عن حلول عملية لها، حتى وإن تطلب الأمر طلب مساعدة متخصصة سواء لك أو لطفلك.

3- اقرأ أكثر عن حالة طفلك.. أنت جيشه الوحيد

تساعد القراءة بشكل كبير على رفع وعي الأهل بحالة ابنهم وتخفف من حدة الخوف مما ينتظر الطفل، يقول دكتور محمد السبحي، أخصائي الصحة النفسية  لـ«ساسة بوست»: «من أكثر الأشياء التي يعاني منها الأهل هو عدم وجود معلومات كافية عن التشخيص وتوقعات التحسن والمضاعفات. بالإضافة إلى الاعتقاد الخاطئ من قبل بعض الآباء عن كيفية عمل الأدوية التي تعطى للأطفال والتي لا تعطى له بغرض الشفاء من الإعاقة أو التأخر الذي يمر به الطفل، لكن للحد من تدهور الحالة والحد من بعض المشكلات السلوكية غير المقبولة التي تنتج من الإعاقة. لذلك أفضل ما يمكن أن يقدمه الطبيب النفسي أو حتى الطبيب المعالج للأهل هو توعيتهم بمفهوم المشكلة ونسب الشفاء والحدود التي تتطور حالة الطفل خلالها».

Embed from Getty Images

4- مجموعات  الدعم.. ابحث عن دائرة تساندك

يُضيف دكتور السبحي «من أكثر الأمور التي تساعد الآباء ومقدمي الرعاية على التعامل مع سلسلة مشاعر الرفض والإنكار والغضب هي مجموعات الدعم التي يعبرون خلالها عن مشاعرهم المختلفة، ويتبادلون من خلالها الكثير من الخبرات والقصص الملهمة لآباء سابقين والتي تختصر على الآباء الجدد الكثير من التجارب المؤلمة».

5- اطلب الدعم.. صحتك النفسية ليست رفاهية

طلب المساعدة المتخصصة من الأمور التي تساعد بشكل كبير على الاستمرار في رحلة دعم الأبناء، قد يساعد العلاج السلوكي الأهل في الإفصاح عن المشاعر المختلفة التي يمرون بها من إنكار وصدمة وغضب ورفض وحتى يصلوا إلى مرحلة القبول.

6- أدخل باقي أفراد الأسرة في التجربة.. هكذا تنجون جميعًا

أن تكون أبًا لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يعني أن تقضي معظم وقتك في رعايته الذاتية وتدريبه، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على أبنائك الآخرين، حاول أن تُشارك أطفالك الآخرين وتشرح لهم ما يمر به أخوهم، حاول أن تدعم الروابط الأسرية بينهم، اشرح لهم معنى أن يكونوا أخوة لأخ مختلف، ودعهم يتقبلوا وجوده.

7- وأخيرًا: لا تكن فريسة لأصحاب النفوس الضعيفة 

الإعاقات والمتلازمات المختلفة عادة ما تكون لها أسباب وراثية أو نتيجة لخلل في الجينات، وعادة ما يخضع الأطفال المصابون بها إلى برامج علاجية طبية وبرامج تأهيل مختلفة تساعدهم على التطور، إلا أن البعض يحاول أن يوجه الآباء إلى أن هذه الإعاقات نتيجة إصابة الطفل بالمس والسحر خاصة في حالة الأطفال المصابين باضطراب التوحد في محاولة لاستغلال قلق الأهل على أبنائهم ورغبتهم في التعجيل بشفائهم.

في النهاية مهما اختلفت المسميات طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة أو طفل من ذوي الهمم أو على أقسى  التسميات طفل من «ذوي الإعاقات»؛ يجب أن تعي أنك أب لطفل مختلف ومميز ويحتاج إلى دعمك ومساعدتك لينمو بشكل أفضل.

المصادر

تحميل المزيد