اجتمع العديد من مواطني إثيوبيا في الطرقات والشوارع الرئيسة عام 2005 للاحتفال بعودة مسلة أكسوم من إيطاليا. تلك المسلة التي تُعد واحدة من أهم المسلات الأثرية المهمة في تاريخ أفريقيا، والتي استولت عليها إيطاليا باعتبارها غنيمة حرب على يد جيوش بينيتو موسوليني عام 1937.

ضجيج الاحتفالات المبهرة بعودة هذا الأثر، كان يملأ البلاد شرقًا وغربًا، إذ اجتمع الناس فرحين بالانتصار – الشكلي – على الاستعمار عبر عودة قطعة تاريخية مسروقة إلى موطنها.

منوعات

منذ سنتين
مترجم: رحلة التابوت المسروق من القاهرة إلى متحف المتروبوليتان.. ماذا حدث؟

عودة تلك المسلة وغيرها من الآثار المنهوبة إلى أفريقيا وبعض الدول العربية مجرد قطرة في بحر من القطع المنهوبة من تلك البلاد، وخاصة الآثار المصرية القابعة خلف زجاج المتاحف الأوروبية التي تقوم دعائمها على القطع المصرية، والتي ستغلق أبوابها في حال استرداد مصر لهذه الآثار المسروقة!

لكن لماذا تتواجد تلك القطع الأثرية الأفريقية والعربية المنهوبة خلف زجاج تلك المتاحف، وتتفاخر الدول الأوروبية بعرض هذا التاريخ وخيراته، بينما يعاني أصحاب هذه الآثار من صعوبة في استردادها؟

هذا ما نحاول كشفه معكم في هذا التقرير، بمساعدة الأستاذ الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار المصرية، والذي أشرف على لجنة الآثار المستردة من إسرائيل بعد تحرير سيناء، وكان قائمًا على استلام المعابد المصرية القديمة الموجودة في سيناء من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى الأستاذ مجدي شاكر كبير الأثريين في مصر.

«على المتضرر اللجوء للقضاء»

حجر رشيد، ورأس الملكة نفرتيتي، ومنحوتات بينين البرونزية، ورأس توت عنخ آمون، وتمثال ملكة بانجوا وغيرها من الآثار الأفريقية؛ ليست مجرد قطع أثرية نهبتها أوروبا من أفريقيا، بل في السنوات الأخيرة عُرض بعضها في مزادات علنية للبيع كأية سلعة أخرى، وتمكن المهتمون بالآثار من شرائها بملايين الدولارات أمام غضب واستهجان أصحاب هذا التاريخ.

 ومع ذلك لم تستطع بلاد هذه القطع الأثرية من اتخاذ خطوات واضحة وحازمة لمنع تلك الممارسات، وهو ما يدفعنا نحو تنحية العاطفة جانبًا، ومحاولة فهم الجوانب القانونية وراء إجراءات استرداد الآثار، وآلية عمل تلك الإجراءات ومدى فعاليتها.

تمثال ملكة بانجوا البالغ طوله 32 بوصة – منحوتةً خشبية من الكاميرون

لكن قبل أن نتحدث عن الإجراءات القانونية التي يمكن اتباعها لاستعادة هذه القطع الأثرية، فيجب أن نعرف أن هناك بعض الآثار لا يمكن أن تخضع لأي إجراءات قانونية تخص استرجاعها. فالقطعة الأثرية المسجلة في مخازن الدولة، ولها أوراق تثبت ملكيتها لتلك الدولة الأفريقية أو العربية، هي القطعة الوحيدة التي يمكن اتباع الإجراءات القانونية لاستعادتها وإرجاعها إلى موطنها، بحسب ما أوضح د. محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار المصرية، لـ«ساسة بوست».

وذلك على عكس بعض القطع الآثرية التي وصلت إلى تلك البلاد الأوروبية مباشرة بعد التنقيب واستخراجها من الأرض على يد مواطنين يعيشون فوق أراض عامرة بالقطع الأثرية، مثل صعيد مصر، أو على يد مهربي الآثار الذين يتعاملون مع هؤلاء الأهالي الذين ينقبون في الأرض دون علم الدولة.

فتفاجأ الدولة بأن هناك قطعة أثرية معروضة في متحف أو مزاد لا يعلمون عنها شيئًا، وبالتالي لا يملكون أية أوراق تثبت ملكيتها للبلد صاحبة القطعة؛ لكن يظل «على المتضرر اللجوء للقضاء». 

«طريق مكلف وصعب»

«لو أن قطعة مسروقة ثمنها في سوق الآثار مليون جنيه، فإن لجوء الدولة صاحبة القطعة للقانون سيكلفها ما يزيد عن مليوني جنيه!»

هكذا أوضح عبد المقصود لـ«ساسة بوست»؛ ما يعني أن استرداد كل القطع المنهوبة سيكلف الدولة الساعية وراء استرداد آثارها مليارات الدولارات على تلك القضايا.

حجر رشيد

يشرح د. عبد المقصود لـ«ساسة بوست» أن اللجوء للقضاء يتطلب التعاقد مع مكتب محاماة دولي وليس محليًا، والمحامون في هذه الشركات يتقاضون أجورهم بالساعة وبمبالغ كبيرة، مع الأخذ في الحسبان فرق العملة المدفوعة، والتي ستكون غالبًا إما باليورو أو بالدولار، وفي حالة خسارة القضية المرفوعة لاسترداد القطعة الآثرية، وهو أمر وارد الحدوث بنسبة 60%، فعلى الدولة التي لجأت للقضاء أن تدفع تكاليف شركة المحاماة التي تولت الدفاع عن الدولة التي اتهمت بالسرقة!

ولذلك يعد الطريق القانوني لاسترداد القطع الأثرية المنهوبة طريقًا «مكلفًا وصعبًا» كما وصفه عبد المقصود، وكما أشار إليه كبير الأثريين، مجدي شاكر، بأنه طريق غير عملي لاسترداد تلك الآثار، موضحًا أن الطريق القانوني هو طريق شبه مسدود، ويجب أن تكون الدول صاحبة التاريخ المنهوب أكثر مرونة في التفكير لاسترداد آثارها.

على سبيل المثال يمكن أن يتم هذا من خلال الاتفاق مع الدولة التي تسيطر على الآثر بأن يعود جزء من العائد المادي للعرض المتحفي لهذه القطع إلى بلدها الأصلي، أو يمكن أيضًا الاتفاق على استعارة بعض الآثار المهمة، مثل رأس نفرتيتي في حدث مهم مثل افتتاح المتحف الكبير في مصر.

ويؤكد شاكر، أن تلك الحلول ليست الحلول المثالية أو النهائية، لكن هذا طريق طويل، ويجب أن يبدأ بتلك الخطوات نظرًا لأن الطريق القانوني، سواء المحلي أو الدولي، لا يدعم بالشكل الكافي حقوق الدول في استرداد آثارها المنهوبة.

كلمة السر: القوانين الدولية!

حاولت البلدان الأوروبية والغربية إنكار استيلائها على آثار عربية وأفريقية، ورغم تلك المحاولات المستميتة من جانبها، إلا أنه عُثر على بعض القطع الأثرية التي تخص سوريا والعراق في بلغاريا، والمجر، وسلوفينيا، وفرنسا، خلال السنوات العشر الأخيرة، هذا بالإضافة إلى ضبط عشرات الآلاف من القطع الأثرية الأصيلة المهربة من سوريا منذ عام 2011، ومن العراق منذ عام 1990، إلى جانب القطع الحديثة المزيفة أو المقلدة.

وقد أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار رقم 2199 في عام 2015، ذكر فيه التدابير المُلزمة بخصوص الممتلكات الثقافية التي يشتبه في أنها قد نقلت بصورة غير مشروعة من سوريا بعد مارس (أذار) 2011.

ويوضح عبد المقصود لـ«ساسة بوست» أن منظمة اليونسكو تدخلت أيضًا، وأصدرت قرارًا بأن أي آثار قد خرجت من مصر بعد السبعينات من القرن الماضي فإن حقوقها القانونية تعود إلى مصر وليس البلد الذي استولى عليها.

لكن جدير بالذكر أن تلك القرارات أيضًا لا تنطبق على القطع الأثرية التي خرجت من أي بلد، سواء أفريقية أو عربية، فعلى سبيل المثال في مصر وحتى الثمانينات كانت هناك متاجر في المتاحف تبيع القطع الأثرية المكررة بعقود قانونية سليمة، والذي يملك قطعة أثرية لها أوراق ملكية قانونية سليمة لا تستطيع الدولة مطالبته بها قانونيًا، بحسب د. عبد المقصود.

تستطيع تلك الدولة – فقط – أن تطعن في صحة أوراق الملكية، هذا لأن الكثير من المهتمين في الدول الأوروبية بجمع الآثار قد يزورون تلك الشهادات لآثار هربت تهريبًا غير شرعي؛ ولكن ما أن تثبت صحة هذه الأوراق فليس من حق الدولة أن تستعيد تلك القطعة؛ فهي تعد ملكية خاصة لصاحبها الأوروبي.

«اليونسكو منحت الشرعية لبعض ناهبي الآثار الأفريقية والعربية بتواريخ معينة»

هكذا وضح عبد المقصود لـ«ساسة بوست»، مؤكدًا أن هناك الكثير من القطع الآثرية من المستحيل إثبات تاريخ خروجها من بلدها، وبالتالي يصعب تطبيق هذا القانون عليها، موضحًا أن اليونسكو يدعم فقط القطع الأثرية التي أبلغت عنها الدول، ولكن كيف يمكن للدولة الإبلاغ قانونيًا عن قطعة مسروقة هي لا تعرف بوجودها من الأساس بعد أن خرجت من يد المواطن الذي استخرجها إلى مهرب آثار؟

والحل القانوني لا يقع عاتقه على القوانين المحلية للدول المنهوبة آثارها فقط، بل إن كلمة السر تكمن في «القوانين الدولية»، وضرورة تغيرها وتطويعها لما يعمل لصالح إعادة الآثار إلى موطنها.

الآليات القانونية المتبعة.. مصر نموذجًا

كل دولة لها آليات عمل وإجراءات قانونية خاصة بها بهدف استرجاع القطع الأثرية المنهوبة، وقد دخل «ساسة بوست» إلى كواليس واحدة من الجهات المصرية المعنية بهذا الأمر وهي «إدارة الآثار المستردة» بوزارة الآثار المصرية برئاسة الأستاذ شعبان عبد الجواد الذي أوضح لـ«ساسة بوست» الكثير عن آلية عمل تلك الإدارة.

«الإدارة العامة للآثار المستردة»؛ ادارة أنشئت بقرار من الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار السابق، د. زاهي حواس، وتقوم بعدة إجراءات لاسترداد ما تم تهريبه من مصر بطرق غير شرعية، وهذا لأن الآثار المصرية كانت تباع وتشترى، وتهدى وفقًا للقوانين السائدة في ذلك الوقت وحتى عام 1983 عندما صدر قانون الآثار الحالي رقم 117 للعام نفسه، والذي جرم وحرم تجارة الآثار وإهداءها وخروجها من مصر، إلا للعرض المؤقت فقط.

رأس تمثال توت عنخ آمون

وتقوم الإدارة بمتابعة كافة المزادات العالمية ودور عرض الآثار على شبكة المعلومات الدولية من مواقع بيع مباشر مثل «إيباي» و«أمازون» وغيرها، ودراسة كافة القطع الأثرية التي تنتمي للحضارة المصرية ومعرفة إذا كانت هذه القطع خرجت من مصر بطريقة شرعية من عدمه والعمل على استرداد ما خرج من مصر بطريقة غير شرعية.

 ويوضح عبد الجواد لـ«ساسة بوست» أن الإدارة تتعاون مع جهات إنفاذ القانون في مصر وعلى رأسها «مكتب التعاون الدولي» بمكتب النائب العام المصري وشرطة ومباحث الآثار المصرية ووزارة الخارجية المصرية ووزارة العدل وكافة الجهات الأمنية والرقابية في هذا الشأن.

وتتواصل – أيضًا – مع كافة قطاعات وزارة الآثار لعمل قاعدة مفقودات مرقمنة ومحدثة بشكل دوري لمعرفة ما سُرق أو فُقد من المتاحف والمخازن والمواقع الأثرية المصرية.

تتعاون الإدارة أيضًا خارجيًا مع كافة جهات إنفاذ القانون ورجال الجمارك في مختلف دول العالم، لأن عملية ضبط تهريب أي قطع أثرية تمر من خلال الموانئ الدولية؛ فالإدارة منوطة باسترداد تلك القطع أيضًا، وتراسل الإدارة الجهات الفاعلة مثل: «الإنتربول» المصري والدولي ومنظمة «اليونسكو»، و«الإيسيسكو»، و«الإيكوم».

ويؤكد عبد الجواد أن مصر نجحت مصر في الفترة الأخيرة في استرداد أكثر من ألفي قطعة أثرية متنوعة الأحجام والأشكال، بالاضافة إلى 21 ألف و660 قطعة عملة.

من جانبه يؤكد عبد المقصود أن 90% من القطع الأثرية المستردة في الفترة الأخيرة، والتي عادت إلى مصر بالفعل، جاءت عن طريق التفاوض الدبلوماسي، كما يؤكد مجدي شاكر أن تلك الجهود المبذولة من جانب العاملين في الإدارة العامة للآثار المستردة تقف أمامها عادة القوانين الدولية، وتدخل تلك الإجراءات القانونية، والورقية، والروتينية، أيضًا في دوامة من التطويل والتسويف ما يكلف البلد التي تطالب بآثارها الكثير من المال والجهد المهدور.

التفاوض الدبلوماسي

بعد أن أوضحنا في هذا التقرير مدى صعوبة الدرب القانوني للبلدان المنهوبة، يظل السؤال قائمًا كيف يمكن لأي بلد أفريقي أو عربي أن يستعيد ممتلكاته الأثرية، بدلًا عن أن يحظى بها ويستفيد منها بلد أوروبي؟

يوضح عبد المقصود لـ«ساسة بوست» أن التفاوض الدبلوماسي هو الطريق الأفضل لاستعادة القطع الأثرية المهربة والمسروقة، واستشهد بما فعلته الحكومة الإيطالية عام 2018 عندما كشفت الشرطة الإيطالية عن سفينة مُحملة بالقطع المهربة من مصر، والتي زاد عددها عن 23 ألف قطعة، مؤكدًا أن تلك الخطوات الدبلوماسية بالاتفاق بين البلدين قد يكون الطريق الأسرع والأقل كلفة لاستعادة بعض – وليس كل – القطع الأثرية المهربة خارج بلادها.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
قصص لا تصدق.. كيف انتقلت 3 مسلات فرعونية إلى باريس ولندن ونيويورك؟

مؤكدًا أن هناك بعض البلاد الأوروبية، ومن أجل حفظ ماء الوجه وصورتها أمام المجتمع الدولي، تسعى بنفسها لإرجاع بعض القطع المنهوبة، حتى لا تظهر بمظهر السارق أمام العالم، وبعض الدول الأخرى تسعى لاتفاقات ثنائية يمكن من خلالها استعادة بعض القطع، وهو ما سعت إليه مصر من خلال عقد اتفاقات مع ما يقرب من 20 دولة أوروبية تملك قطعًا مصرية.

في النهاية الطريق القانوني مكلف وصعب وطويل أيضًا، والطريق الدبلوماسي لن يعيد كل القطع المنهوبة لبلادها دفعة واحدة، وفكرة استرداد البلدان الأفريقية والعربية لكل آثارها أصبح حلمًا يظن البعض أنه صعب التحقق.

ويرى مجدي شاكر أنه إذا لم نكن نستطيع أن نصلح ما فَسد في الماضي، فعلينا أن نحافظ على ما تبقى من آثارنا، وهذا لن يتم بالقانون ولا الدبلوماسية، وإنما بوعي المواطن نفسه بأهمية هذه القطع وقيمتها المعنوية التي لا تقدر بمال.

موضحًا أن معظم المناهج الدراسية خاصة في مصر تقدم محتوىًا فقيرًا جدًا عن أهمية الحضارة وآثارها، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون سهل على المواطن البسيط الذي ينقب أسفل منزله أو في أرض يملكها أن يبيع أية قطعة يجدها مقابل مبالغ مالية معروضة عليه؛ لأنه لا يدرك القيمة الحضارية والمعنوية لهذا «الكنز» الذي وجده.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد