«الاحتراق الدراسي» ذلك الإجهاد العنيف، الذي يبدأ على مهل ولا يلبث أن يتحول إلى مأساة مكتملة الأركان. حسنًا؛ لا يعد الاندماج في حالة الدراسة والمذاكرة سهلًا، لكنه ما إن يبدأ حتى تبدأ رحلة لا نهائية، تصل بأصحابها أحيانًا إلى ما يسمى بمرحلة الاحتراق الدراسي، حيث مجموعة من الأعراض التي تقود الطلبة على اختلافهم إلى مراحل غير محمودة العواقب، ومتاعب صحية ونفسية لا تزال تصاحب الملايين ممن يطاردهم حلم الامتحان الشهير، حيث لا يزالون يعجزون عن الحل قبل انقضاء وقت اللجنة.

ما الذي يعنيه الاحتراق الدراسي؟

على الموقع الرسمي لكلية ألبرت أينشتاين للطب في الولايات المتحدة، يُعرَّف الاحتراق الدراسي بأنه ذلك الذي يستنزف الطالب فيعوقه عن النوم، ويتسبب في عادات أكل سيئة وتراجع في نشاطه البدني، وممارسته الرياضة، فضلًا عن حدوث اختلال في قدرته على إدارة وقته.

مكتب الدعم والإرشاد بالكلية أشار إلى عدة ملاحظات بشأن الاحتراق الدراسي في مقدمتها وجود أهداف غير واقعية مع إرهاق عاطفي وجسدي ناجم عن الإجهاد المفرط والمستمر، وعجز عن تلبية مطالب الدراسة المستمرة، في تلك اللحظة تبدأ سلسلة من التداعيات مثل التوتر، فقدان الاهتمام، وكذلك فقدان الدافع، مع تراجع الإنتاجية والشعور باليأس والضعف والاستياء.

وما أسباب الاحتراق الدراسي؟

«كطلقة مسدس حائرة تريد أن تصيب أي شيء لتتوقف فيه وتستكين، طلقة مسدس ملت من الاحتراق ومن سرعة كل شيء حولها فتريد التوقف ولو لثانية حتى لا تنهار» *محمد صادق، «انستا حياة» 

يعزى الاحتراق الدراسي إلى الإفراط في الاستذكار من ناحية وإلى التسويف من ناحية أخرى، فالتسويف يخلق حالة سامة بين الطلاب، حيث تتراكم مهام غير مكتملة، ويزداد التوتر، وتسوء الأمور لدرجة أن بعض الناس لا يستطيعون النهوض من الفراش والتفاعل مع العالم.

هناك أسباب أبعد للاحتراق عمومًا منها:

  • عدم تطابق القيم: فمثلًا ليس بالضرورة أن ما تدرسه هو ما تحبه حقًّا.
  • غياب الإنصاف: شعورك بأن اجتهادك لن يقابله تقدير حقيقي وأن الظلم سيد الموقف، والتقدير خاضع لتقديرات جزافية ليس من بينها الاجتهاد.
  • اضطراب المجتمع المحيط: الشعور بالضغط من المحيطين، وعدم وجود صيغة للحوار يحيل الأمر إلى مأساة.
  • غياب المكافأة: شعورك بأن الجهد الذي تبذله لن يقودك للمكافأة والتقدير الذي تتمنى؛ يتحول مع الوقت إلى حالة من الاحتراق.
  • غياب الشعور بالسيطرة: الشعور بأن الأمور أكبر وأعقد من قدرتك على التعامل، هكذا يتحول الأمر إلى جحيم.
  • الشعور بالعبء: هل تشعر أنك في مجال دراسة أكبر من قدراتك؟ وأن هذا لم يكن ما كنت ترغب في دراسته حقًّا؟ الأمر ثقيل وصعب، وبالتالي تشعر بالضغط المزمن ويغيب التوازن وتبدأ حالة الاحتراق.

وهذه أعراض الاحتراق الدراسي

«الاحتراق في صمت لا يحتمل» *بثينة العيسى، «عائشة تنزل إلى العالم السفلي» 

أنهت سارة علام لتوها دراسة الماجستير في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحصلت على درجتها العلمية التي عملت لأجلها في السنوات الأخيرة، لكنها تعلمت إلى جانب دراستها الكثير عن الاحتراق الدراسي وما يمكن أن يفعله بها: «كنت أجلس لأقرأ وأكتب لأكثر من ثماني ساعات، بمرور الوقت كنت أشعر أن عقلي لا يعمل بكفاءة، أنا غير قادرة على رؤية الكلام أمامي، ليس لأنه مكتوب بخط صغير، أو غير واضح، ولكن لأن عقلي وصل إلى حالة من الإجهاد يعجز معها عن رؤية الحروف أو ترجمتها».

لكن هذا لم يكن كل شيء، كان ثمة أعراض أخرى ما إن تبدأ حتى تدرك الدارسة المجتهدة أنها على طريق الاحتراق: «كنت أشعر بإجهاد غير طبيعي، أرغب في النوم كثيرًا، وأشعر بإرهاق بدني للدرجة التي أعجز معها عن القيام، في هذه الحالة كنت أكف عن المذاكرة ليوم أو اثنين، وأقوم بالاستماع إلى موسيقى أو أشاهد فيلمًا، أو أخرج مع الأصدقاء، المهم أن أتوقف لفترة لأنني لو لم أفعل فلن أتمكن من الاستمرار، أو المواصلة».

لا يحدث الاحتراق الدراسي بين ليلة وضحاها، ومن الصعب مقاومته في المراحل المتقدمة، لكن في المقابل يمكن مقاومته بقوة في المراحل المبكرة، في هذه المرحلة يكون ثمة فرصة لتخفيف الإرهاق، وكلما جرى تحديد علامات التحذير الخاصة بالإرهاق الدراسي مبكرًا كان الأمر سهلًا، وتشمل تلك الأعراض:

  • التعب على المدى الطويل.
  • الشعور بالاستنفاذ الفكري.
  • عدم قدرة الدماغ على استيعاب المزيد من المعلومات.
  • عدم الرغبة في مزيد من الدراسة.
  • انخفاض الأداء الأكاديمي.
  • اللامبالاة تجاه الموضوعات التعليمية.

الجائحة والاحتراق

«كائن بنصف روح مطفأة ونصف آخر يتوهج حد الاحتراق. كائن يغني لأنه لا يملك خيارات أخرى» *صبا الحرز

لم تكن الضغوط التي يعانيها الطلبة على اختلاف مواقعهم، ينقصها تلك الضغوط العصبية التي خلفتها جائحة كورونا، والتي تسببت في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلدًا حول العالم، أي ما يقرب من 80% من الطلاب الملتحقين بالمدارس على مستوى العالم.

في مقال له يتوقع حمزة محمود شمخي، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، في جامعة كربلاء بالعراق، أن نسب الاحتراق الدراسي قد ازدادت على خلفية الجائحة، وأن مؤشر فقر التعليم عقب تلك الفترات الطويلة التي قضاها الدارسون من كل الأعمار أمام الشاشات أو حتى داخل المنازل دون أن يستكملوا تعليمهم إلكترونيًّا، سيزداد.

احذر الاحتراق الدراسي

خلال الجائحة، لم يكن الجهد المبذول في رعاية مرضى كوفيد-19 هو السبب الرئيسي في الإجهاد الشديد والشعور بالاحتراق النفسي؛ ولكن بحسب دراسة حول الأثر النفسي لكوفيد، وجد باحثون أن هناك علاقة قوية بين الشعور بالاحتراق النفسي والتأثير النفسي للوباء.

والمعلمون أيضًا قد يقعون ضحية للاحتراق الدراسي

«من يمنح النور يجب أن يتحمل الاحتراق» فيكتور فرانكل

ليس الطلبة وحدهم هم من يقعون ضحية للاحتراق الدراسي، فالمعلمون والأساتذة في الجامعات أيضًا ضحايا محتملون، ففي دراسة أُجريت عام 2006 في الأردن حول «الاحتراق النفسي لدى عينة من معلمي الطلاب العاديين وذوي الاحتياجات الخاصة بالأردن» شملت 447 معلمًا ومعلمة، تبين أن معدل الاحتراق النفسي كان أعلى لدى معلمي الطلبة المعاقين بصريًّا، والطلبة الموهوبين مقارنة بمعلمي الطلبة العاديين، معاناة أكبر من تلك التي شعر بها معلمو الطلاب المعاقين سمعيًّا وحركيًّا والطلبة من ذوي الإعاقات المتعددة!

وكيف تنجو؟

«اللعب بالنار ألذ من الاحتراق في أتونها» *بثينة العيسي، «سعار» 

حاول الباحثون عبر عشرات الدراسات والمقالات العلمية إيجاد حلول للاحتراق الدراسي، من بينها تلك الدراسة حول أكثر الحلول فعالية في حالة التعرض للإجهاد المفرط نتيجة الدراسة، إذ وجد الباحثون بجامعة تشونغنتشينغ الطبية في الصين أن الحلول الأكثر فعالية واستخدامًا في حال استمرت الأعراض لأكثر من ثماني أسابيع هي:

  • العلاج النفسي الجماعي.
  • التدخل الرياضي عبر ممارسة واحدة من الرياضات.

حسنًا ليس ثمة أحد يمكنه القيام بكل شيء دفعة واحدة، التدرج مطلوب، وكذلك فترات الراحة، وكسر الإيقاع حتى يتمكن الدماغ من الشعور بالراحة، إليك بعض النصائح الأكاديمية للتخلص من الاحتراق الدراسي:

  • ادرس بذكاء، إذا كان الكتاب المدرسي يتكون من 800 صفحة والوقت ضئيل فلا وقت لقراءة كل شيء.
  • افهم ما يريده أستاذك وركز دراستك عليه، فالدماغ له حدود والتركيز على أمور غير ضرورية ليس اجتهادًا ولكنه سيؤدي إلى تقليل التركيز على الأمور المهمة.
  • انتبه في المحاضرات ودوِّن الملاحظات التي تعلم أنها ستساعدك أثناء الدراسة، اكتب ما تعتقد أنه سيكون في الامتحانات ومفيدًا في خلال الفصل الدراسي.
  • اسأل الزملاء عن الاختبارات، واجمع أكبر قدر من المعلومات، سيوفر هذا الوقت.
  • احصل على قسط كافٍ من النوم، ليس هناك فائدة من المذاكرة إن لم تكن قادرًا على الاحتفاظ بالمعلومات.
  • لا تكثر من القهوة، فهي مفيدة لكنها تأتي بنتائج عكسية وتعود غير فعالة مع الظروف الضاغطة والشعور بالاحتراق.
  • ابدأ الدراسة مبكرًا ولا تترك الأمور لآخر لحظة، البدء منذ اليوم الأول يترك أثرًا كبيرًا.
  • كن واقعيًّا في توقعاتك من نفسك ومن الدراسة.
  • أنت بحاجة للمقارنة بين الأمور المثالية التي ترغب في تحقيقها والأمور الواقعية التي تستطيع أن تفي بها.
  • استراحة لمدة 15 دقيقة بعد كل ساعتين أمر مهم وحيوي لتتمكن من المواصلة.

تربية

منذ سنة واحدة
متأخرون دراسيًا لكن عباقرة! 5 إستراتيجيات للتعامل مع طفلك الاستثنائي

المصادر

تحميل المزيد