كان الصراع على أشده بين أمراء بني نصر وسلاطينهم على حكم غرناطة في سنواتها الأخيرة، وفي هذه الأحداث المتلاحقة لعبت أسرة بني سراج دورًا بارزًا في الأحداث التي شهدتها غرناطة؛ إذ كان منها فقهاء ووزراء، يبلغون من القوة درجة تجعلهم يساندون السلاطين ويتدخلون في الصراعات التي دارت بين عائلة بني نصر، واتصلوا أحيانًا بملوك قشتالة في إدارتهم لهذا الصراع.

تحكي الروايات الإسبانية عن نهاية العائلة أمام القاعة التي أقامت فيها السلطانة عائشة الحرة، والدة أبي عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة، حين شهدت قاعة «بني سراج» بقصر الحمراء نهاية الأسرة بمقتل فرسانها في مذبحة كبرى على يد أحد سلاطين غرناطة، وتقول الأسطورة: «إن البقعة الحمراء التي تغطي جزءًا من الحوض الرخامي الذي يتوسط القاعة هو دم أفراد العائلة»، وإن أصوات قرع سيوف وأنات خافتة كانت تُسمع في القاعة التي تغطيها قبة تزينها المقرنصات ونقش كتب فيه: «لا حول ولا قوة إلا بالله الرحمن الرحيم».

سياسيون وشعراء

كان أهل الأندلس يميّزون بين سلالات المسلمين من الأصل المشرقي، وغيرهم من ذوي الأصول المغربية الأفريقية، كان المشرقيون يعتبرون أنفسهم أنقى نسبًا؛ فمنهم النبي صلى الله عليه وسلم، بينما كان ذوو الأصول المغربية من البربر محاربين أشداء، وكانت عائلة ابن سراج الأندلسية من ذوي الأصول المشرقية، فحققت مكانة كبيرة في قرطبة، وانتقلت بعد سقوطها إلى غرناطة، فاتحد رجالها، وصاروا أرقى وأقوى فرسان الحمراء.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
عائشة الحرة.. بطلة «سقوط غرناطة» في التاريخ العربي والأساطير الإسبانية

ويقول المقري في نفح الطيب إنهم اختاروا غرناطة؛ لأنها كانت «دمشق الأندلس». التي تعود إليها أصولهم البعيدة؛ إذ كانت طبيعة غرناطة تشبه دمشق بأنهارها، وزهرها، وكثرة الأشجار، والأمطار.

على مر العصور برز عدد من أفراد العائلة، وتميزوا في مجالات الأدب والسياسة، كان أبرزهم الفقيه سراج بن عبد الله بن سراج، الذي ظلت علومه تدرّس في المغرب والأندلس، وأخذ عن رواياته الشيخ القاضي الفضيل بن عياض، وكان ابنه الوزير الفقيه أبو مروان عبد الملك بن سراج.

وكان من شعراء العائلة أبو عبد الله بن سراج الذي تناول المقري سيرته في «نفح الطيب»، وفي القرن الثامن الهجري برز منهم الشيخ الفقيه أبو زكريا يحيى ابن السراج، وطبيب شهير هو عبد الله بن سراج، وعديد من السياسيين الذي تولوا مناصب كبرى في غرناطة في عهد بني نصر.

في قلب الأحداث الكبرى بغرناطة

بين عامي 760 و763هـ (1358 – 1361م) وما بعدها شهدت مملكة غرناطة أحداثًا سياسية واقتصادية عنيفة، وصارت عرضة لانقلابات متعددة، وتربع على عرش السلطنة عدد من السلاطين الضعاف، فكثرت الفتن والمؤامرات حول العرش.

كان أبرز تلك الأحداث ما شهده عهد أبي عبد الله محمد، الملقب بـ«الأيسر»، الذي خُلع عن عرش غرناطة أربع مرات ثم عاد إليه، وقام وزيره يوسف بن سراج بدور كبير في تحريك الأحداث السياسية، ولعب دور الوساطة بين الأيسر والشعب الذي ثار عليه.

حين لم تفلح المحاولات، ووصل إلى العرش أبو عبد الله الصغير، ابن أخي الأيسر، طارد السلطان الجديد بني سراج في محاولة لاستئصال نفوذهم على المملكة، فلجأ يوسف بن سراج إلى بلاط قشتالة، ومن هناك عمل على رد السلطان الأيسر إلى عرش غرناطة، ونجح في ذلك فعاد الأيسر إلى الحكم، وعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة.

Embed from Getty Images
مدخل قاعة بني سراج بقصر الحمراء

تلاحقت الأحداث مرة أخرى بوصول سفير ملك قشتالة خوان الثاني يطلب تأدية جزية سنوية ضخمة، والإفراج عن كل الأسرى النصارى الموجودين في غرناطة، وهو ما رفضه الأيسر، فرد ملك قشتالة بغارات على المملكة، وأصبح الأيسر محاصرًا من الخارج بجنود قشتالة، ومن الداخل بالفتن الداخلية التي عادت تهدد بثورة جديدة عليه.

استغل الوضع هذه المرة أحد أقربائه الآخرين، ويُدعى يوسف ابن المول، الذي لجأ لملك قشتالة وتعهد أن يحكم باسمه ويدخل في طاعته، فساندته قوات قشتالة ودارت معركة كبرى بينه وبين جنود الأيسر بقيادة وزيره يوسف ابن سراج، لكن قوات الأيسر انهزمت في المعركة، ولقي الوزير مصرعه، ودخلت قوات ابن المول إلى غرناطة.

بعد عام قضاه في حكم غرناطة توفي ابن المول، وعاد السلطان الأيسر إلى غرناطة مع وزير جديد من بني سراج، هو ابن عبد البر الذي قاد معركة كازورلا ضد غارات القشتاليين على المملكة، التي حقق المسلمون فيها نصرًا كبيرًا، لكن ابن عبد البر لقي مصرعه؛ فحزنت غرناطة لفقده؛ إذ كان أهلها مفتونون بشجاعته وفروسيته.

مع آخر السلاطين.. مذبحة وبقعة دم لا تجف

بعد سنوات كان لبني سراج دور بارز أيضًا إلى جانب آخر سلاطين غرناطة.

تزوج السلطان أبو الحسن – والد آخر ملوك غرناطة أبو عبد الله محمد الصغير – من جارية إسبانية تدعى ثريا، سُبيت في إحدى غارات المسلمين على قشتالة، فآثرها على زوجته عائشة التي سُميت بالحرة تمييزًا لها عن الإسبانية، ودارت حربًا خفية في القصر بين المرأتين؛ إذ حاولت كل منهما أن يكون الملك لأحد أبنائها.

وجدت عائشة تعاطفًا كبيرًا حين آثر السلطان زوجته الرومية، وأقصى عائشة وأبناءها في برج قمارش؛ فأثار غضب البيوت الأندلسية الكبيرة التي رأت أن الأميرة الشرعية وأبناءها أحق بالملك وولاية العهد، واتصلت عائشة بالعائلات الأندلسية الكبيرة، وعلى رأسها بني سراج، ودبروا سويًا وسيلة للفرار، ومنذ ذلك الحين صار بنو سراج عونًا لأبي عبد الله ضد والده السلطان.

Embed from Getty Images
النافورة التي تتوسط قاعة بني سراج.

لم يغفر السلطان أبو الحسن لبني سراج ما فعلوه أبدًا في هذا الصراع، وكان هذا سببًا في انتشار روايات حول قتلهم في إحدى قاعات قصر الحمراء بعد سنوات، فيما عرف بـ«نكبة بني سراج»، التي صارت مجالًا خصبًا للروايات والأساطير.

تحكي الروايات الإسبانية أن السلطان أبا الحسن جمع فرسان العائلة النبيلة ذات يوم ليخبرهم بتنازله عن العرش لابنه سعد، وحين اجتمعوا في قاعة السباع دعاهم للقاعة المجاورة، وكان كلما دخل أحدهم قيده الحراس، ثم قتلوهم جميعًا.

وبحسب الحكاية فإن البقعة الحمراء في منتصف الحوض هي دماء الفرسان، وليست صدأً كما يبدو.

وتحكي روايات إسبانية أخرى عن قصة حب كانت السبب وراء مقتل العائلة، جمعت كبير العائلة محمد بن سراج بأميرة من البيت المالك، فقرر السلطان إبادة العائلة كلها. وتقول الأسطورة: إن «حراس قصر الحمراء كانوا يرون جنودًا بأثواب زاهية يعبرون القاعة جيئة وذهابًا بعد الحادث المأساوي»!

يقول الدكتور محمد عبد الله عنان: إن الرواية العربية لا تذكر شيئًا عن هذا الحدث الذي يتردد في الحكايات الإسبانية، ويقول شكيب أرسلان في كتابه «خلاصة تاريخ الأندلس»: إن المقري في نفح الطيب كان سيذكر حدثًا كهذا لو كان واقعيًا.

وتقول مصادر أخرى إن السلطان قتل بالفعل عددًا كبيرًا من أفراد العائلة التي ظلت وفية لعائشة الحرة، وأن من نجا من أفراد العائلة لجأوا إلى عائلات نبيلة أخرى، ومنهم من ذهب إلى قشتالة.

بعد سقوط الأندلس.. صباغ يقود الثورة

لم يتوقف ذكر بني سراج بسقوط غرناطة، إذ يروي تاريخ الموريسكيين – مسلمي الأندلس بعد سقوط غرناطة – عام 974هـ (1567م) قصة فرج بن فرج وهو شاب من بني سراج كان يعمل صباغًا.

زادت معاناة الموريسيكون من القهر مع اقتراب نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، الذي كان الموعد المحدد لتطبيق قانون جديد يقضي بتخلي الموريسكيات عن زيهن الإسلامي، وإلزام الأطفال بتعلم اللغة الإسبانية والدين المسيحي بدلًا عن اللغة العربية والإسلام؛ فاتصل ابن فرج بالموريسكيين في حي البشرات، واتفق معهم على السير إلى غرناطة لمفاجأة الحامية الإسبانية هناك، واتفق ابن فرج مع بعض الموريسيكيين أن يذهبوا إلى خارج غرناطة لجمع غيرهم على أن يخبروا الحكومة الإسبانية أن نيتهم جمع أموال لبناء مستشفى للفقراء، وبهذا أمكنهم الخروج، وعادوا إلى غرناطة لتنظيم الصفوف والإعداد للثورة، وكان الموعد المتفق عليه هو 14 أبريل (نيسان) عام 1568م، ليوافق أحد أعياد المسيحيين، لكن الأمر وصل للسلطات الإسبانية وقُبض على عدد من وجهاء الموريسكيين.

اتفق الموريسيكيون على يوم آخر واستعدوا لجمع السلاح في بداية شهر يناير (كانون الثاني) عام 1569م واجتمع ما يقرب من 8 آلاف شخص، واتجهوا من أبواب مختلفة نحو محكمة التفتيش لتخليص المسلمين المعتقلين هناك، لكن المخطط باء بالفشل بسبب سقوط الثلوج التي أغلقت الطرق، وحالت دون تجمع الثوار.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
رجل ظلمه التاريخ.. «آخر ملوك الأندلس» لم يكن خائنًا كما يتصور الكثيرون

في المرة التالية اختار الموريسيكيون زعيمًا آخرًا لهم، هو محمد بن أمية، الذي نصّب ابن فرج كبيرًا للوزراء ليكسب ودّه، وفي نهاية العام نفسه توجه ابن فرج على رأس 500 جندي إلى جبل طارق فانضم إليه عديد من الموريسيكيين، فأحرقوا الكثير من الكنائس ردًا على تنكيل القساوسة بالمسلمين، لكن ابن أمية استاء من هذا التصرف، ومن التنكيل بالنساء والأطفال، فعزل ابن فرج عن قيادة الجيش.

إلى هنا يتوقف ذكر بني سراج في كتب التاريخ، وتمضي الثورة الموريسيكية التي باءت بالفشل دون ابن فرج، بينما لم يتوقف ذكر العائلة في الروايات الإسبانية التي تحدثت عن مقتل بني سراج «زهرة غرناطة»، وأبرزها رواية ابن سراج التي كُتبت بعد سقوط غرناطة بحوالي 70 عامًا، ولم يُعرف مؤلفها الحقيقي، وصارت الحكاية مصدر إلهام للكتابات الأوروبية منذ القرن السادس عشر، وظلت فروسية أفراد العائلة ونبلهم مادة ثرية للكتاب مزجوا فيها الخيال بالحقيقة في أعمال روائية اختار مؤلفوها أبطالًا من بني سراج الذين حظوا باحترام المسلمين والمسيحيين، حتى بعد سقوط غرناطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد