لا شيء في الجزائر -منذ أسبوعٍ- يطغى على أخبار جائحة كورونا وكيفية منع انتشارها، خصوصًا بعد أن بلغت درجة التفشي في الجزائر الدرجة الثالثة، منذرةً بالأسوء خلال الأيّام القادمة، الأمر الذي دفع مجلس الأمن القومي الجزائري للاجتماع مرتين خلال 10 أيّامٍ فقط. غير أنّ اهتمام السلطة الجزائرية خلال هذه الفترة العصيبة التي يمرّ بها البلد، لم يكن حصرًا على خطط التصدي للجائحة كما تفعل عديد الحكومات عبر العالم؛ وذلك بعد أن استلم أمس الثلاثاء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مسودّة الدستور الجديد من رئيس لجنة الخبراء المكلفين بصياغة مقترحات مراجعة الدستور، البروفسير أحمد لعرابة.

الأمر الذي يفتح الجدل حول ما إذا كانت السلطة الجزائرية تسعى إلى استغلال الوضع الصحي الذي تعيشه البلاد جراء تفشي جائحة كورونا لكسب الوقت وتمرير الدستور بعيدًا عن ضجيج الحراك الجزائري، بالرغم من إعلان تبون عن تأجيل طرح المسودّة للرأي العام حسب بيان الرئاسة الجزائرية. 

هل يحقق تبون مطالب الحراك بدستورٍ ينهي الحكم الفردي في الجزائر؟

إذا كان هناك فاعل أساسي في الأزمة السياسية التي شهدتها الجزائر ربيع العام الماضي، فلن يكون غير الدستور الجزائري؛ الذي صار الحديث حوله شأنًا عامًا؛ خصوصًا بعد الضبابية التي اكتنفته فترة سقوط بوتفليقة، وإصرار المؤسسة العسكرية على السير على المسار الدستوري حتى نهاية الأزمة.

بسقوط بوتفليقة؛ بدأت الثغرات تظهر في دستور الجزائر؛ فتحوّل ملايين الجزائريين المنتفضين في الميادين إلى خبراء في الدستور، وعجّت ساحات الحراك بالنقاشات المفتوحة حول مواده، واقتراحاتٍ قانونية للخروج من مساراته غير المناسبة لهذه المرحلة، والمطالبة بضرورة معالجةٍ شاملةٍ للدستور؛ وهو المطلب الذي رفعه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إبان حملته الانتخابية، ووعد بتحقيقه للحراك. 

يرى المحامي حسن دروش أنّ «دستور بوتفليقة» سبّب أزمة سياسية خطيرة على الجزائر وأدخلها في نفقٍ مظلمٍ لم تخرج منه سوى بالتحام شعبها في الحراك الشعبي؛ وذلك بعد أن وصلت الأزمة السياسية العام الماضي في الكثير من الأحيان إلى مرحلة العجز الدستوري. 

يعود حسن في حديثه مع «ساسة بوست» إلى تعديلات 2016؛ حيث فصّل بوتفليقة – حسب المحامي الجزائري – دستورًا على مقاسه فيقول: «في تعديلات 2016 كانت بداية الأزمة السياسية التي تجلت بعد ترشّح بوتفليقة للعهدة الخامسة؛ فتلك التعديلات أصرّ من خلالها بوتفليقة على تلغيم الدستور الجزائري وإعطاء نفسه «سلطات ملكيّة» في نظام جمهوري من خلال تعديله لمواد الحكم وتمديد حكمه لخمس سنوات أخرى، من ثمّ حصر أي صلاحيات للرئيس الذي سيأتي من بعده بهذا الخصوص». 

وفي تصريحٍ سابقٍ لـ«ساسة بوست»؛ أكّد الخبير الدستوري عامر رخيلة أنّ «الدستور الأخير لبوتفليقة والذي نعتمده حاليًا في الجزائر، جمع بين الدولة المتدخلة والدولة الناظمة، وبالموازاة مع ذلك، هناك تداخل وثغرات قانونية كثيرة، وعند تطبيقنا للدستور نقع في الكثير من المشاكل وهذا ما حصل سابقًا. خاصة أن بعض المواد فصلت على مقاس بوتفليقة، كالمادة 102 التي تنص أنه لا يمكن تفعيلها إلا بموافقة رئيس الجمهورية نفسه، فمنذ سنة 2008، أدخل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، تعديلات متتالية على الدستور الحالي، أدت إلى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، مقابل تقليص صلاحيات رئيس الحكومة».

من ذلك المنطلق، ولتحقيق قطيعةٍ حقيقةٍ مع النظام السابق؛ رفع الجزائريون مطلب مراجعة دستورهم وحلّ كل العقد والشفرات الصعبة التي حالت دون تحقيق مطالب الحراك السياسية؛ غير أن تلك المطالب بقيت حبيسة الفترة الانتقالية بسبب إصرار المؤسسة العسكرية على السير ضمن الحلّ الدستوري لحلحة الأزمة السياسية وإرجاء أي حديثٍ عن مراجعة للدستور؛ وبعد إجراء الانتخابات وتولي عبد المجيد تبون مسؤولية الحكم بالجزائر؛ وضع الأخير مطلب تعديل دستور الجزائر على رأس أولوياته الأساسية.

وبعد أقلّ من شهرٍ من تنصيبه؛ شكّل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي، لجنة تعديل للدستور، مكلفة بصياغة مقترحات مراجعة الدستور وتعديله، في خطوة تستهدف المساعدة على إنهاء الأزمة السياسية المحتدمة منذ قرابة عام، معيّنًا الخبير الدستوري أحمد لعرابة على رأسها؛ على أن تنتهي تلك اللجنة من إعداد المسودة بعد ثلاثة أشهرٍ، وهو ما حدث أمس الثلاثاء وقبل انتهاء المدة المحددة لذلك؛ حيث سلّم رئيس اللجنة أحمد لعرابة تبون مشروع المسودة، التي من المزمع أن تطرح على البرلمان والاستفتاء الشعبي في قادم الأسابيع.

حصّنها بوتفليقة.. 8 مواد غير قابلة للتعديل في الدستور الجزائري

في الثامن من يناير الماضي، تسلمّت لجنة تعديل الدستور مهمة صياغة مقترحات مراجعة الدستور وتعديله؛ وبين وجوب المراجعة التامة للدستور والاكتفاء بالمراجعة الجزئية للمواد التي تحقّق مطالب الحراك من الفصل في السلطات إلى حرّية الصحافة والتظاهر والتعبير واستقلال القضاء؛ اختلف الخبراء الجزائريون في القانون الدستوري، لتستقر تعديلات اللجنة الدستورية على سبعة أهدافٍ رئيسة تبدأ بحماية «حقوق وحريات المواطنين» وتنتهي بـ«تكريس الآليات الجديدة لتنظيم الانتخابات دستوريًا» مرورًا بـ«أخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد». 

على جانبٍ آخر، سيكون التعديل الجديد للدستور الجزائري غير قادرٍ على تعديل بعض المواد التي قام بوتفليقة بإغلاقها في تعديلاتٍ دستورية سابقة؛ من خلال «المادة 212» التي تلزم بأن أي تعديلات دستورية لا يمكن أن تمسّ ثمانية عناصر لا حياد عنها. وتتمثل هذه العناصر الثمانية غير القابلة للتعديل في:

1- ‬الطّابع الجمهوريّ للدّولة.

2- ‬النّظام الدّيمقراطيّ القائم على التّعدّديّة الحزبيّة.

3- ‬الإسلام دين الدّولة.

4- ‬العربيّة اللّغة الوطنيّة والرّسميّة.

5- ‬الحرّيّات الأساسيّة وحقوق الإنسان والمواطن.

6- ‬سلامة التّراب الوطنيّ ووحدته.

7- ‬العلم الوطني‮ ‬والنشيد الوطني‮ من رموز الثورة والجمهورية.

8- ‬إعادة انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة فقط‮.‬

جديرٌ بالذكر أنّه موازاةً مع عمل لجنة صياغة الدستور، قام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بإجراء سلسلةٍ من المقابلات مع الأحزاب والشخصيات الوطنية، وذلك لأخذ مقترحاتها وآرائها حول دستور البلاد طيلة الفترة الماضية. 

هل تنوي السلطة استغلال أزمة كورونا لتمرير أجندتها الخاصة بالدستور؟

لم تحمل خطوة النظام الجزائري بطرحه لمطلب تعديل الدستور وتكليف لجنة من الخبراء لإعداد مسودته؛ تفاعلًا كبيرًا من الحراك الشعبي، الذي ظلّ رافضًا ومشككًا في نوايا الرئيس الجزائري، الذي يسعى حسب نشطاء الحراك إلى حلّ أزماته بطرح مسألة تعديل الدستور. 

وفي هذا الصدد يشير الناشط الحقوقي والوجه البارز في الحراك الشعبي بالجزائر، المحامي عبد الغني بادي، إلى النوايا الحقيقية التي دفعت الرئيس إلى المبادرة بطرح مقترح تعديل الدستور، ويرى بادي أنّ «النظام يريد استخدام ذلك لحل مشكلاته، معتبرًا أن الأمر سابق لأوانه». 

ويذهب ناشطون في الحراك الشعبي إلى أن فكرة تعديل الدستور تنطوي على مسعى لتجديد النظام وإعادة تجربة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ذاتها، وهو ما ذهب إليه الناشط سفيان هداجي في تصريحه لموقع «العربي الجديد» الذي رأى إن لدى السلطة نوايا للالتفاف على مطالب الشعب بشكل أو بآخر، وأضاف هداجي قائلاً إن «هذه اللجنة لم تكن ضمن مطالب الحراك، فقد وُجِد الحراك من أجل التغيير الجذري للنظام لا الدستور، وإنشاء لجنة لتعديل الدستور، هو محاولة لرسكلة للنظام، مثلما فعل بوتفليقة، والحصول على شرعية شعبية بعد طرح الدستور للاستفتاء الشعبي».

وأمام مواقف الحراك الرافضة لخطوة النظام بتعديل الدستور في هذا الوقت؛ وفي الوقت الذي توقف فيه الحراك عن الخروج للشارع ضمن مساعيه للوقاية والتصدي لتفشي فيروس كوفيد-19؛ انتهت اللجنة الدستورية من عملها وسلمت مسودة الدستور إلى الرئيس الجزائري، وهي الخطوة التي أثارت تذمرًا في أوساط ناشطي الحراك، بسبب تجميد كل النشاطات بالبلد تخوفًا من الجائحة.

اجتماع للمجلس الوزراء لمناقشة تداعيات كورونا، مصدر الصورة (النصر الجزائرية)

يرى عبد المجيد الزياني أحد ناشطي الحراك في حديثه مع «ساسة بوست» أن خطوة تبون الأخيرة مبهمة وتنمّ عن غموض كبير يلفّ مسودة الدستور، ويضيف الزياني «في الوقت الذي تجمّد فيه كل النشاطات السياسية والاجتماعية في البلاد؛ حتى الحراك توقف لإنقاذ البلد من خطر كورونا المتفشي، يخرج لنا تبون بموضوع الدستور الذي لا يهتم به أحد الآن غير السلطة المعتادة على الاستثمار في الأزمات». 

أمّا أستاذة العلوم السياسية في جامعة غارداية؛ الدكتورة هجيرة بن زيطة فرأت ضرورة تجميد الحديث عن تعديل الدستور في هذه الفترة، وأكدّت في حديثها مع «ساسة بوست» أنّ «الظروف التي يمر بها العالم ناهيك عن الجزائر بسبب وباء كرونا؛ تحتم علينا إغلاق النقاش السياسي الى حين، بما فيها استلام مسودة الدستور أو مناقشته، فالوضع العام متوتر والجزائريون أصبح همّهم غريزة البقاء والأزمات المنجرّة عليه مثل أزمة الغذاء؛ وبما أن المرض لم يستثن عالميًا أحدًا بما فيهم السياسيين، فمن المستحيل أن يكون هناك اتفاق أو نقاش على الرؤية، وبالتالي من الضروري تأجيل كل الخلافات وكل النقاشات السياسية إلى ما بعد كورونا».

العالم والاقتصاد

منذ 3 أسابيع
هل تنضم الجزائر إلى قائمة المفلسين قريبًا بسبب كورونا؟

وعاد الزياني إلى الحديث عن الخوف الذي يعتري النظام من إثارة الجدل حول التعديلات الدستورية المقترحة بالقول أنّ «النظام لم يكتف بإنهاء مسودة الدستور بعيدًا عن اهتمام الجزائريين، بل ذهب الأمر إلى أخطر من ذلك بتمديد سجن المعارض كريم طابو، الذي كان من المفترض أن يخرج اليوم، وهو الناشط الذي سيكون له حتمًا رأي في الشارع الجزائري حول دستور الجزائر في حال الإفراج عنه». 

وكشف مصدر مقرّب من الرئاسة الجزائرية لـ«ساسة بوست» إنّ الرئيس الجزائري تبّون أمر بتأجيل طرح المسودة إلى الرأي العام لمناقشتها والاطلاع عليها، لأن الظرف غير مناسب، والمناخ العام غير مؤهل لمناقشة قضايا سياسية كهذه. 

وحاولت «ساسة بوست» أخذ آراء عدّة أحزاب سياسية في مسألة الدستور، غير أنها اعتذرت بسبب عدم ملائمة الحديث عن الدستور الآن للوضع الذي تعيشه البلاد حسبها.

المصادر

تحميل المزيد