بعدما أعلنت مصر على لسان رئيسها في الأمم المتحدة فشل مفاوضات سد النهضة، نشرت الرئاسة المصرية بيانًا تطلعت فيه إلى تدخل الولايات المتحدة لحل الأزمة بعدما وصلت المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) إلى طريق مسدود. وهي الدعوة التي التقطها البيت الأبيض الذي رحب بالدخول بصفته وسيطًا محايدًا، لكنّ أديس أبابا قابلت المقترح المصري والترحيب الأمريكي بالرفض التام، مستندة لبنود «وثيقة السد» التي وقعها السيسي عام 2015.

والسودان الذي يأمل في رفع اسمه من قوائم الإرهاب الأمريكية، رفض هو الآخر تدخل واشنطن، وهو ما يجعل استغاثة السيسي فعليًّا بلا صدى أو جدوى، حتى وإن كانت ورقة غير رابحة، نظرًا إلى الدور الأمريكي القديم في بناء سد النهضة؛ فالرئيس الأمريكي لا يمكن أن يسير ضد أديس أبابا، حليفته الأقرب في أفريقيا.

هذا التقرير يشرح لك كيف ساعدت الولايات المتحدة إثيوبيا في بناء أكبر مشروع قومي لإنتاج الكهرباء في أفريقيا.

سد النهضة.. ماذا تعرف عن الدور الأمريكي «المُعلن»؟

بدأت فكرة بناء سد النهضة عام 1953، عندما اعتزمت إثيوبيا إنشاء سد كبير على النيل لتوليد الكهرباء؛ لذا استعان الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي بمكتب الاستصلاح الزراعي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الذي قدّم دراسة مسحيةً على امتداد النيل الأزرق، تقترح 26 موقعًا صالحًا لإنشاء السدود، بينها الموقع الحالي لسد النهضة. وحين شرعت إثيوبيا في بناء السد، أرسل الرئيس المصري جمال عبد الناصر رسالة تهديد لصديقه الإثيوبي الإمبراطور هيلا سيلاسي، جاء فيه: «نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدًا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركًا مصريًّا غير مسبوق».

(رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد)

تدخلت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس الأمريكي أيزنهاور، لإقناع الإمبراطور بتقليل ارتفاع السد من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط، وحين سقط النظام الإثيوبي الحاكم في عام 1991، صعد إلى سُدة الحُكم عبر انقلابٍ عسكري، رئيس الوزراء الراحل مليس زيناوي، الذي قاد بلاده لنهضة اقتصادية وزراعية، ودخل في تحالفٍ مع الولايات المتحدة، دفعه عام 2009 لإجراء دراساتٍ مسحية للمواقع التي حددتها سلفًا الخارجية الأمريكية على النيل الأزرق، والتي انتهت باختيار موقع سد النهضة الحالي.

بعدما انتهت إثيوبيا من وضع التصميمات الهندسية للمشروع، حصل زيناوي أواخر عام 2010 على معلومةٍ استخباراتية مفادها أنّ مصر تستعد للتدخل العسكري لاستهداف موقع السد، ليتهم القاهرة علانيةً بالتخطيط للحرب، وهي المعلومة التي نشرها موقع «ويكليكس» عام 2012، وأكدّها الرئيس مبارك في تسريبٍ صوتي منسوب له، قال فيه إنه كان مُستعدًا لضرب السد بطائرة «توبوليف» – قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت– في حال أقدمت إثيوبيا على تنفيذ تهديدها.

وبعدما أعلنت إثيوبيا في عام 2011 وضع حجر الأساس لبناء السد، الذي تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار، كشفت وكالة «بلومبيرج» الأمريكية أنّ الشركة العسكرية الإثيوبية «Metals & Engineering Corp» التي أُسندت إليها مهام تنفيذ المشروع تعمل بالشراكة مع شركة «Spire Corp» الأمريكية، تتولى توفير التوربينات والمولدات وجميع المعدات الكهربائية التي يحتاجها السد، وبحسب الصفقة، فإن الشركة مسئولة عن توريد ثمانية توربينات ومولدات لوضعها في السد بقيمة 250 مليون يورو للشركة الإثيوبية، وبحسب تصميم المشروع، فأديس أبابا صممت 16 بوابة للسد، وجميعها أيضًا صناعة أمريكية من ماركة «francis».

الدعم الأمريكي المباشر لإثيوبيا كشفه نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، الذي أعلن لوسائل إعلام مصرية أن الولايات المتحدة تشوش على الصور التى تلتقطها الأقمار الصناعية لسد النهضة الإثيوبي، من خلال القمر الأمريكي المتاح لالتقاط الصور للسد «land sat 8»، وأضاف أن واشنطن كانت تضع قناعًا أبيض على الصور؛ كي لا تتمكن مصر من متابعة مراحل بناء السد وتفاصيله.

لكنّ الرغبة الأمريكية في تغطية السد الإثيوبي عن الأنظار سُرعان ما تلاشت، عقب الصور التي نشرها القمر الصناعي «جاسون2»، المتخصص في تجميع منسوب مياه البحيرات والأنهار في العالم، والذي أعلن عام 2015 عن انخفاض منسوب بحيرة ناصر بنحو أربعة أمتار، وهو الخبر الذي تكتمت عليه السلطات المصرية، وأكد أنّ واشنطن تساعد أديس أبابا في مشروعها المائي.

ويبدو الحشد الأمريكي لدعم إثيوبيا فيما نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها الرسمي الخاص بأفريقيا، ففي الوقت الذي واجهت فيها أديس أبابا أزمة تمويل، طالب الموقع الدول الكبرى بدعم مشروع سد النهضة، الذي وصفته بأنه مشروع شجاع في دولة من أفقر الدول في العالم، وهو الذي سيحولها لأقوى دولة في القارة.

كيف أصبحت العلاقات الأمريكية الإثيوبية بهذا القُرب؟

في الثاني من أبريل (نيسان) عام 2018، تولى آبي أحمد، رئاسة الوزراء في إثيوبيا، ليصبح أصغر رؤساء حكومات أفريقيا الذين قادوا مجموعة من الإصلاحات التي أنقذت بلاده من الحرب الأهلية، عبر إطلاق سراح آلاف السجناء السياسيين، وإيقاف الرقابة المفروضة على مئات المواقع، وإنهاء حالة الحرب التي استمرت 20 عامًا مع إريتريا، ورفع حالة الطوارئ، كما خطط لفتح قطاعات اقتصادية رئيسية أمام مستثمرين من القطاع الخاص، بما في ذلك الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.

يقول مراسل موقع «سي إن إن» الأمريكي واصفًا الهوس الإثيوبي بآبي أحمد قائلًا: «يصفونه بالنبي وفق تعبيرهم»، أما الحديث عن الهوس الأمريكي بالرجل فيصفه آبي أحمد نفسه: «في الوقت الذي قللت فيه الولايات المتحدة دعمها لجميع دول أفريقيا، فإنها عززت مساعدتها لإثيوبيا، وهذا يختصر حجم علاقتنا»، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية، وبينما تحصل مصر سنويًّا على 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية، حصلت أديس أبابا وحدها العام الماضي على مليار و700 مليون دولار من البنك الدولي للمساعدة في الإصلاح الوطني العام.

ومنذ انقلاب 1991، أصبحت إثيوبيا الحليف الاستراتيجي الأول في أفريقيا للولايات المتحدة، فأديس أبابا هي التي تحتضن مقر الاتحاد الأفريقي، والجبهة الديمقرطية الشعبية التي تولت الحُكم انتهجت برنامجًا اقتصاديًّا لإخراجها من طور الدول الأقل نموًّا؛ لذا أصبحت عاصمة أفريقيا ساحة للتنافس الصيني الأمريكي، عزز من حدته النفوذ الإثيوبي الذي تمتلكه إثيوبيا على دول الجوار، وداخل دول حوض النيل، كونها المتحكم الأول في النيل الأزرق، المُغذي الرئيس لنهر النيل.

وخلال 10 أشهرٍ من حُكم آبي، أصبحت إثيوبيا الدولة الأسرع نموًّا في القارة اقتصاديًّا، وبفضل موقعها الاستراتيجي المُتاخم للقرن الأفريقي، فإنها تسعى لتصبح مركزًا للاقتصاد في المنطقة، بفضل الطرق الدولية والسكك الحديدية التي تصلها مع دول الجوار، وهو ما دفع الشريك الأمريكي الذي تدخل بقوة في دعم مشروع سد النهضة، إلى تحذير رئيس الوزراء الإثيوبي من التوغل في الأنشطة التجارية الصينية؛ خوفًا من الغرق في الديون.

مسيرة الصعود التي صنعها آبي توّجت بزيارة طويلة إلى واشنطن في أغسطس (آب) العام الماضي، امتدت ستة أيام، حصل فيها رجل واشنطن الجديد في أفريقيا على مهام حل النزاعات الإقليمية في القرن الأفريقي – شرقي القارة- وتعزيز التجارة بما يكسر الاحتكار الصيني، وتمثلت الصفقة في تقديم الولايات المتحدة وعودًا لتوفير دعم دولي لإثيوبيا عبر ضخ أموال تدعم إصلاحاتها الاقتصادية من جهة، وتقديم التسهيلات الخاصة بمشروع سد النهضة من جهة أخرى.

الدور الأكبر الذي لعبه آبي مؤخرًا تمثل في سحب البساط من القاهرة عقب الثورة السودانية، وتعزيز دورها بمرور الوقت لتنتهي بنجاح في إنجاز تسوية بين قادة الجيش و«تجمع المهنيين»، انتهت إلى تشكيل حكومة مدنية بعيدة عن صراع المحاور في المنطقة، كما شكّلت خلفية آبي الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان قبولًا واسعًا وسط قطاع كبير من قوى الحرية والتغيير، خصوصًا بعدما نجح في النأي ببلاده عن النزاعات المُسلحة التي عاشتها لسنوات طويلة، وهو ما يؤهله بنجاح لتولي دور شُرطي واشنطن في القارة لفرض السلام.

آبي أحمد.. «مانديلا المُسلم» الذي يسعى لجعل إثيوبيا دولة ديمقراطية كبرى

بعد رفض إثيوبيا الوساطة الأمريكية.. هل ما زالت مصر تمتلك أية أوراق؟

أعلنت إثيوبيا مؤخرًا انتهاء نحو 70% من أعمال بناء السد، تزامنًا مع الاعترافات المصرية الرسمية بفشل المفاوضات بعد ثماني سنوات، وبحسب ما صرح به وزير الري الإثيوبي، فمصر قدمت مقترحًا يقضي بتمديد فترة ملء خزان سد النهضة –يسع 75 مليار متر مكعب من المياه، وهو مجموع ما تحصل عليه مصر والسودان في حصة النيل– أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي، وهو ما رأت إثيوبيا أنه سيحول السد إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي.

ومن وجهة النظر المصرية، فإنه كلما زادت الفترة الزمنية لملء البحيرة، التي تبلغ سعتها 74 مليار متر مكعب، أمكن تقليص المخاطر المحتملة، مثل الإفراط في استهلاك المياه، وبالتالي التأثير في مناسيب المياه في البلدان المعنية.

مصر أيضًا قدمت مقترح تمديد فترة ملء خزان سد النهضة أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي على حدود 165 مترًا، لكن تدفق ما لا يقل عن 40 مليار متر، أمر غير عملي، لأنه سيجعل مهمة السد الرئيسية؛ تعويض العجز المائي لمصر.

وترى إثيوبيا أن رغبة مصر في تحويل سد النهضة إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي لن يحقق العائد الاقتصادي المتوقع من سد النهضة، إضافة إلى أن هذه الآلية تنتهك سيادة إثيوبيا في كيفية إدارة عمليات التدفق ومراحل ملء السد، وتتنافى مع حقوقها في الاستخدام العادل لموارد النيل، لذا جاء الرد الإثيوبي بالرفض؛ لأنه يصطدم بمتطلبات التنمية المستقبلية التي تأسست عليها فلسفة المشروع التنموي.

إثيوبيا أيضًا اتهمت مصر بالإصرار على طرح اتفاقية عام 1959 في المفاوضات، والموقَّعة بين مصر والسودان، التي تمنح بموجبها القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا من مياه نهر النيل، بينما تحصل الخُرطوم على 18.5 مليار متر مكعب – 90% من مياه النيل– وردت إثويبا رسميًّا على المقترح المصري بأنها: «اتفاقية لا تعنيها، وأن إعادة طرحها يعد خطًّا أحمر، ولا يمكن أن تتفاوض أديس أبابا حولها، فلا يمكن أن نتحدث عن اتفاقيات لم نكن طرفًا فيها».

من التحفظات التي يُبديها خُبراء مصريون على هيكل السد هو عدم وجود فتحات تصريف للمياه في أسفله لا تمنع مرور المياه حتى لو أُغلق السد، وتوضع تلك الفتحات في قيعان سدود دول المنبع لضمان استمرار تدفق المياه إلى دول المصب دون الحاجة إلى مرورها إلى الفتحات الكهربائية، وفي الشكل الحالي للسد فإن الفتحات غير موجودة، وتدفق المياه سيكون فقط عبر تربونات توليد الكهرباء أو الطوارئ، وهو ما يعني فعليًا توقف نهر النيل عند حدود السد الإثيوبي.

بعد اكتمال المشروع.. كيف ستفقد مصر سيطرتها على النيل؟

أعلنت إثيوبيا رسميًّا على لسان وزير المياه والطاقة الإثيوبي بدء إنتاج الطاقة من سد النهضة الكبير في ديسمبر (كانون الأول) عام 2020، فيما سيدخل السد الخدمة دخولًا كاملًا بنهاية عام 2022، وبينما تنتظر إثيوبيا في ذلك الموعد بدء جني أرباح المشروع، ستكون القاهرة على موعدٍ مع الأخطار والخسائر التي ستلحق بالمصريين في أيام العطش.

تتمثل أولى المخاطر البيئية في التآكل المستمر الذي تتعرض له الأراضي اليابسة في شمال الدلتا باستمرار، حيث ينخفض ​​الثلث الشمالي منها بمعدل 4 إلى 8 ملم سنويًّا، نتيجة تسرب المياه المالحة إلى الأراضي التي ترتفع مترًا واحدًا عن سطح البحر.

وبحسب دراسة نشرتها مجلة «جامعة يال» وترجمها «ساسة بوست»، إذا ارتفع سطح البحر نصفَ متر فقط – وهو ما سيحدث سريعًا إذا انخفض منسوب النيل– فإنه سيؤدي إلى غرق 19% من مساحة الدلتا؛ ويعتقد الجيولوجيون أنه بحلول عام 2100، ستكون أجزاء كبيرة من الدلتا تحت الماء، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى فقدان ثلث كمية المياه العذبة في المثلث الأخضر الذي يسكنه نحو ربع سكان مصر.

وبحسب نموذج المحاكاة الذي أعده معهد الدراسات البيئية المصري؛ بغرض رصد الآثار المتوقعة للسدّ على حصَّة مصر، فإن ما تفعله إثيوبيا الآن من شأنه أن يخفض منسوب النيل نحو 25 مليار متر مكعب من المياه، وهو يمثل لمصر تقريبًا أقل من نصف حصتها، وهي 55.5 مليار متر مكعب؛ جدير بالذكر أن مصر تعد أفقر بلدان العالم من حيث نصيب الفرد من المياه العذبة، والذي يصل إلى 660 مترًا مكعبًا لكل شخص.

وعلى الجانب الاقتصادي، فطبقًا للأرقام الرسمية المصرية، فإن خسائر سد النهضة ستكون كارثية، خاصة في ظل حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد نتيجة هبوط الجنيه المصري أمام الدولار؛ وتتمثل أولى الخسائر المصرية على المستوى الزراعي في خطورة فقدان نحو 6 مليون مزارع لوظائفهم من أصل 8.5 مليون، بعد فقدان 60% من أراضيهم، نتيجة انخفاض منسوب النيل؛ وتساهم الزراعة بنحو 14% في الناتج القومي، أي إن الدخل القومي سيخسر نحو 9.5%.

انخفاض منسوب المياه في الصيف من شأنه أن يلحق ضررًا كبيرًا بالمواسم الزراعية الصيفية التي تبدأ في شهور السنة الحارّة، وهو السبب الذي دفع مصر لمطالبة إثيوبيا بعدم تخزين المياه في مواسم الزراعة الرئيسية، وأن تكون في أيام السنة التي تشهد فيها مصر فائضًا في حصتها المائية، وهو ما قوبل بالرفض التام.

خطرٌ آخر تعاني منه مصر في الأساس، وهو انخفاض الطاقة الكهربية؛ وبحسب دراسة نُشرت في مجلة المجتمع الجيولوجي الأمريكي، فإن السد العالي سيفقد ثلث طاقته الكهربية، وتلك النتيجة قريبة مما نشره معهد الدراسات البيئية، إذ توقَّع أن يحدث انخفاض في الطاقة بنسبة 10% حتى عام 2040، ثم يتزايد الانخفاض حتى يصل إلى ما بين 16% و30% في الفترة ما بين عامي 2040 و2070، ثم ينتهي بالنقص الحاد في الطاقة، حتى يصل إلى ما بين 30% و45% في 2070.

من التهديد بالحرب إلى الاعتراف بالهزيمة.. قصة فشل مصر في مفاوضات سد النهضة

المصادر

عرض التعليقات