في كتاب «حيونة الإنسان» للكاتب ممدوح عدوان، يذكر في فصل بعنوان «الديكتاتور» أن الوصول إلى قمة السلطة -خاصةً في دول العالم الثالث- هو وصول غير مشروع، يجري غالبًا من خلال انقلاب عسكري، سواء كان أبيض أو دمويًّا، موضحًا أن هذا هو السبب وراء كون شخصية «الحاكم المستبد»، شخصية قلقة لا تستطيع أن تثق في أحد، وغالبًا ما يخشى أن يتعرض للمصير ذاته؛ لذا يتخذ هذا المستبد إجراءات وقائية، نراها من خلال الإرهاب القمعي الذي تمارسه بعض الحكومات. إن كانت شخصية المستبد هي شخصية خائفة، فكيف يرى علم النفس «الحاشية»، وكيف يصف شخصيات الجماعات المحكومة؟

«المستبد».. حاكم خائف يمارس أقسى أنواع البطش

في مقالٍ يحلل شخصية «الديكتاتور» نفسيًا نشر على «Livescience»، جرت الإشارة إلى أن علماء النفس قد وصفوا الشخصيات الديكتاتورية المشهورة، أمثال: «جوزيف ستالين»، بأنهم يتسمون بشخصيةٍ نرجسية تعاني من جنون العظمة. يشير المقال إلى أن السلطة تصنع حاجزًا نفسيًا ما بين الشخصية المستبدة والبيئة الاجتماعية المحيطة، يصعب معه قراءة الواقع والمشاعر الإنسانية للآخرين. «القوة تجعلك أكثر اندفاعًا»، هكذا تشير الدراسات؛ إذ تخلق السلطة وهمًا يطلق عليه «وهم السيطرة»، يعمل على تضخيم الأمور في رأس الديكتاتور، مما ينتج عنه بيئة مثالية للاستبداد.

أما الطبيب النفسي جايمس فالون، فقد ألقى خطابًا في مايو (أيار) من عام 2011، تزامنًا مع ثورات الربيع العربي، وذلك داخل منتدى أوسلو للحرية، يحلل فيه «عقلية الديكتاتور»، ويسعى لإيجاد رابط تاريخي وجغرافي بين الشخصيات الديكتاتورية بعضها ببعض.

يقول: «إنهم كذابون، ساحرون وأذكياء»، ويضيف فالون أن الشخصية المستبدة غالبًا ما تكون متعطشة للسلطة تعاني من اضطرابات نفسية حقيقية، كما تجمعهم السادية والنرجسية وجنون العظمة والغموض. كان خطاب فالون يركز على تحليل سمات العديد من الديكتاتوريين في العالم المعاصر وتحديد القواسم المشتركة بينهم وبين الشخصيات «السيكوباتية» التقليدية. وقد استخدم في ذلك تقنيات «مسح الدماغ»، وعقد مقارنة بيولوجية ما بين مسح دماغ الديكتاتوريين، وهؤلاء ممن يعانون من اضطرابات نفسية ومعقدة.

 (حلقة خاصة بسيكولوجية الديكتاتورية)

أما ممدوح عدوان فيشير إلى الكاتبة الإنجليزية إيثيل مانين وكتابها «العزلة»؛ إذ وصفت على وجه الدقة القائد عبد الكريم قاسم، وهو أول حاكم عراقي بعد الحكم الملكي. قائلة: «لم يعد الآن قادرًا على أن يثق بأحد، خاصة أولئك الذين يشتغلون معه»، وكانت الكاتبة قد التقت قاسم وكتبت عنه أثناء وجوده في السلطة، وقد كان قاسم بالنسبة إليها نموذجًا لعزلة الإنسان وهو في القمة، وقد حللت شخصية الحاكم المستبد «الخائف» بناءً عليه، مشيرة إلى أن الإنسان عندما يصل إلى ما كان يطمح إليه من مال أو جاه أو سلطة، يكتشف أنه قد صار وحيدًا، ووحدته تنبع في الأساس من عدم ثقته بالآخرين، واعتقاده بأن مواقف الآخرين منه هي مواقف نفعية أو بدافع الخوف وليست نابعة من صدق.

على الرغم من أن علماء النفس قد انغمسوا كثيرًا في تحليل «شخصية الديكتاتور»، وما يعانيه من انعدام الثقة والخوف والسادية والبطش، لم يخبرنا أحد من قبل عن كيف يكون المستبد «الحاشية»، إن كانت تلك هي فكرته عن المحيطين به. 

سياسة

منذ 5 سنوات
مترجم: لماذا يلهم فلاديمير بوتين الحكام المستبدين؟

«الحاشية».. تحليل شخصيات رجال البلاط في علم النفس

يرى ممدوح عدوان أن شخصية رجال الحاشية أو «رجل البلاط» شخصية تستحق الدراسة، إذ يعرف هذا الرجل أن ما عليه هو أن يكون كما وصف شكسبير «أحدهم» في مسرحية «هاملت». يطيع ويوافق دون تفكير. في الوقت نفسه، يعرف رجل البلاط كيف يحتقره مولاه، الذي يحتقر الناس جميعًا، بحسب عدوان؛ إلا أنه رغم ذلك لا يتوقف عن طاعته وخدمته.

يشير عدوان إلى أن الحاشية عندما تُسأل فيما بعد وقوع حكم ما عما سببته من أذى للناس، نجد دائمًا الإجابة عندهم واحدة على مر العصور؛ إذ يلقي رجل البلاط بمسؤولية أفعاله على من هم أعلى منه شأنًا، وفي تلك الحالة قد يكون هو الحاكم نفسه، متذرعًا بأنه مجرد منفذ للأوامر. يقول عدوان أن أولئك ممن استنفدوا خدمتهم في ظل الطغيان ومارسوا القتل والنهب والسلب والتعذيب، ينفذون الأوامر فعلًا؛ إلا أن هذا لا يمنع حقيقة كونهم يتمتعون بقوة ذاتية، ويخدمون مصالحهم الشخصية الخاصة بالنظام وسلطته.

«الحاشية تتسلح بسطوة النظام وبالسطوة التي يمنحها لها النظام لتتملص من أي وازع أخلاقي ليحققوا مكاسبهم ويحموا مصالحهم، وتلك الحماية لا تتم إلا بإكمال خدمة النظام على أتم وجه». *ممدوح عدوان -حيونة الإنسان

يؤكد عدوان على أن الحاشية لا تحقق مصالحها إلا بإتمام خدمة النظام على أكمل وجه، وهو ما يعني التجاوزات القانونية والاستهتار وقهر المعارضة وتجاوز مصالح الشعوب وإسكات كل أصوات الاحتجاج وتحويل الأشخاص إلى قطيع. في الوقتِ ذاته، تريد الحاشية أن توهم الناس أنها تخدمهم وتخدم مصالحهم.

يشير عدوان إلى أن هذا السبب وراء إقامة الاحتفالات والمناسبات الدائمة التي تقيمها الحاشية لاستعراض ما حققته من أجل «الجماهير»، من هنا يأتي دور «إعلام الاستبداد». وقد كان خير وجه له هو الإعلام النازي الألماني، أو ما عرف باسم «إعلام هتلر»، والذي استغل وسائل الإعلام مثل الراديو حينذاك في نشر رسالته.

(كيف استغلت ألمانيا النازية الإعلام)

يركز الإعلام في تلك الحالة على المبالغة وتضخيم الإنجازات، ولاعتقاد الحاشية بأن الشعب منعزل عن العالم ولا يدري الحجم الواقعي للإنجازات الحكومية، تبدأ التغطيات الإعلامية في الاعتماد على تضخيم الصورة وإطالة أمد المناسبات بالاحتفال بالذكرى السنوية للإنجاز دون توفر معطيات أو مادة جديدة، مما يوحي بعزلة السلطة عن العالم، ويتورط في ذلك بحسب عدوان، إعلاميون وشعراء وفنانون وسياسيون وأعضاء أحزاب. في النهاية، يبدو الجميع وكأنهم يستخفون بالشعب الذي يجبر على التصفيق لما يراه مقززًا، بحسبه.

«الذين يتحدثون مطولًا ولا يقولون شيئًا»، هكذا وصفهم عدوان بمن احترفوا «وقفة المنابر»، قائلًا إنهم محترفون بلا عواطف، لا يحزنون ولا يتحمسون. هم منظمو «حفلات»، بحسبه، يشبهون منظمي حفلات الأعراس والطهور. إذ إنهم يتمتعون بتلك الحرفية المفصولة عن أي حس إنساني.

عند ذكر رجال الملك.. يأتي التملق

في بداية مقال نشر على موقع «Psychology Today»، يحكي الطبيبان ديبورا ومارك باركر في وصف شخصية «المتملق» قصة عن «رجل البلاط»، الذي ما لبث أن تحول من المدح إلى ذم الباذنجان وتعديد أضراره، لمجرد أن السلطان لم يعجبه الباذنجان. إشارةً إلى القدرة على تغيير الرأي من النقيض إلى النقيض لنيل رضا سلطانه، إذ ارتبط اسم رجل الحاشية دائمًا باحتراف التملق والتعبيرات الإنشائية التي لا تقول في النهاية شيئًا مفيدًا. 

يشير المقال إلى أن «المتملق» يسعى إلى تقليد الأذواق والآراء، وقد يوافقك الرأي بنفس الحماسة، لكن يرجع ذلك إلى ضعف الإحساس بالذات، هو الأمر الذي يدفعهم إلى الترويج لذواتهم كثيرًا في مجال عملهم من أجل الفوز باستحسان رئيسهم. 

 (صفات شخصية المتملق)

يشير «كتاب رجل البلاط» للمؤرخ السويسري جاكوب بوركهاردت، إلى أن فرد الحاشية كان يجب أن يكون ماهرًا في الخطابة، متحدثًا لبقًا، عباراته لا تنسى. كما يجب أن يتقن رياضات الطبقات النبيلة، وأن يكون على دراية بمستجدات الحياة الثقافية والأدب والموسيقى؛ فيقول: «يجب أن يبذل كل جهد يملكه في التفوق على الآخرين، وذلك حتى يُعرّف نفسه بأنه أفضل من البقية، وبالتالي يسهل عليه استعراض مهاراته»، لكن الأهم من كل هذا، «أن يفعل ذلك كله بطريقةٍ مستترة، بلا إظهارٍ لسعيه الدائم نحو التأثير»، إنه فن التخفي.

«في قولٍ مأثور، يقال إنه إذا كان غريمك يغرق، والمياه قد غطت خصره، ابذل كل جهد ممكن لإنقاذه، أما إذا تعدى الماء ذقنه. ضع قدمك على رأسه وأغرقه على الفور». *كتاب رجل البلاط

هكذا أشار بوركهاردت عن رجل البلاط في عصر النهضة. وهو نفس الأمر الذي استقى منه علم النفس تشبيهاته لشخصية فرد الحاشية باعتباره شخصًا «متملقًا»؛ إذ إن طبيعة عمله تحتم عليه أن يكسب رضا الأمير، وفي الوقتِ نفسه يعمل على نصحه وإرشاده. وهو من خلال تلك المهارات التي يتمتع بها من طلاقة اللسان وبراعة العقل، يحاول بكل الطرق أن يرفع من تقدير نفسه لدى ولي الأمر.

شخصية «المقموع».. والمقاومة المستترة

«يا أبنائي، لا تقتحموا الأشياء مباشرةً، أنتم ضعفاء جدًا. اقتحموها جانبيًا، تظاهروا بأنكم أموات وتمثلوا دور الكلب النائم». *بلزاك- الفلاحون

«خلق لغة خاصة تختلف عن الخطاب المجتمعي المعلن»، حيلة قديمة أتقنتها الشعوب المقهورة على مر التاريخ. هكذا يشير عالم السياسة، جيمس سكوت، في كتابه «المقاومة بالحيلة»، قائلًا: «إن معظم الحياة السياسية للجماعات المحكومة، لا تقوم على التحدي الجماعي المكشوف لأصحاب السلطة؛ ولا في الرضوخ التام للسيطرة، بل في المجال الواسع بين هذين القطبين المتباعدين».

تمثيل مسرحي زائف من ناحية، وحوارٌ مخفي غير مكبوت نسبيًا في الكواليس، لأشخاصٍ لا يملكون سلطة، تدربوا على بلع الإهانات دون رد، وقد طوروا بحسب سكوت، شعائر من الإهانة أصبح فيها الغضب وفقدان السيطرة على الذات، نوعًا من أنواع الهزيمة. «التراث العام الخفي؛ من أجل السلامة»؛ هذا ما وصف به الكاتب، اللغة المستترة التي يستخدمها المقموعون لمقاومة الحاكم المستبد دون التعرض لأذى. الأمر أشبه بسلاح النكات والسخرية من الحاكم؛ باعتبارها طريقة شعبية للانتقام من الإجراءات السياسية الظالمة، وهو ما يعده سكوت أحد فنون «التنكر السياسي».

كيف تعادي السلطة وتفلت من العقاب؟ كان هذا هو السؤال الذي أجاب عنه السياسي الأمريكي في كتابه، معددًا الحيل التي استخدمتها الشعوب المقهورة من أجل مقاومة خفية للحاكم. ولأن سكوت كان قد درس الأنثروبولوجيا، فقد تمكن في كتابه من رصد تاريخ النضال المستتر؛ فيقول إن محرري المعارضة الصحفية الحذرين، دائمًا ما كانوا يلجأون إلى الحيل اللغوية من أجل انتقاد الحاكم والإفلات من القانون، في الوقت ذاته، وهو ما اقتضى إيجاد طرق لإيصال الرسالة المطلوبة وفقًا للقوانين الموضوعة، ما استدعى فن البحث عن الثغرات.

يشير سكوت إلى أن كل ذلك قد خلق نوعًا من «السياسة التحتية» تتضمن الكذب والنكات ونشر الشائعات المغرضة والفضائح، والتي تشبه إلى حدٍ ما البنية التحتية للتجارة وما يصاحبها من تسهيلات؛ كالنقلِ والمصارف والعملة والممتلكات. إذ تسعى الجماعات المحكومة إلى إيجاد بديل عن المقاومة الحقيقية؛ وهو ما تجده خلف الكواليس من تظاهرٍ، وصفه الكاتب بالفارغ، لأنه الأسوأ؛ إذ يدعم المقاومة الرمزية بديلًا عن الثورة على الأوضاع السياسية في أرض الواقع.

تاريخ

منذ 9 شهور
المقاومة بالأهازيج والشعر.. هكذا سخر العامة من حكامهم المماليك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد