تختلف طرق احتفال المسلمين وإحيائهم لذكرى المولد النبوي الشريف، الذي يصادف يوم 12 من ربيع الأول من كل عام هجري من بلد لآخر؛ غير أنَّ الاحتفال بهذه المناسبة في منطقة المغرب العربي له طابع مميَّز وخاص، وإن اتفقت الشعوب المغاربية على الطريقة الروحانية في الاحتفال بيوم المولد النبوي من ارتياد المساجد وتلاوة المدائح والأناشيد الدينية ومدارسة السيرة النبوية، فإن عاداتهم وتقاليدهم خارج تلك المجالس الدينية، تختلف من بلدٍ لآخر. 

فبينما يميِّز طبق «الشخشوخة» و«الطمينة» احتفال الجزائريين؛ يميز «موكب الشموع» احتفاء المغاربة، وتزيِّن «عصيدة الزقوقو» موائد التونسيين والليبيين ليلة المولد، في وقت يستمرُّ احتفال الموريتانيين بالمناسبة شهرًا كاملًا. في هذا التقرير نستعرض طريقة شعوب المغرب العربي وعاداتهم في  الاحتفال بذكرى المولد النبوي.

أطباق مميزة تزين موائد الجزائريين في ذكرى المولد النبوي

كبقية الشعوب الإسلامية؛ يحتفل الجزائريون بذكرى المولد النبوي الشريف، حيث تبرز عادات وتقاليد إسلامية متأصلة تشهدها المساجد والبيوت والشوارع الجزائرية على حد سواء، وهي تقاليد يحرص الجزائريون فيها على إظهار مظاهر الفرح والسرور، وتبادل التهاني والدعاء بالخير بوصفه حدثًا دينيًّا.

تصدح المساجد الجزائرية بالمدائح والقصائد الدينية من بداية شهر ربيع الأوَّل وحتى يوم المولد؛ حيث يجتمع رواد المساجد لتلاوة البردة والهمزية؛ ومدارسة السيرة النبوية. أمَّا المنازل الجزائرية فتزيَّن ويعاد تنظيفها خصيصًا للمناسبة، بينما تعدُّ الجزائريات أطباقًا تقليدية تتزين بها المائدة الجزائرية ليلة المولد النبوي الشريف، وأبرز تلك الأكلات؛ طبق «الشخشوخة»، وهي أكلة جزائرية شعبية مشهورة عبارة عن عجينة تخلط من القمح اللين والماء، وطبق «الرشتة»، وهو طبق من المعكرونة الرقيقة، فيما تختار عائلات أخرى إعداد طبق الكسكسي بالدجاج، إضافة إلى حلوى «الطمينة»  وهي حلوى جزائرية تقليدية تصنع بالسميد والعسل والزبدة، التي تقدَّم في سهرة المولد.

ولا يقتصر احتفال الجزائريين بالمولد على الأطباق الخاصة بالمناسبة؛ بل يتعداها حتى في لباسهم، فترتدي نساء الجزائر ملابس تقليدية ذات زينة وإكسسوارت مبالغ فيها مثل «القفطان» وغيرها، بينما يميل الرجال لارتداء «القندورة البيضاء».

أهليل قورارة في «سبوع المولد».. تراث لا مادي على قائمة اليونيسكو

ويحتفل سكان الولايات الصحراوية والجنوبية الجزائرية بذكرى المولد النبوي بطريقة مختلفة؛ إذ يجتمع الآلاف منهم في مدن أدرار وتيميمون لإحياء فعاليات «ركب الأسبوع النبوي» الذي يستمر لأسبوعٍ كاملٍ؛  تتخلله أنشطة فلكلورية تشمل البارود والحضرة ومدائح صوفية في مشهد روحاني يجسِّد القرون الماضية في الحضارة الإسلامية؛ الأمر الذي جعل ركب الأسبوع النبوي وتحديدًا «أهليل قورارة»، والذي هو فلكلور غنائي يتناول سير الصحابة والصالحين يصنَّف ضمن القائمة الثقافية للتراث العالمي اللامادي من قِبل اليونيسكو.

«موكب الشموع».. احتفال المغاربة الفريد بذكرى المولد النبوي 

أمَّا المغاربة فلا يختلف احتفالهم بذكرى المولد النبوي الشريف عن الجزائريين كثيرًا؛ إذ يتقاسم الشعبان تقاليد الاحتفال بالمولد بتحضير الأطباق والأكلات الشعبية والتقليدية، لكن تبقى مسألة شراء ملابس جديدة للصغار، لارتدائها في يوم المولد النبوي، أحد أهم التقاليد الراسخة ضمن احتفالات المغاربة بعيد المولد النبوي، حيث يرتدي الأطفال أجمل الملابس.

من بين أبرز المدن المغربية التي تحتفل بعيد المولد النبوي، مدينة مكناس التي تحتضن ضريح شيخ الطريقة العيساوية، الهادي بنعيسى، أحد رجال الطرق الصوفية، حيث تحيي عدد من الفرق العيساوية موسم هذا الشيخ تزامنًا مع ذكرى مولد النبي محمد، وتأتي فرق عيساوة من مختلف مناطق المغرب إلى مدينة مكناس، على أن تستمر طقوس الاحتفال بالمولد بالمدينة طيلة ثلاثة أيام.

وغير بعيدٍ عن مدينة مكناس؛ يحتفل المغاربة في مدينة سلا بـ«موكب الشموع» الذي يعود تاريخه إلى خمسة قرون مضت، حين أقام السلطان أحمد المنصور الذهبي في سنة 986 هجريًّا (1578 ميلادية) أول احتفال بموكب الشموع بالمدينة إحياءً لذكرى المولد النبوي.

شاهد مدينة سلا تحيي ذكرى المولد النبوي بموكب الشموع:

ويبدأ الاحتفال بموكب الشموع بتجمُّع الشرفاء وأتباع الزاوية الحسونية، ثم بقية عموم المغاربة الذين يصطفون وراءهم حاملين الشموع وتصحبهم أجواق الموسيقى وأنغام الطبول؛ ويجوبون خلالها الشوارع الرئيسة لمدينة سلا؛ وبعدها تؤدى رقصات الشموع في ساحة الشهداء، ويتابع الموكب مساره إلى دار الشرفاء الحسونيين حيث ضريح ابن حسون الذي يقام به حفل ليلي بفن المديح والسماع الصوفي.

وتقام في الأيام التالية للمولد النبوي حفلات متفرقة خاصة بالذكر الصوفي، وبعد أسبوعٍ من ذكرى المولد النبوي تقيم الزاوية الحسونية بسلا حفلًا يسمى «الصبوحي»، وتُختتم بتقديم طبق «القصعة التقليدية»، وهي أكلة شعبية عند المغاربة تميِّز احتفالهم بالمولد النبوي الشريف. 

«عصيدة الزقوقو» وختان الأطفال.. عادات التونسيين في المولد النبوي

للمولد النبوي الشريف أو «الميلود» مكانة خاصة عند التونسيين، فيعكف غالبيتهم على الاستعداد للاحتفال بهذه المناسبة قبل أيام من موعدها؛ فتشهد الأسواق التونسية حركة واسعة؛ لاقتناء «الزقوقو» وفواكه الزينة من حلوى، وبندق، وفستق، والكستناء وغيرها من المكسَّرات، إضافةً إلى الشموع والمفرقعات النارية.

طبق عصيدة الزقوقو، ميزة احتفال المولد في تونس

وتتفنن النساء التونسيات ليلة المولد؛ في إعداد طبق «عصيدة الزقوقو» الذي يحلِّي موائد التونسيين بالمناسبة،  والتي تتكون من الزقوقو (الصنوبر الحلبي) والسكر والدقيق والنشا والبيض، إضافة إلى ماء الورد والكريمة والفواكه الجافة للزينة، كما يجري صبيحة المولد النبوي تبادل الزيارات الأسرية، وتبادل العصائد المزخرفة بحبات الفاكهة ولوز وبندق وأبو فروة وحلوى. وتبركًا بهذه المناسبة، يحرص التونسيون على ختان أطفالهم ليلة المولد؛ وإتمام الخطوبات أو ما يعرف بقراءة الفاتحة، وإهداء الخطيب لخطيبته «الموسم»، وهي هدية يهديها العريس لعروسه بالمناسبة. 

أمَّا مقصد الكثير من التونسيين ليلة المولد؛ فهي إمَّا مدينة القيروان التي تشهد مساجدها حلقات الذكر والإنشاد الديني والابتهالات، أو جامع الزيتونة لحضور موكب قراءة متن «الهمزية» في مدح الرسول للإمام شرف الدين محمد البوصيري.

«تزيين الشوارع وتلاوة المدائح».. هكذا يحتفل الليبيون بالمولد 

للاحتفال بالمولد النبوي في ليبيا سمت خاص ومميز؛ إذ تقام جلسات ليلة المولد في المساجد والزوايا حتى الفجر، يجتمع فيها الليبيون على شكل حلقات؛ يرددون المدائح النبوية مثل القصيدة الهمزية و«مولد البرزنجي» والحضرة التي تعد إحدى الطرق الصوفية في ذكر النبي المعظم، كما يقوم البعض بقراءة ختمة كاملة من القرآن الكريم وإهدائها إلى نبي الإسلام.

ولا تختلف عادات الليبيين في ليلة المولد عن بقية شعوب المغرب العربي، فيعكف الليبيون على صناعة  الحلويات مثل الكعك المخمر، والقمح المحمص، والبيض المسلوق. 

مصدر الصورة – ليبيا هيرلد

وفي حديثه مع «ساسة بوست» يبرز الشاب الليبي (أحمد.غ) عادات الليبيين ليلة المولد بالقول: «تبدأ الاحتفالات مباشرة بعد المغرب في المساجد؛ من خلال ترديد المدائح والموشحات الدينية، كما تجري مدارسة  سيرة النبي محمد؛ وبعد صلاة العشاء مباشرة يتجه الناس إلى الزوايا الصوفية مثل القادرية والعيساوية والرفاعية والسنوسية ويجلسون في حلقات، وتنطلق مدائح يجري فيها قراءة المولد البرزنجي وقصيدة البردة والهمزية حتى الفجر، وسط ابتهاج المشاركين من عموم المواطنين بهذه المناسبة العظيمة».

ويضيف محدثنا أنَّ ما يميز الاحتفالات بالمولد في ليبيا هو تزيين الشوارع بالأعلام والزينة والأضواء الملونة، وتعليق الشعارات المعبرة عن عظمة الذكرى.

والموريتانيون يحتفلون شهرًا كاملًا بالمولد النبوي

تبدأ الاحتفالات بالمولد النبوي في بلاد شنقيط؛ مطلع شهر ربيع الأول من كل عام هجري، لتبلغ ذروتها يوم الثاني عشر منه؛ وتمتدُّ حتى نهاية شهر ربيع الأنوار؛ ويرتدي  أطفال موريتانيا ملابس جديدة، وتقام الاحتفالات في المساجد والزوايا الصوفية. وأهمُّ ما يميز احتفالات المولد النبوي في موريتانيا؛ والتي تستمرُّ شهرًا كاملًا، المدائح الدينية التي تقام لها فعاليات في أماكن مفتوحة، وعلى وقع رقصات شعبية وألعاب فلكلورية.

تاريخ

منذ سنة واحدة
من تاريخ التصوف.. حين قادت النقشبندية مقاومة الاستعمار في آسيا

أمَّا الزوايا الصوفية، فتقيم ليالي عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية والأذكار، يتحلق فيها المريدون حول شيخ الزاوية، لينشدوا «ميمية» البوصيري في المديح، وأشعار ابن الفارض وغيره من شعراء الصوفية.

وأنت عزيزي القارئ، كيف يُحتفل بالمولد النبوي في بلدك؟ شاركنا الطقوس وأهم العادات التي تقترن بذكرى مولد النبي محمد في التعليقات.

المصادر

تحميل المزيد