في 15 يوليو (تموز) من عام 1870 قاد الإمبراطور نابليون الثالث أمته إلى واحدة من أكثر الحروب الكارثية التي شهدتها فرنسا، وهي الحرب الفرنسية – البروسية. كانت بروسيا حينها إحدى الممالك الألمانية. في الحرب انهزم الفرنسيون عدة هزائم متتالية، نتج عنها في النهاية ما عُرف باسم «حصار باريس». حين حاصر البروسيون مدينة النور، قطعوا الامدادات عن أهل المدينة، حينها صار الطعام شحيحًا، إلى الدرجة التي قادت المدينة إلى المجاعة؛ فماذا حدث عندما جاعت باريس؟

حرب 1870.. هكذا سقطت باريس

عام 1884 أنهى أرنست ميسونيه لوحته الأثيرة، والتي تحكي بصريًا قصة «حصار باريس». وقد جسد فيها مدينة النور على شكل امرأة، لها وجه أسد. ترتدي وشاحًا أسود، وتقف فوق أنقاض المدينة المدمرة. ووراءها رفع علم فرنسا الممزق، وتحت قدميها جثث الجنود من شهداء الحصار. أراد ميسونيه أن يروي مأساة باريس وشبح المجاعة يخيم فوقها سماءًا مليئة بالغيوم والرماد. فقد ختمت الهزيمة فن القرن التاسع عشر بختمها، وتركت آثارها جراحًا لا تندمل في أرواح من عايشوها، فكيف انهزم الفرنسيون؟

كان الواقع لا يختلف كثيرًا عن لوحة ميسونيه، حيث هزمت فرنسا أمام القوة الفتية الصاعدة حينذاك بروسيا. وقد كان أوتو فون بسمارك حينها مستشارًا ألمانيًا، أراد توحيد الأمصار الألمانية كلها وتكوين إمبراطورية ألمانية، إلا أن ذلك كان يستدعي حربًا؛ مع القوة المسيطرة في أوروبا القرن التاسع عشر، وهي فرنسا. كانت بروسيا تخشى من ردة الفعل إذا هي ذهبت إلى الحربِ دون داعٍ، عندها خطط بسمارك ليحرك القوى السياسية حينذاك كقطع الشطرنج حسب أهوائه. واستغل الموقف الفرنسي تجاه اختيار أمير بيت هوهنتسولرن لتولي عرش أسبانيا، وأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى الفرنسيين، استفزت مشاعرهم ودفعتهم إلى الحرب.

كان الجانب الفرنسي يخشى تهديد نفوذه في أوروبا ولذلك ابتلع الطعم، ووقع في فخ بسمارك. جاء قرار الحرب من الإمبراطور نابليون الثالث، معلنًا أن بروسيا ستدفع الثمن، «وستنتهي راكعة على ركبتيها أمام الفرنسيين». لم تكن الحرب هي الخيار الأمثل للإمبراطورية الفرنسية؛ فقد كان الجانب البروسي يتميز بالتفوق العددي والأسلحة الحديثة، في وقتٍ كانت فيه فرنسا غير مجهزة جيدًا،كما لجأ القائد بسمارك إلى تحييد الأطراف الأخرى ذات القوة العسكرية  مثل الإمبراطورية الروسية وبريطانيا وإيطاليا. 

كانت المعارك تنذر بهزيمة ساحقة للفرنسيين، وذلك حتى أتت معركة سيدان، تلك المعركة الفاصلة التي استسلم خلالها نابليون الثالث وتمزقت العسكرية الفرنسية. خلال تلك المعركة انتهت كل أحلام نابليون؛ فقد أعلنت المقاومة الوطنية الفرنسية انتهاء حقبة الإمبراطورية، وتشكيل حكومة دفاع وطني في 4 سبتمبر (أيلول) من عام 1870. 

كانت نتيجة تلك المعركة وقوع العاصمة باريس تحت حصارٍ استمر أربعة أشهر وذلك حتى يناير (كانون الثاني) من عام 1871؛ حين سقطت باريس في قبضة بروسيا، واقتحم الألمان العاصمة وأضرموا النار في كثيرٍ من الرموز الفرنسية، واتخذوا من أهلها أسرى، وسقط من سقط قتيلًا، رميًا بالرصاص، وأسدل الستار على الإمبراطورية الفرنسية الثانية، وبدأ عصر إمبراطورية ألمانية.

حصار باريس.. قصص الجوع والخوف

يقول عالم الكيمياء الفرنسي لويس باستور، والذي عاش فترة الحصار والجوع في باريس: «كانت المجاعة التي نجمت عن الحصار قاسية، إلى درجة دفعت الباريسيين الجياع إلى تناول لحم القطط والكلاب». فكيف وصلت مدينة النور إلى تلك الحالة المروعة؟ 

تعتبر باريس من المدن المشهورة بفنون الطهي، وإليهم يرجع مفهوم المطاعم كما نعرفها، إلا أن شهور الجوع وما عانوه إبان حصار باريس، قد اضطرهم لتجربة أنواعًا مختلفة من الطعام. حينها كانت القوات الألمانية المتحالفة تحاصر العاصمة الفرنسية، وسعت لقطع الإمدادات الغذائية، ومنعت وصول المؤن وشحنات الطعام، وذلك لإجبار الباريسيين على الاستسلام وفتح أبواب مدينتهم.

إساقت الأقدار طبيبًا أمريكي من ولاية بنسلفانيا إلى هناك، وهو روبرت لوري سيبت الذي عاش في باريس فترة الحصار، وروي يومياته في مجلد نشر فيما بعد بعنوان: «حصار باريس.. شاهد عيان أمريكي»، يحكي سيبت كيف طوق الحصار المدينة بحلول 18 سبتمبر، قائلًا: «إن وزارة الزراعة كانت نشطة للغاية في جمع المنتجات من الأسواق، بما في ذلك الماشية والأغنام والخنازير ومنتجات الوقود».

مجاعة اليمن ليست الأولى.. تعرف على 100 سنة من المجاعات في العالم العربي

ترك سيبت نفسه ليصبح سجينًا في مدينةٍ عظيمة، وفي يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1870، سجل في يومياته العلامة الأولى على أن باريس لم تكن على ما يرام؛ قائلًا: «توقفت المدينة عن بيع لحم الأغنام والماشية، وفتحت أبوابها أمام لحوم الخيل»؛ ومع قلة عدد الماشية في العاصمة الفرنسية اضطر السكان لاستبدال ما يعرفونه من لحوم الأبقار والغنم والماشية، بغيرها من الحيوانات التي تواجدت في شوارع المدينة.

«كان الحصان معصوب العينين، وقد ضربوه بمطرقةٍ ثقيلة على الجبهة، واندفعت دماؤه لتملأ الأحواض». وصف سيبت كيف استضافت اللجنة المركزية للصحة في المدينة مأدبة عشاء حول الخيول، حساء مرق الخيل مع الخبز المحمص، شرائح لحم الخيل المشوية مع اللحوم الباردة. إلا أن الحكومة سرعان ما صادرت الخيل، بعدما اضطروا إلى إرسال نصف مخزون العاصمة من الخيول إلى الجبهة، حينها تحول الباريسيون إلى أكل لحم الحمير، والتي سرعان ما منع بيعها هي الأخرى.

بحلول نوفمبر (تشرين الثاني)، انتشرت أكشاك صغيرة في شوارع باريس، وضعت فيها القطط والكلاب، جنبًا إلى جنب الفئران، يروي سيبت: «تقدمت من إحداها امرأة شابة بصحبة فتاة صغيرة، تسأل عن سعر الفئران اليوم، وهل بإمكانها تحمل تكلفتها».

كانت الأسعار ترتفع يومًا بعد يوم، حتى وصلت أسعار القطط والكلاب إلى 20 و40 سنتًا، أما الجرذان فقد وصل سعرها إلى 50 سنتًا. وفي تقرير قناة «فرانس 24» عن الحصار، جرت الإشارة إلى أن المجتمع الباريسي قد انقسم إلى طبقتين. طبقة الفقراء التي تتناول لحم الكلاب والقطط والفئران، والطبقة المخملية، والتي تناولت لحوم الجمال والدببة والفيلة؛ فقد ضحت حديقة الحيوانات في باريس بما توفر لديها لإطعام العامة، وفي الوقت الذي تناولت فيه الطبقة المخملية لحم الخيل المشوي، وقف الفقراء في طوابيرٍ، منتظرين حساءًا من عظامِ الخيل.

بحلول ديسمبر (كانون الأول)، اختفى البيض والحليب والزبدة من المتاجر، فتساقط الأطفال جراء سوء التغذية، ولحق بهم ذووهم ممن نال منهم المرض والجوع. ومع بداية العام الجديد، كان طعام الباريسيون قائمًا على الخبزِ؛ يشير التقرير إلى أنه في الأيام الأخيرة من الحصار؛ اضطرت الحكومة الفرنسية إلى  طحن عظام بشرية، وخلطها مع الدقيق المعد لصناعة الخبز.

كيف أثرى الجوع المطبخ الفرنسي؟

وصف الكاتب هنري ويليام ماركهايم، في كتابه «من داخل حصار باريس»، النكهات الجديدة للمطبخ الفرنسي إبان الحصار، عن ذلك يقول: «كانت الكلاب بديلًا جيدًا للحم الضأن، والقطط أقرب للأرانب، أما الفئران السماوية، فقد كانت طعام الأغنياء». وعلى الرغم من الحصار والمجاعة، لم تتغير عادات المطبخ الفرنسي المجنون بفنون الطهي؛ فقد كانت قوائم المطاعم حينذاك تقدم القطط محمصة مع الفئران، وحساء الكنغر والظباء، وصلصة الغزلان. لحوم غريبة ربطت بتقنيات طبخ المأكولات الفرنسية الرائعة.

ترك الحصار المدينة الفرنسية محبطة ومدمرة وجائعة، إلا أن المطبخ الفرنسي بانتهاء المجاعة، قد وجد ضالته في بعض أنواع اللحوم الغريبة، التي أصبحت فيما بعد رمزًا باريسيًا، مثل لحم الخيل، والذي ما زال يقدم حتى الآن في المطاعم الشهيرة. كان لحم الخيل قبل حادثة الحصار، ممنوعًا ومحرمًا بواسطة القانون والكنيسة. إلا أن الذائقة الفرنسية قد تغيرت إبان القرن التاسع عشر، حيث تسببت الثورة الفرنسية وحروب نابليون في تدهور أحوال المعيشة؛ مما اضطر الحكومات لذبح الخيول وتقديمهم للجنود المتضورين جوعًا خلال أيام الحرب.

حينها عمدت الحكومة إلى تنظيم الولائم بهدف تغيير العقلية الشعبية، وتقديم لحم الخيل إلى العامة. وفي الوقت الذي حاول فيه المسؤولون التغلب على مشكلة الجوع، كانت لحوم الخيل تقدم للعامة وكأنها جزءًا من تقاليد الطهي الفرنسية. وقدموه كنوعٍ من أنواع اللحوم الرقيقة قليلة الدسم والمفيدة للصحة.. وفي ذلك الوقت كان سعر لحوم الماشية أضعاف سعر لحم الحصان.

مع ارتفاع تكلفة المعيشة، لجأ كثير من الباريسيين أبناء الطبقة العاملة لشراء لحوم الخيل، نظرًا لأسعارها الرخيصة مقابل لحوم البقر والخنازير، وقد افتتح أول متجر لبيع لحم الخيل عام 1866. بعدما أصدرت الحكومة الفرنسية قانونًا يبيح تناولها للطعام. كان المجتمع الفرنسي حتى مطلع العقد السابع ما زال غير متقبلًا تناول الخيل طعامًا، وذلك حتى الحرب البروسية الفرنسية، والتي ساهمت في تغيير عقلية المواطنين؛ حيث شحت اللحوم الطازجة إبان حصار باريس، وتناول الباريسيون الجائعون لحوم الأحصنة مضطرين. وبحلول عام 1905، أصبح هناك 311 متجرًا لبيع لحوم الخيل. 

Embed from Getty Images

لحوم الضفادع

لم يكن لحم الخيل وحده هو الباقي من أيام الجوع التي مرت على المدينة الفرنسية، طوال تاريخها؛ إذ إن هناك رمزًا آخر للمطبخ الفرنسي، متمثلًا في لحم الضفادع. كان لأكل الضفادع قصة جوع أخرى، ترجع إلى عصر الرهبان وسجلات الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا؛ وذلك إبان القرن الثاني عشر؛  حيث اعتقدت السلطات الكنسية أن الرهبان يأكلون الكثير من الدهون، حينها منعت الكنيسة أكل اللحوم خلال أوقات معينة من السنة؛ مما اضطر الرهبان إلى تناول لحوم الضفادع بديلًا عن اللحوم؛ فقد عُرفت حينذاك وكأنها نوع من الأسماكِ.

وفي القرن السابع عشر سجل ألكساندر دوماس في كتاباتٍ نُشرت بعد وفاته عام 1873، أخبارًا عن رجلٍ يدعى سيمون، استطاع تكوين ثروة هائلة عن طريق جمع الضفادع وتسمينها، ومن ثم بيعها إلى أرقى المطاعم الباريسية؛ حيث كانت لحوم الضفادع حينها في أوج شهرتها.

تشير صحيفة «ذا لوكال» إلى أنه على الرغم من انتهاء عصر منع الكنيسة لأكل اللحوم، إلا أن الضفادع قد استطاعت تكوين شعبية لدى الفرنسيين، حتى أنها أصبحت مرتبطة بالمطبخ الفرنسي. حيث اشتهرت «أرجل الضفادع» وحساءها، وكأنها الوجبة الشعبية في فرنسا. ويضيف التقرير أن الفرنسيين يأكلون ما يعادل 160 مليون أرجل ضفدع كل عام. وفي شرق فرنسا يتجمع السكان المحليون كل أبريل (نيسان)، وذلك لتناول أطنان من أرجل الضفادع، في مهرجان يقام خصيصًا لها، منذ أكثر من 40 عامًا.

وقد تفنن المطبخ الفرنسي في طهي أرجل الضفادع، مشوية ومقلية ومسلوقة ومحمصة، وذلك طبقًا للأذواق المحلية. وتصف الصحيفة مذاق الضفادع: «وكأنها دجاجة خلطت مع السمك».

«عصفورين بحجر واحد».. هكذا تستغل فرنسا دعم حفتر لحماية ديكتاتور تشاد

المصادر

تحميل المزيد