في الوقت الذي تشتعل فيه الحرب التجارية الأعنف حول العالم بين الصين وأمريكا، يقع في قلب هذه المعركة التجارية شركة هواوي الصينية التي تواجه عقوبات أمريكية كبيرة، فمنذ أكثر من عام وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشن هجومًا عنيفًا على الشركة، وكان أخر حلقات هذا الهجوم، هو إعلان حالة طوارئ وطنية تجاه تهديدات الاتصالات والتكنولوجيا، وبموجب القرار فإن الشركات الأمريكية ستكون بحاجة إلى رخصة خاصة لبيع المنتجات إلى الشركة الصينية.

القرار ضم  شركة «هواوي» إلى قائمة الشركات التي تعتبرها الحكومة الأمريكية على أنها تقوض المصالح، بينما ربطت الصين إجراءات الولايات المتحدة تجاه شركة «هواوي» بمستقبل المفاوضات التجارية، وهو ما جعل الشركة تقول إنها تشعر كأنها «كرة قدم وسط عملاقين»، لكن السؤال الآن من سيستفيد من خسارة هواوي؟ أو بصيغة أخرى: هل ستخسر الصين من العقوبات على هواوي؟

مترجم: كل ما تريد معرفته عن أزمة ترامب الأخيرة مع «هواوي»

في الواقع هذا الأمر قد لا يكون بنفس البساطة التي قد يتخيلها البعض، فبالرغم من أن سوق الهواتف الذكية يشهد صراع طاحن بين «سامسونج وهواوي وآبل»، إلا أن شركات أخرى بخلاف سامسونج وآبل قد تستفيد من الحصة التي من المتوقع أن تفقدها هواوي في حال لم تتمكن من التغلب على التحديات الحالية، وهو ما سنوضحه خلال السطور القادمة.

شركة «هواوي» في الوسط.. إلى أين وصل الصراع الصيني الأمريكي؟

قبل الإجابة على الأسئلة السابقة يجب أن نوضح أولًا آخر تطورات الصراع الصيني الأمريكي، ففي 16 مايو (أيار) الجاري، وضعت وزارة التجارة الأمريكية شركة ««هواوي تكنولوجيز» و68 شركة تابعة لها في أكثر من 20 دولة فيما يسمى «قائمة الكيانات»، في خطوة تمنع الشركة من شراء أجزاء أو مكونات من شركات أمريكا بدون الحصول على موافقة من الحكومة الأمريكية.

الحظر الأمريكي بدأ سريانه على الفور وشمل شركات تتبع شركة هواوي في كندا واليابان والبرازيل والمملكة المتحدة وسنغافورة ودول أخرى، لكن لم يكن هذا القرار هو الصدمة الأكبر بالنسبة للشركة الصينية، فقد جاءت الصدمة الحقيقة من ألفابت، عندما قررت شركة «جوجل» التابعة لألفابت تعليق بعض المعاملات مع «هواوي»، إلا أن جوجل قالت إنه سيكون باستطاعة أصحاب هواتف هواوي الحاليين استخدام وتنزيل تحديثات للتطبيقات التي تقدمها جوجل.

 

في 21 مايو الجاري، وبعد أيام قليلة على الحظر الأمريكي لهواوي خففت الحكومة الأمريكية بشكل مؤقت بعض القيود التجارية التي فرضتها على الشركة الصينية في خطوة سعت إلى الحد من تعطل عمليات الشبكة الحالية وأجهزتها في أنحاء العالم، هذا التخفيف سيظل ساريًا حتى 19 أغسطس (آب) القادم.

بينما على الجانب الأخر، عارضت الصين كالعادة فرض عقوبات أحادية الجانب على كيانات صينية، مضيفة أنها «ستتخذ كل الإجراءات الضرورية لحماية الحقوق المشروعة للشركات الصينية بكل حزم»، لكن مع كل هذه التطورات يرى مراقبون أن المحادثات بين البلدين لم تنهار بعد، خاصًة مع اقتراب لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ مع ترامب، في قمة مجموعة العشرين في اليابان أواخر الشهر القادم.

4 مراكز صينية بين الستة الكبار.. صراع الاستحواذ على سوق الهواتف الذكية

وبالعودة إلى الهواتف الذكية والصراع الصيني الأمريكي الياباني الذي يضم كلًا من سامسونج وآبل وعدة شركات صينية، وعلى افتراض أن شركة هواوي ستفقد جزء من حصتها في المبيعات، فمن سيفوز بالنصيب الأكبر من هذه الحصة؟

يجب أن نشير أولًا إلى أن شركة هواوي تؤكد دائمًا أن لديها خطط بديلة وأنها تستطيع التغلب على هذه الأزمات، خاصًة أنها حققت قفزة بإيرادات الربع الأول من العام الجاري بزيادة 39% إلى 179.7 مليار يوان (26.81 مليار دولار) وذلك في أول نتائج فصلية على الإطلاق تعلنها الشركة، إذ شحنت نحو 59 مليون هاتف ذكي في الربع الأول.

بينما يقول رن تشنغ في، مؤسس شركة هواوي، إن قرار الحكومة الأمريكية بتخفيف القيود التجارية مؤقتًا ليس له تأثير كبير لأن الشركة الصينية اتخذت استعدادتها، موضحًا أن الجيل الخامس من منتجات هواوي لن يتأثر وتوقع ألا يتمكن أحد من اللحاق بتكنولوجيا الجيل الخامس للشركة في العامين أو الأعوام الثلاثة القادمة.

لكن بالرغم من ذلك يؤكد محللون على أن الشركة ستتأثر لا محالة بسبب الحملة الأمريكية الشرسة، وأي ضرر سيقع على مبيعات شركة هواوي سيستفيد منه المنافسون بالطبع، إلا أنه كما يبدو الصين لن تخسر بخسارة هواوي، كيف ذلك؟

تشير الإحصائيات الصادرة عن مؤسسة الأبحاث التسويقية «آى دى سى» خلال الربع الأول من 2019 ، حول مبيعات الهواتف الذكية عالميًا، إلى أن سامسونج جاءت في المركز الأول بحصة سوقية 23.1 % من خلال بيع 71.9 مليون هاتف، تلتها «هواوى» الصينية بـ19% من خلال بيع 59.1 مليون وحدة.

مبيعات الهواتف الذكية في الربع الأول من 2019

فيما حجزت «آبل» الأمريكية المركز الثالث بحصة سوقية 11.7 % وبيع 36.4 مليون وحدة، أعقبها «شاومى» الصينية بنسبة 8% ونحو 25 مليون وحدة، و7.5% لـ«فيفو» وبيع 23.2 مليون وحدة ، وجاءت «أوبو» في المركز الخامس مكرر بنسبة 7.4% وبيع 23.1 مليون، فيما استحوذت باقي الشركات على حصة 23.2% من خلال بيع 72.1 مليون وحدة.

وتوضح الأرقام أن شركات «شاومي» و«أوبو» و «فينو» الصينية، تحتل المراكز الثلاثة بعد الثلاثة الكبار، لكنهم يمتلكون الميزة التنافسية التي تمتلكها كل الشركات الصينية وهي انخفاض السعر؛ ما يجعل فرص تلك الشركات صاحبة الحظ الأوفر في الحصول على ما قد تفقده هواوي، وهنا لن تخسر الصين في النهاية من ناحية النسبة السوقية في مبيعات الهواتف الذكية.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن إستراتيجية الشركات الصينية تقوم على توجيه منتجات متوسطة وقليلة التكلفة إلى السوقين الهندية والصينية والشرق الأوسط، أما الأجهزة الباهظة فتوجه إلى أوروبا ومناطق أخرى ذات قدرة شرائية مرتفعة، وهذه السياسة حققت نتائج إيجابية خلال الأعوام السابقة.

27 % قفزة بإيراداتها.. شاومي الأوفر حظًا

وبنظرة أعمق قد نجد أن شركة شاومي الصينية هي الأوفر حظًا في ظل حظر «هواوي»، إذ أعلنت عن إيرادات فصلية أفضل من المتوقع، في إشارة إلى نمو مطرد في مبيعاتها خارج السوق الصينية، إذ تشير النتائج إلى أن إستراتيجية توسع الشركة خارج الصين والتركيز على أسواق مثل الهند وأوروبا يؤتي ثماره في ظل تباطؤ سوق الهواتف الذكية في الصين أكبر أسواق العالم.

وسجلت إيرادات شاومي خلال أول ثلاثة أشهر من 2019، نموًا بنسبة 27% إلى نحو 43.8 مليار يوان (6.3 مليار دولار) لتفوق متوسط التقديرات البالغ 42.109 مليار يوان في استطلاع لآراء المحللين أجرته «رفينيتيف»، بينما ارتفع صافي الربح المعدل للربع الأول إلى 2.1 مليار يوان مقارنة مع 1.7 مليار قبل عام.

وأثارت شاومي الجدل مؤخرًا منذ الإعلان عن نموذج أول هاتف قابل للطي من إنتاجها في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتدخل بذلك على خط المنافسة مع شركات أخرى كانت قد أعلنت عزمها إطلاق هواتف مثل هذا النوع كسامسونج وهواوي.

 

وكانت شاومي قد تصدرت لفترة وجيزة قائمة الشركات الناشئة الأعلى القيمة في العالم وكان لديها آمال بأن تكون النظير الصيني لشركة آبل، كما صرح مسؤولي الشركة، لكنها عانت في 2016 من تباطؤ مبيعات الهواتف الذكية وخرجت من بين أكبر خمس شركات لبيع الهواتف الذكية في الصين عام 2016 بعدما وصلت إلى المركز الثاني في 2015، لكن مبيعات الشركة خارج الصين أعاد بريق الشركة مرة أخرى.

من ناحية أخرى تنافس «أوبو» هي الأخرى بقوة،  فالشركة الصينية التي تأسست في 2004، قد سجلت اسمها كعلامة تجارية في عدة أجزاء كثيرة من العالم، ومن أبرز الهواتف الذكية لديها هاتف Oppo R5 وOppo N3، كما تنفرد هواتف الشركة في 2019، بخواص فريدة لم تستعمل في أي هاتف ذكي بعد، إذ أن كاميرا هاتف «Reno 10x Zoom» مزودة بحساسات خاصة تجعلها تختفي بسرعة داخل الهاتف في حال وقوعه كي لا تتعرض للكسر.

الصين تعوض خسائرها.. لكن ماذا عن أمريكا؟

ذكرنا أن الحظر الأمريكي المفروض على شركة هواوي رغم أنه سيضر الشركة إلا أن شركات صينية أخرى قد تستفيد من هذا الضرر، لكن من الواضح أن الشركات الأمريكية لن تتمكن من تعويض خسائرها، إذ خلص تقرير حديث، لمؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، إلى أن التأثير المحتمل للقيود الأمريكية الشديدة على الصادرات على التكنولوجيا قد يكبد الشركات الأمريكية خسائر قد تصل إلى 56.3 مليار دولار من دخل الصادرات على مدى خمس سنوات.

«تايم»: ما هي الحرب التجارية وماذا يفعل ترامب بالاقتصاد الصيني؟ 9 أسئلة تشرح لك

وقال التقرير: «ن الفرص الضائعة تهدد ما يصل إلى 74 ألف وظيفة، إذ تؤثر القيود التي يفرضها ترامب على عدد كبير من الشركات الأمريكية، فقد أبلغت شركات كبيرة مصنعة للأجهزة الإلكترونية مثل «كوالكوم» و«إنتل» موظفيها أنها ستتوقف هي أيضًا عن تزويد «هواوي»، وهو ما يمثل مشاكل كبيرة لهذه الشركات»، فبحسب مراقبين فإن هذه القيود ضربة قاسية للشركات الأمريكية التي تقوم بتزويد الشرائح للشركة الصينية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد