قال كل من كولم لينش، وكيث جونسون، ومايكل هيرش في تقرير لهم على موقع «فورين بوليسي» إن نظام الملالي في إيران يمر بأزمة عاصفة، بعد تفجر الاحتجاجات داخليًّا بسبب كذب النظام بشأن حادثة سقوط الطائرة الأوكرانية.

وأوضح معدو المقال أن تصوير النظام الإيراني نفسه كضحية للعدوان الأمريكي بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، تحول إلى كارثة في الداخل وفي جميع أنحاء العالم، حيث تدفق الآلاف من المتظاهرين المناهضين للحكومة إلى الشوارع، معربين عن غضبهم من كذبها.

«ناشيونال إنترست»: هل احتجاجات إيران الآن تشبه «الثورة الإسلامية» في السبعينيات؟

بعد ثلاثة أيام من الإنكار، أقرت طهران بإطلاق صاروخ أرض – جو أسقط طائرة أوكرانية بالقرب من مطار طهران الدولي، مما أسفر عن مقتل 176 شخصًا، من بينهم مواطنون إيرانيون، وكنديون، وألمان، وسويديون. جاء هذا بعد أن اكتشف الفنيون الأوكرانيون أجزاء صواريخ في موقع الحطام، مما فضح المسؤولين الإيرانيين، الذين اعترفوا أن الخطأ وقع لأن الدفاعات الجوية كانت في حالة تأهب قصوى بعد هجوم صاروخي انتقامي على قاعدتين عراقيتين الأسبوع الماضي.

لكن هذه مجرد آخر كذبة من النظام الإيراني، مما أشعل المظاهرات ضده. وقد سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أمر في الثاني من يناير (كانون الثاني) باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، إلى تشجيع المحتجين وتحذير طهران من قمعهم. غرّد ترامب بالفارسية صباح الأحد قائلًا:

«إلى قادة إيران – لا تقتلوا المتظاهرين. لقد قتلتم أو سجنتم الآلاف بالفعل، والعالم يراقب. الأهم من ذلك، الولايات المتحدة الأمريكية تراقب. أعيدوا خدمة الإنترنت ودعوا المراسلين يتجولون بحرية! توقفوا عن قتل شعبكم الإيراني العظيم!».

ضغوط من الداخل والخارج

بالنسبة لبعض المراقبين – يشير معدو المقال – تمثل هذه الاحتجاجات العفوية تحديًا قاتلًا لقادة إيران، مع أن النظام تمكن من سحق المظاهرات سابقًا. غرد مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، وهو من دعاة إطاحة النظام، قائلًا: «إن تغيير النظام بات وشيكًا».

لكن آخرين حذروا من أن سياسات واشنطن تجاه إيران لن تسقط النظام الراسخ منذ 40 عامًا. قال حسين إيبش، خبير شؤون الشرق الأوسط بمعهد دول الخليج العربي، «لن يحدث ذلك»، إذ يرى أن المتظاهرين يمثلون قطاعًا واحدًا فقط في المجتمع الإيراني. وأضاف أن حملة الضغط القصوى التي ينتهجها ترامب قد حققت أكثر مما توقعه أي شخص في إلحاق ضرر اقتصادي قاس بالنظام، لكن التاريخ به أمثلة قليلة على نجاح الضغوط الخارجية – دون التدخل العسكري – في إسقاط الأنظمة. مشيرًا إلى أن الضغوط عززت حكم الزعماء مثل فيدل كاسترو وكيم جونج أون.

إن تفجر الغضب المفاجئ في نهاية الأسبوع يتناقض بشدة مع الوحدة الوطنية الواضحة في أعقاب مقتل سليماني – يستدرك معدو المقال – إذ هرع الملايين إلى الشوارع لحضور موكب الجنازة. في المقابل، هتف المتظاهرون في جامعات متعددة في نهاية الأسبوع «سليماني قاتل، الزعيم خائن، الموت للديكتاتور»، في إشارة إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، داعين إلى استقالة كبار مسؤولي الأمن المسؤولين عن إسقاط الطائرة ومحاولة التستر على ذلك.

الجدير بالذكر أنه بعد أيام فقط من الجنازة الضخمة، تجاهل الإيرانيون تعليمات النظام. فقد أظهرت مقاطع فيديو أن الطلاب في جامعة بهشتي في طهران يتحاشون دهس الأعلام الأمريكية والإسرائيلية التي وضعها مسؤولو النظام على الأرض. ثم جاءت ضربة أخرى عندما انشقت بطلة التايكوندو الإيرانية الحاصلة على الميدالية الأولمبية، كيميا علي زاده، قائلة إنها لا تريد أن تتواطأ مع «فساد النظام وأكاذيبه».

تضم الموجة الأخيرة من الاحتجاجات الطلاب الإيرانيين من الطبقة الوسطى، على عكس المتظاهرين من الطبقة العاملة الذين خرجوا إلى الشوارع العام الماضي. وقد يبدو حجم تعبئة الطلاب نذير شؤم للنظام، بالنظر إلى دور الطلاب التاريخي كطليعة للتغيير في إيران.

وقال علي رضا نادر، وهو زميل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: «الطلاب هم من أوصلوهم إلى السلطة، ويمكنهم أن يسقطوهم أيضًا».

تأتي الاحتجاجات الأخيرة في أعقاب مظاهرات استمرت عدة أشهر ضد سوء الإدارة الاقتصادية – يضيف معدو المقال – مما زاد من الضغط على القيادة الإيرانية المحاصرة بالفعل. إن الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر وتواجه البلاد حملة ضغط اقتصادي أمريكية. لقد حاولت إيران مرارًا إجبار الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاقية النووية لعام 2015 على منحها بعض الفوائد الاقتصادية الموعودة من تلك الصفقة – جزئيًّا عبر استئناف تخصيب اليورانيوم والاقتراب من بناء أسلحة نووية. لكن تكتيكات إيران حتى الآن لم تنجح سوى في جعل الدول الأوروبية أكثر استعدادًا لقتل الصفقة تمامًا.

حملة علاقات عامة فاشلة

أدى الغضب الشعبي إلى تقويض الجهود التي بذلها المسؤولون الإيرانيون، ولا سيما وزير الخارجية محمد جواد ظريف، لتصوير إيران على وسائل الإعلام الأمريكية على أنها ضحية لرئيس أمريكي متهور، ولجذب تعاطف الأوروبيين. وزاد احتجاز سفير بريطانيا لدى إيران لساعات، في انتهاك لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، الأمور سوءًا.

كان الدبلوماسي البريطاني قد خرج إلى الشوارع للمشاركة في ما بدأ بمثابة موكب تذكاري بعد كارثة شركة الطيران في مظاهرة في العاصمة.

كتب جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي على موقع تويتر: «نشعر بقلق بالغ إزاء الاحتجاز المؤقت لسفير المملكة المتحدة في إيران. إن الاحترام الكامل لاتفاقية فيينا أمر ضروري».

في المقابل – ينوه معدو المقال – دافع نائب وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي عن الإجراءات الإيرانية، قائلًا: «لم يُحتجز، لكنه اعتقل كأجنبي غير معروف في تجمع غير قانوني. عندما أبلغتني الشرطة بالقبض على رجل يدعي أنه من المملكة المتحدة، قلت إن هذا أمر مستحيل! فقط بعد محادثتي الهاتفية معه تعرفت إليه، ويا للمفاجأة، إنه هو. بعد 15 دقيقة كان حرًّا».

في هذه الأثناء، قضى كبار الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين الإيرانيين يوم السبت في تقديم اعتذار على موقع تويتر على إصرارهم على أن حكومتهم لم تكن مخطئة في إسقاط الطائرة. كان حميد بعيدي نجاد، سفير إيران لدى المملكة المتحدة، قد أصر على أنه من المستحيل أن تكون إيران مسؤولة عن ذلك.

كتب بعيدي نجاد يوم السبت على تويتر: «في بياني أمس أمام وسائل الإعلام البريطانية، نقلت النتائج الرسمية للسلطات المسؤولة في بلدي، والتي تقول إن الصواريخ لا يمكن أن تكون قد أطلقت وأصابت الطائرة الأوكرانية في تلك الساعة. أعتذر وآسف على نقل هذه النتائج الخاطئة».

سعى بعيدي نجاد وغيره من كبار الدبلوماسيين الإيرانيين إلى نفي اتهامات الكذب عن قيادات النظام، قائلين إن قائد الحرس الثوري الإسلامي لم يخلص إلى نتيجة نهائية حتى مساء يوم الجمعة، بعد أن أنكرت الحكومة بالفعل مسؤوليتها.

لكن ذلك لم يكن كافيًا لاسترضاء العديد من الإيرانيين، الذين خرجوا إلى الشوارع وهم يرددون شعارات تشير إلى أن إيران، وليس الولايات المتحدة، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الأزمة الحالية – خاصة بعد أن ادعت طهران كذبًا أنها قتلت 80 جنديًّا أمريكيًّا في ضربة انتقامية. إن الضربات الصاروخية على قاعدتين في العراق تضم القوات الأمريكية، اعتبرت لاحقًا غير فعالة، ولم تُحدث أي إصابات، في ضربة أخرى لمصداقية إيران.

على الرغم من أن ترامب قال مرارًا وتكرارًا إنه لا يسعى إلى تغيير النظام في إيران – يؤكد معدو التقرير – فإن تغريده النشط يتناقض مع موقفه بعدم التدخل خلال موجة الاحتجاج في العام الماضي. جاء ذلك بعد أيام فقط من تهديده بتدمير عشرات المواقع الثقافية الإيرانية بعد مقتل سليماني.

قال ترامب: «إلى الشعب الإيراني الشجاع: لقد وقفت معكم منذ بداية رئاستي، وستواصل حكومتي الوقوف معكم. نحن نتابع الاحتجاجات عن كثب. شجاعتكم ملهمة». وقدم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رسائل دعم مماثلة، إذ قال: «أمريكا تسمعكم وتدعمكم وتقف معكم».

حملة الضغوط القصوى تضر بالاحتجاجات

ولكن لا يُعرف كيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم الشعب الإيراني بحملة مكثفة من الضغط الاقتصادي. في يوم الجمعة، في أعقاب الانتقام الصاروخي الإيراني، أعلنت إدارة ترامب عن قائمة جديدة من العقوبات على بعض القطاعات الاقتصادية الإيرانية، مثل المعادن. وتأتي هذه العقوبات في مقدمة مجموعة من التدابير الأخرى التي عطلت صادرات إيران من النفط الخام – وهو مصدر رئيسي للدخل – وكذلك التدابير التي تستهدف قطاعي المالية والطاقة عمومًا.

وقال نادر إنه على الرغم من رغبة الإدارة في دعم الإيرانيين بالضغط على النظام، من الصعب رؤية أي وسيلة سهلة لفعل ذلك: «الضرر الحقيقي يأتي من العقوبات التي تقوض الاقتصاد، لسوء الحظ». في حين قال أنصار حملة الضغط القصوى إن الضغط الاقتصادي، رغم إلحاقه الضرر بالناس على المدى القصير، سيخلق شقوقًا داخل النظام يمكن أن تسرع من سقوطه.

وقد هلل حلفاء ترامب في الكونجرس للاحتجاجات، التي يرون أنها تبرير لأمر الرئيس بقتل سليماني.

كتب السناتور الجمهوري عن أركنساس توم كوتون على تويتر: «اليسار الأمريكي ووسائل الإعلام يغطيان على نظام إيران القاتل. لكن الشعب الإيراني الشجاع لا ينخدع. ليس لديهم أوهام حول الرجال الأشرار الذين يحكمونهم». في حين قال جون بولتون: «لم يكن نظام خامنئي تحت الضغط هكذا من قبل. تغيير النظام في الأفق. ويمكن لشعب إيران رؤية ذلك. لا ينبغي لأمريكا وأوروبا دعم النظام غير الشرعي أو التفاوض معه».

ويقول بعض المراقبين إن مزيج سنوات من الاستياء، وعدم الرضا الاقتصادي، ومعالجة النظام لكارثة الطائرة قد تضافرت لتخلق لحظة ضعيفة بشكل فريد للقيادة الإيرانية. وقال نادر «أعتقد أن بولتون على حق، تغيير النظام يلوح في الأفق. الأمر لا يتعلق فقط بالاحتجاجات وطائرة الركاب، بل بـ40 عامًا من الاستياء المكبوت – وكل ذلك انفجر في العامين الأخيرين».

ويؤكد إيبش أن إيران بلد متنوع سياسيًّا، مع مساحات واسعة من البلاد الموالية للنظام، ومعارضة كبيرة: «هناك العديد من الدوائر والائتلافات المختلفة في إيران، وليس من المستغرب وجود أصوات قوية للغاية في المعارضة الغاضبة من مقتل سليماني، والمعارضة الغاضبة من الحكومة، بناءً على المظالم الاجتماعية والاقتصادية للعام الماضي، والكذب المستمر. إن عدم الكفاءة يؤدي إلى اتخاذ إجراءات مثل إسقاط الطائرة».

وأضاف إيبش: «إيران في حالة صعبة في لبنان والعراق، ومن الواضح أن هناك الكثير من التوتر داخل البلاد. لكن هذه المشكلات لا تترجم بالضرورة إلى أزمة وجودية للنظام. لا أرى أي دليل على أن هذا موقف ثوري. ولا أرى أن هذا النظام سيسقط من الداخل أو الخارج».

هكذا أنقذ اغتيال قاسم سليماني النظام الإيراني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد