طرحت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تساؤلًا مفاده: هل تنتقل الانقلابات من بلد إلى آخر كما تنتقل العدوى؟ مشيرةً إلى الانقلابات التي وقعت في السنوات الأخيرة في بلدان أفريقية، ومدى تأثير التدخل الدولي للوقوف في وجه هذه الانقلابات.

يأتي ذلك في مقالٍ لجوناثان باول، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة سنترال فلوريدا، وصلاح بن حمو، طالب دكتوراة في الدراسات الأمنية بجامعة سنترال فلوريدا.

وفي مطلع مقالهما، أوضح الكاتبان أن الانقلابات التي وقعت مؤخرًا في غينيا وتشاد ومالي والسودان، أثارت انتباه مجلة «الإيكونوميست» البريطانية إلى أن عام 2021 شهد عدد انقلابات يفوق تلك التي وقعت خلال «السنوات الخمس الماضية مجتمعةً»، وبحسب مقال نشرته مؤخرًا صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الانقلابات في أفريقيا وصلت إلى «أعلى مستوياتها منذ انتهاء الاستعمار»، وشجب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الشهر الماضي ما أسماه «جائحة الانقلابات».

دولي

منذ شهر
على كف جنرال.. لماذا عادت الانقلابات العسكرية إلى أفريقيا؟

وتساءل الكاتبان: هل الانقلابات مُعدِية بالفعل؟

وأجابا: يزعم عديد من المراقبين أن السبب في «انتشار» الانقلابات يرجع إلى أن مدبِّريها الجدد يتعلمون من الإجراءات التي يتخذها الانقلابيون الآخرون، وربما لا تكون الانقلابات التي وقعت خلال هذا العام مُعدِية، من منظور أن مدبِّري الانقلابات يتعلمون التكتيكات من بعضهم بعضًا؛ لكن نجاحات بعض الانقلابات الأخيرة ربما أعطت مدبَّري الانقلابات درسًا واحدًا قيِّمًا مفاده أن: المجتمع الدولي على الأرجح لن يُدِين أفعالهم بأي طريقة مؤثرة.

 عدوى الانقلاب

يلفت الكاتبان إلى أن الباحثة الجنوب أفريقية، روث فيرست، لاحظت في كتابها «ماسورة المسدس» (The Barrel of a Gun) الصادر في عام 1970 أن «ما يفعله جيش دولة ما اليوم، ربما يفعله نظراؤهم في دولة مجاورة غدًا»، وتعتقد الباحثة أن عدوى الانقلاب تنتقل نتيجةً لشبكة العلاقات بين ذوي النفوذ المُخضرَمين (Old boy network).

وكانت الشبكات العابرة للحدود الوطنية المكوَّنة من جنود تابعين لجيوش الحقبة الاستعمارية تقلِّد ما يفعله زملاؤهم الأجانب، وفي حقبة الستينيات من القرن الماضي، وفي أعقاب الانقلابات المتتالية التي اجتاحت المستعمرات البريطانية السابقة، طرح العالم السياسي أونيانورو إس كامانو فكرة أن «الاتصالات والخبرات المشتركة» في مؤسسات مثل أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة «أوجدت درجة معينة من روح العمل الجماعي في صفوف النُّخب العسكرية المختلفة، وساعدت هذه الحقيقة في التمهيد للتأثير المتبادل العابر للحدود الوطنية».

Embed from Getty Images

ويرى خبراء آخرون أن الفصائل الخرقاء تراقب أفعال معاصريها في بلدان أخرى وتحذو حذوها، بحسب رأي بعض الخبراء، أن انقلاب جيري رولينجز عام 1981 في غانا، كان مصدر إلهام لعديدٍ من «انقلابات التابعين»، ولعل أشهرها نجاح انقلاب عام 1983 في بوركينا فاسو، والذي وضع توماس سانكارا في سدة السلطة.

ويروج بعض القادة عن عَمْد للانقلابات في دولٍ أخرى، وترددت شائعات تفيد بأن الديكتاتور الليبي السابق، معمر القذافي، روَّج لعشرات من المؤامرات لانقلاباتٍ مختلفة، ويتَّهم منتقدو الإمارات ومصر بالإقدام على سلوكٍ مماثل.

وفي عام 1975، أجرى عالِما السياسة ريتشارد بي واي لي، وويليام آر طومسون، أول فحص منهجي لنظرية عدوى الانقلابات باستخدام عينة عالمية، وتوصَّلا إلى أن وقوع الانقلابات كان أكثر احتمالًا في بلد ما بعد حدوث انقلاب في بلد آخر.

وأمعن عالِما السياسة فابريس ليهوك، وأنيبال بيريز لينان، النظر في الانقلابات التي وقعت في أمريكا اللاتينية على مدى 106 سنوات، ووجدا أن وقوع انقلابات في بلد ما قلَّل من احتمالية حدوث انقلابات في بلدان مجاورة؛ قارِن هذا بالنتائج التي توصَّل إليها عالِما السياسة جيمس لوتز وتورمود كيه لوندي في أفريقيا، والتي تشير إلى أن الانقلابات الأخيرة في دولة ما زادت من احتمالية حدوث انقلابات في دول مجاورة، ومؤخرًا، لم يجد مايكل كيه ميلر ومايكل جوزيف ودوروثي أوول أي علاقة بين الانقلابات التي وقعت مؤخرًا في بلد ما والانقلابات التي وقعت بعد ذلك في بلدان أخرى حول العالم.

نتائج تخطئ الهدف

يشير الكاتبان إلى أن الحجج المؤيدة لفكرة عدوى الانقلابات غالبًا ما تغفل عن أهمية ما يحدث بعد وقوع الانقلاب، وإليكم هذا المثال: لم تظهر حركة الضباط الأحرار المصريين عام 1952 على أنها «مُعدِية» إلا بعد مرور سنوات؛ بعد صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر بصفته أيقونة إقليمية (زعيم الأمة العربية)، وقد نتوقع انتشار عدوى الانقلابات فقط عندما يجد المراقبون الأجانب للانقلابات أن هناك سابقة جديرة بالمحاكاة، ومن دون إدراك ديناميكيات ما بعد الانقلاب، فمن غير المرجح أن تتوصَّل الدراسات إلى الظروف التي أدَّت إلى وقوع الانقلابات.

Embed from Getty Images

بعبارة أخرى، من المحتمل ألا تتمكن بعض الاختبارات الإحصائية من توضيح كيفية انتشار عدوى الانقلابات، وعلى وجه التحديد، غالبًا ما تفحص الاختبارات «التجريبية» إطارًا زمنيًّا قصيرًا، ومن بين الانقلابات التي من المحتمل أن تكون مستوحاة من انقلاب الضباط الأحرار المصريين الذي وقع عام 1952، انقلاب الضباط الأحرار في العراق الذي وقع بعد ست سنوات، وانقلاب الضباط الناصريين الذين أطاحوا إمامة اليمن، والذي وقع بعد 10 سنوات، وانقلاب ضباط ليبيا الأحرار (ثورة الفاتح) بقيادة القذافي، الذي وقع بعد 17 عامًا وتولى القذافي السلطة على إثره.

لكن الأفق الزمني القصير (عادةً ما يكون ثلاث سنوات أو أقل)، الذي يشير إلى تأثير عدوى الانقلابات في الاختبارات الإحصائية، يشير إلى أن انقلاب الضباط الأحرار في مصر لم يؤثر في أي انقلابات حدثت بعده.

ويمكن أن تتخذ الحكومات أيضًا إجراءاتٍ وقائية لإحباط الانقلابات، وبعد وقوع انقلاب مصر عام 1952، تبنَّت ممالك الشرق الأوسط عديدًا من إستراتيجيات «منع الانقلاب».

على سبيل المثال، ألقت السلطات الأردنية القبض على عديد من الأفراد بتهم التخطيط لقلب نظام الحكم، والتي من المحتمل أن تكون ملفقة، وهو تكتيك يبدو أن الأردن لجأ إليه أيضًا في وقت سابق من هذا العام، وعقب الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، استخدم كورتيس بيل وجوناثان باول، أثناء الكتابة لمدونة «ذا منكي كيدج» (The Monkey Cage) التي تنشرها «واشنطن بوست»، البيانات عبر الوطنية لتوضيح أن الاعتقالات التي تحدث على إثر أي انقلاب تزداد عندما تحدث محاولات انقلاب حديثة في بلدان مجاورة.

عدوى الانقلاب وعام 2021

ما مدى أهمية ذلك بالتحديد؟ إن إدراك هل الانقلابات مُعدِية أم لا أمر مهم لأنه يشير إلى أن الأطراف الأخرى – بما في ذلك المتآمرون المحتملون في بلدان أخرى – قد تولي هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، وما يحدث في أعقاب أي انقلاب يمثل أيضًا إشارة مهمة لمدبِّري أي انقلاب محتملين.

يجادل الخبير السياسي إيزاكا كيه سواري بأن الاتحاد الأفريقي لعب دورًا محوريًّا في وضع قواعد مناهضة للانقلاب من خلال توقيع عقاب على قادة الانقلابات في جميع أنحاء القارة السمراء، وتفيد الدراسات اللاحقة بأن التكاليف السياسية لانتهاك مثل هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الأفريقي ربما أسهمت في تقليل وقوع انقلابات في أفريقيا.

Embed from Getty Images

تشير ميجان شانون والمؤلفون المشاركون إلى أن الدول والمنظمات الدولية الأخرى في فترة ما بعد الحرب الباردة كانت أكثر استعدادًا من أي وقت آخر لمعاقبة الانقلابات، ووجد كلايتون تاين وزملاؤه أن ردود الفعل القاسية من الناخبين المحليين والمجتمع الدولي أجبرت قادة الانقلابات على التراجع عن المشهد السياسي.

وتساءل الكاتبان: هل المعايير المناهضة للانقلاب تضعف ويصيبها الوهن؟ يبدو أن جميع المنظمات الدولية ذات الصلة، لا سيما الاتحاد الأفريقي، تجاهلت انقلاب زيمبابوي عام 2017، وتبنَّت الانقلابات التي وقعت مؤخرًا نمطًا مماثلًا في بعض الأحيان، وفي أكتوبر (تشرين الأول)، وصف الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش تلك «البيئة التي يشعر فيها بعض القادة العسكريين بأنهم يتمتعون بحصانة كاملة»، ودعا المجتمع الدولي إلى السعي لإيجاد «ردع فعَّال» للوقوف في وجه الانقلابات.

ويشترك انقلاب الشهر الماضي الذي وقع في السودان في بعض أوجه التشابه المحلية مع انقلابات أخيرة وقعت في بلدان أخرى؛ لكن مدبِّري الانقلابات يتعلمون من الانقلابات السابقة وربما يكون الضباط السودانيون مثل عبد الفتاح البرهان لم يضعوا رد الفعل الدولي على انقلابهم في نصابه الصحيح.

وما حدث في مصر عام 2013 قد يمثل خلفية مرجعية أكثر منطقية لقادة انقلاب 25 أكتوبر في السودان؛ إذ لم يواجه عبد الفتاح السيسي أي عواقب ذات مغزى بعد أن أطاح بالرئيس المصري محمد مرسي في يوليو (تموز) من ذلك العام،  بينما أشار وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جون كيري، إلى الانقلاب بأنه «استعادة للديمقراطية»، وربما يكون هذا النوع من الاستجابة الدولية قد أثَّر في اعتقاد البرهان أن بإمكانه أن يعرقل التحول الديمقراطي في السودان دون تداعيات كما حدث في مصر، بحسب ما يختم الكاتبان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد