قالت أنشال فوهرا على موقع «فورين بوليسي»: إن بشار الأسد، رئيس النظام السوري العنيد، قد لا يحاكم أبدًا، على الأقل ليس طالما أن رعاته الروس لا يرغبون في استبداله. لكن المحاكمة الجارية في محكمة ألمانية بمدينة كوبلنز الهادئة ضد اثنين من مسؤولي النظام، أنور رسلان وإياد الغريب، تنهي آمال الأسد في تطبيع أوروبا العلاقات مع نظامه في أي وقت قريب.

تمنح المحاكمة أيضًا ملايين اللاجئين السوريين في ألمانيا، الذين عاشوا في ظل الخوف من احتمال إجبارهم على العودة إلى بلدانهم الأصلية، أمل أن يدرك مضيفوهم أخيرًا ضعفهم. كشفت المحكمة – في شهادات الناجين من التعذيب في السجون السورية، وأقارب القتلى، والخبراء – عن مدى جرائم الحكومة السورية ضد الإنسانية. لأول مرة – تشير فوهرا – يمكن أن يدرك العالم كيف أصبحت الفظائع تحت قيادة الأسد روتين الحياة.

بعد قيصر.. يأتي الشاهد «زد Z»

في 9 سبتمبر (أيلول) تلقت المحكمة أهم شهادتها حتى الآن. كان ذلك عندما أدلى متعهد دفن سوري، وهو جزء من فريق دفن عددًا لا يحصى من الجثث المشوهة، بشهادته حيث وصف كيف تم إحضار الجثث ليس فقط من الخطيب، وهي مديرية مخابرات أمن الدولة بقيادة رسلان في دمشق والمعروفة أيضًا باسم الفرع 251، ولكن من إدارات متعددة في جهاز المخابرات السورية، بما في ذلك التابعة للجيش، بين عامي 2011 و2017. للحفاظ على سلامة عائلته في سوريا، ظهر الرجل ووجهه مغطى ويوصف بالشاهد «زد».

عربي

منذ شهر
الفيلق الخامس.. هل تخلق روسيا حاكمًا جديدًا في سوريا بجوار الأسد؟

كان نشطاء محليون وعالميون قد أبلغوا سابقًا عن تعذيب واسع النطاق للسكان المدنيين – تؤكد فوهرا – وكان مصور عسكري يُدعى قيصر قد سرب بالفعل 50 ألف صورة كدليل على التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء. كانت مساهمة «زد» هي رسم صورة لما تبع ذلك. فقد أخبر المحكمة عن حالة الجثث وما حدث لها وبأمر من. وقد حصلت فورين بوليسي على نسخة من شهادته كاملة.

قال الشاهد: «كانت هناك أنهار من الدماء وديدان تنضح من الجثث. وذات مرة، لم أستطع أكل أي شيء لأيام. تحللت بعض الجثث تمامًا وأصبح من المستحيل التعرف على هوية أصحابها، وكأنها شُوهت عن عمد بمواد كيميائية. كانت الرائحة الكريهة للجثث المتعفنة هي أكثر ما أزعجني ولم تزل كذلك».

تعتبر شهادة المتعهد بمثابة قطرة في بحر جرائم النظام الذي اعتقل المتظاهرين السلميين وأي شخص كان إما مع المعارضة أو بدا مؤيدًا لها، وعذبهم في مراكز الاحتجاز والسجون، وأعدم الكثيرين منهم، ودفنهم في مقابر جماعية. كان «زد» جزءًا من الفصل الأخير – تنوه فوهرا. بسبب عدم تحمله رائحة الجثث، جرى تكليفه بنقل الرجال الذين دفنوا الجثث، وأيضًا تدوين أعداد القتلى في فرع المخابرات الذي جرى إحضارهم منه، وأي دوائر المخابرات المسؤولة عن قتلهم.

Embed from Getty Images

كان الشاهد في السابق جزءًا من الإدارة السورية في محافظة دمشق ودفن أولئك الذين ماتوا لأسباب طبيعية حتى بدأت الانتفاضة في عام 2011. بعد أشهر قليلة من اندلاع احتجاجات مناهضة للنظام في سوريا، تواصل معه ضابطا استخبارات لقيادة شاحنة بدون لوحة ترخيص ومغطاة بملصقات الأسد إلى مقابر على أطراف المدينة.

في هذه الشاحنة، مع ثمانية إلى 12 رجلًا آخر، كان يقود سيارته أحيانًا مباشرة إلى مقبرتي نجها وقطيفة، وفي مناسبات أخرى انتظر أولًا في مستشفيات تشرين وحرستا العسكرية. شاهد «زد» هناك شاحنات مبردة بطول 35 قدمًا محشوة بما يتراوح ما بين 200 و700 جثة، وعادة ما يرافقها ضابط عسكري واحد على الأقل، ويتبعها إلى المقابر.

وأشار إلى أن المقابر بدت وكأنها معسكرات بها وحدات جيش مختلفة. وقد جرى حظر دخول المدنيين. وكانت هناك نقطة تفتيش عند التقاطع تؤدي إلى أحد مواقع الدفن، يديرها ضابط برتبة عقيد، الذي كان لديه تعليمات بتفتيش الشاحنة والسماح لها بالمرور.

إهانة القتلى على نحو ممنهج

في المقابر – تكشف فوهرا – قام زملاء «زد»، الذين استأجرهم النظام أيضًا، بفتح الشاحنات المبردة وألقوا الجثث بطريقة غير منظمة في خنادق يبلغ عمقها ستة أقدام وطولها بين 160 إلى 330 قدمًا. بعد حوالي 40 إلى 50 حمولة، كانت الحفرة تمتلئ. على مدى أربع مرات في الأسبوع، ولمدة ست سنوات على الأقل، جرى دفن آلاف الجثث دون تكريم. أو حضور أقارب، وبلا صلاة، بل حفرة كبيرة في الصحراء الشاسعة في الريف.

وأكد الشاهد ادعاءات قيصر، المصور العسكري الذي صور الجثث، عندما قال للمحكمة: إن كل جثة عليها رقم المخابرات أو الفرع العسكري مكتوب على الجبهة والصدر.

في المقابر، ساعد «زد» ضباط النظام في حصر أعداد القتلى ومن أين أتت الجثث. وقد قام بتسمية بعض أكثر أفرع المخابرات رعبًا في البلاد، مثل «الخطيب، وفرع فلسطين، ومخابرات القوات الجوية، بما في ذلك المخابرات العسكرية – ومن جميع الإدارات التابعة للنظام السوري».

بسبب حساسيته لرائحة الأجساد المتعفنة – تضيف فوهرا – ظل «زد» على بعد عشرات الأمتار من الخنادق. لكن أولئك الذين قتلوا في سجن صيدنايا سيئ السمعة لم تشم رائحتهم. قال الضابط الذي أحضر جثث صيدنايا من المستشفيات لـ«زد» إن السبب هو أنهم قتلوا في نفس اليوم. كانت لم تزل جثثهم دافئة، مع علامات تعذيب شديدة الوضوح. وكان الكثير منهم مقيدون. أكد «زد» النتائج التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية غير الحكومية، «كانت هناك علامات الإعدام على أعناقهم».

خلص تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في عام 2017 إلى مقتل آلاف الأشخاص في عمليات شنق جماعي في صيدنايا بين عامي 2011 2015. واستغرقت محاكمة هؤلاء الضحايا من دقيقة إلى ثلاث دقائق في محكمتين عسكريتين ميدانيتين، وسميت الأيام التي نفذت فيها سلطات السجن عمليات القتل باسم «الحفل».

قام فيليب لوثر، مدير البحوث والدعوة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، بإحصاء العديد من التأكيدات في شهادة المتعهد، بما في ذلك الإطار الزمني وطريقة القتل. ووجد تقرير منظمة العفو أن أعلى المستويات في الحكومة أذنت بارتكاب جرائم القتل: «تمت الموافقة على أحكام الإعدام من قبل المفتي العام لسوريا، ومن قبل وزير الدفاع أو رئيس أركان الجيش، الذين يجري تفويضهم للعمل نيابة عن بشار الأسد».

Embed from Getty Images

قال باتريك كروكر، محامي الدفاع في قضية كوبلنز والمستشار القانوني الأول لشؤون سوريا في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، إنه لا يوجد دليل على توقف النظام السوري عن ارتكاب هذه الجرائم – في الواقع، تؤكد الشهادة عكس ذلك. وقال إن المحاكمة ستؤثر على السياسة الأوروبية الأوسع بشأن سوريا. على سبيل المثال – تشير فوهرا – قال كروكر إن فكرة تطبيع العلاقات مع مثل هذا النظام أمر مثير للاشمئزاز، وأضاف: «يقدم شخص ما دليلًا على أن المقابر الجماعية كانت لم تزل قيد الحفر حتى عام 2017 على الأقل. هذا هو نظام الأسد».

كما سلط الضوء على الأهمية القانونية الدائمة للمحاكمة وما تم الكشف عنه في مثل هذه الشهادات، وقال إن الأدلة المقدمة الآن ستسهل المحاكمات المستقبلية ضد مسؤولي النظام إذا جرى القبض عليهم وهم يسافرون إلى أوروبا. «لا تشكل أعمال التعذيب الفردية جريمة ضد الإنسانية إلا إذا تم ارتكابها في سياق محدد، وهو هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين. تثبت شهادة «زد» أن الجرائم كانت منهجية».

في نهاية المحاكمة، حتى لو كان الانتصار رمزيًا وتمت إدانة اثنين فقط من مسؤولي النظام ذوي الرتب المتوسطة، يعتقد الخبراء أن الأدلة بدأت في التأثير على سياسة اللاجئين في ألمانيا. في ضوء هذه الشهادات، يصعب على الشعبويين المطالبة بعودة اللاجئين إلى سوريا.

قال بينت شيلر، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة هاينريش بول، إن وزراء داخلية الولايات الفيدرالية في ألمانيا يناقشون كل ستة أشهر إمكانية إعادة اللاجئين: «لكن مما نسمعه في المحاكمات حول كل ما يحدث في سوريا، من المستحيل تمامًا ترحيل الأشخاص»، مضيفًا أن هناك أملًا في أن تؤدي المحاكمة إلى تخفيف المواقف الألمانية تجاه اللاجئين. «لا أحد يستطيع أن يقول إنهم لم يسمعوا عن ذلك، وأنهم لم يكونوا على علم بما يجري».

يسمع الأوروبيون المزيد عن محنة السوريين الطويلة الأمد وأنهم فروا ليس فقط من القنابل وغيرها من ويلات الحرب، ولكن أيضًا من التعذيب والقتل الوحشي من قبل النظام. تُظهر شهادات مثل «زد» كيف أن عمليات القتل لم تكن أفعالًا عشوائية من قبل بعض الضباط، بل كانت جرائم نظمتها العديد من الهيئات الحكومية، حيث لم يكن لدى الرجال مثل «زد» في أسفل السلسلة القيادية خيار سوى اتباع الأوامر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد