أجرت كيلي جريفين من مجلة «فورين بوليسي» حوارًا مع ديفيد راندل، السفير الأمريكي السابق لدى الرياض، والخبير في الشأن السعودي، حول عواقب بدء إدارة بايدن في إعادة تقييم العلاقات مع السعودية.

أوضحت جريفين في مستهل تقريرها عن المقابلة أن إدارة بايدن قد أصدرت مؤخرًا تقريرًا استخباراتيًّا يفصل تقييم مجتمع المخابرات الأمريكية للدور المركزي لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في قتل كاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست» جمال خاشقجي. الرئيس الأمريكي جو بايدن، بعد أن رفض سابقًا التحدث مع ولي العهد، وتعهد بإعادة تقييم العلاقات الأمريكية مع الرياض، مهد الطريق لمواجهة محتملة مع أحد أكبر منتجي النفط في العالم ومفتاح للاستقرار في الشرق الأوسط، حيث تتطلع إدارة بايدن إلى الهروب من المنطقة والتحول إلى آسيا.

تحدثت «فورين بوليسي» إلى ديفيد راندل حول ما يدعم العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وما أصاب أو أخطأ فيه بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب، وكيف ستبدو العلاقات الثنائية في المستقبل.

كيف سيؤثر التقرير في العلاقات مع السعودية؟

يرى راندل أن التقرير له تأثير سلبي في العلاقة. صرح السعوديون بأن التقرير غير دقيق أو مقبول، لذلك من الواضح أنه لا يساعد في توطيد العلاقة. لقد طلب الكونجرس إصدار التقرير، لذا لم يكن ثمة خيار أمام بايدن حقًّا، لكن لا شك في أن نشر تقرير كهذا سيضر بالعلاقة المهمة؛ مما سيضر بالمصالح الأمريكية.

كيف يمكن وصف العلاقة بين البلدين في عهد الرئيس السابق ترامب؟

قال راندل إن العلاقات الأمريكية السعودية موجودة منذ 75 عامًا، وتحددها مجموعة من المصالح المشتركة. توفر هذه المصالح قضبان حماية، إذا صح التعبير، على جانبي العلاقة. فالبلدان لهما مصلحة في استقرار أسواق النفط. ويرغبان في رؤية نهاية للنزاع العربي الإسرائيلي؛ إذ لم يشاركا قط في الحروب العربية الإسرائيلية. لقد قادا العالم العربي في محاولة حله، حيث طرح كل من الملك فهد بن عبد العزيز والملك عبد الله خطط سلام، وهو ما أكده الملك سلمان بعدهما.

على مدى السنوات العشرين الماضية، كان هناك تعاون مكثف في مكافحة الإرهاب بين المملكة والولايات المتحدة، وفي السنوات الأخيرة، بدأ السعوديون في الترويج لوجهة نظر أكثر اعتدالًا عن الإسلام، وهذا أمر مهم لأنهم يتزعمون العالم الإسلامي من مكة. لذا فإن الرسالة التي تأتي من هذا المنبر، والتي يستمع إليها أكثر من مليار شخص كل يوم، تحدث فرقًا.

لذا فإن مصالح البلدين تتوافق في كثير من الأحيان، والسبب في ذلك حقًّا هو أن كليهما يمثل قوى لا يستهان بها. لدى كل من السعودية والولايات المتحدة الكثير لتخسره. كلا البلدين يحبان السلام والاستقرار. وهذا يوفر حواجز حماية للعلاقة بينهما.

ولكن في المقابل – يستدرك راندل – فإن سياستنا الخارجية تعتمد على الموازنة بين مصالحنا وقيمنا. وعندما يتعلق الأمر بالقيم، فإن السعوديين يشاركوننا القليل جدًّا منها. بل تقريبًا لا شيء. إنها ملكية محافظة ونحن جمهورية علمانية ليبرالية. لذا فإن قيمنا ليست متطابقة بشكل وثيق، وهذا يخلق توترًا مستمرًّا في العلاقة، والذي يشبه كرة صغيرة ترتد دائمًا بين القضبان الحامية.

لذلك تركز الإدارات المختلفة بطرق متباينة على القيم. بعضها موجه جدًّا للمصالح، والبعض الآخر يميل جدًّا نحو القيم. لكن إمساك العصا من المنتصف هو السبيل الأفضل. إن السياسة الخارجية الأمريكية الموجهة توجهًا كليًّا نحو المصالح أو الموجهة بالكامل نحو القيم قد لا تنجح على المدى الطويل.

قد يجادل البعض بأن إدارة ترامب كانت تميل بالكامل صوب المصلحة، ويبدو أن إدارة بايدن قد تكون موجهة توجهًا مفرطًا نحو جانب القيمة. وهو يعتقد أن هذا غير مفيد للمصالح الأمريكية.

ولكن هل ما زالت أمريكا في حاجة إلى السعودية؟

يؤكد راندل أن أهمية المملكة العربية السعودية وأسواق النفط العالمية ستبقى كبيرة بالنسبة لأمريكا. والسبب في ذلك هو أن الولايات المتحدة وأوروبا قد تعتمدان تمامًا على الكربون ذات يوم ولا تستوردان نفطًا سعوديًّا، لكن بقية العالم سيظل يستورده، وفكرة أن الولايات المتحدة لن تحتاج إلى أي نفط هي فكرة ساذجة، بل سوف تحتاج إليه لإدارة اقتصادها لفترة طويلة جدًّا. وحتى لو حصل الجميع على سيارة كهربائية، فلا يزال هناك الكثير من الأشياء التي تحتاج إلى النفط. ولما كان يجري تداول النفط في السوق العالمية؛ لذا فإن سعره سيؤثر في ما ندفعه مقابل الطاقة هنا في الولايات المتحدة.

والأهم من ذلك، أن أسعار النفط المرتفعة تضر بالدول الفقيرة. عندما ترتفع أسعار النفط، يتضرر النمو في البلدان الأقل تقدمًا بدرجة أكبر بكثير مما هو عليه في اقتصاد شديد التنوع ومتطور مثل الولايات المتحدة. لذا، فلو حدث شيء ما لإنتاج النفط السعودي، ستكون هذه أنباء سيئة، ومن المؤكد أنه سيؤثر في حلفائنا الإستراتيجيين في آسيا مثل كوريا الجنوبية أو اليابان، اللتين يتعين عليهما استيراد النفط من المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط. لذلك، فيما يتعلق بالطاقة، سنحتاج إلى الاستقرار السعودي لفترة طويلة.

ما تبحث عنه هو الاستقرار في السعودية – يضيف راندل – لأن النظام السعودي يدير إنتاجه النفطي بطريقة مسؤولة. إن أسلوبهم فريد في العالم؛ إذ يحتفظون بسعة زائدة يمكن استغلالها بالزيادة أو النقص عند الحاجة، للتعويض عن الكوارث الطبيعية أو الحرب. لذا فهم يوفرون وسادة. وإذا فُقد الاستقرار في المملكة، فمن السهل جدًّا أن تفقد تلك الوسادة. إذا جرى إخراج الإنتاج السعودي البالغ 10 ملايين برميل يوميًّا من السوق، فلن يتمكن أحد من تعويضه، وسنرى ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار.

أخيرًا، بعض الناس، بسذاجة شديدة، يقولون: «حسنًا، إذا انهار النظام السعودي، فلن يحدث ذلك أي فرق لأن من تولى المنصب سيظل مضطرًّا لبيع نفطه». ولكن مثلما ذُكر سابقًا، لا نعلم أن النظام القادم سيكون مستقرًّا سياسيًّا وقادرًا على إنتاجه. وثانيًا، لا نعرف ما إذا كانوا سيستثمرون للحفاظ عليه لمدة طويلة من الزمن. لكن الأهم من ذلك، أن النظام الذي سيخلف النظام الملكي لن يكون ديمقراطيًّا ليبراليًّا علمانيًّا، بل نوعًا من النظام الإسلامي. إذا سيطر على البلاد بالعنف، فسيكون شيئًا مثل القاعدة أو داعش. وإذا سيطر عليها من خلال الانتخابات، فسيكون مثل الإخوان المسلمين.

إن هذه الجماعات لا تتشارك مع أمريكا المصالح أو القيم، وبالتالي فإن فكرة أن داعش أو القاعدة أو الإخوان المسلمين يمكن أن يكونوا مسؤولين عن أرامكو ليس بالموقف الذي يتمناه أي شخص في واشنطن. بالكاد يمكن تخيل ما سيفعله هؤلاء الأشخاص بالأموال التي سيحصلون عليها من إدارة صناعة النفط السعودية. لن يكون شيئًا في صالح أمريكا، ولن يكون دعمًا لأنظمة معتدلة مثل الأردن، أو مصر، أو البحرين، أو تونس، أو حتى المغرب.

يعتقد راندل أن الاهتمام بالنفط سيبقى. وللسعوديين مصلحة أكيدة في دفع النزاع العربي الإسرائيلي إلى الأمام. لقد قاموا بإيماءات كثيرة تجاه إسرائيل، ودعموا، من وراء الكواليس، دولًا أخرى للتطبيع مع إسرائيل، وعندما يكون هناك إجماع في العالم العربي، فإنهم سيطبعون أيضًا. لا يمكنهم فعلًا الظهور في المقدمة بسبب دورهم بوصفهم حماة للإسلام، لكنهم بالتأكيد يشجعون الآخرين بهدوء على فعل ذلك. وما كانت البحرين والإمارات لتنفذا اتفاقات إبراهام لو كان السعوديون قد اعترضوا على ذلك بحزم.

كيف سيبدو شكل العلاقة في المستقبل؟

يواصل راندل حديثه بأن المملكة العربية السعودية ظلت أكثر استقرارًا مما توقعه كثيرون لسنوات عديدة. لكنها اليوم أقل استقرارًا لأنها تمر بتغيرات مؤلمة للغاية؛ تغييرات في اتجاه شجعتهم أمريكا عليه منذ فترة طويلة. الإصلاحات الاجتماعية في المملكة عميقة للغاية. لقد أصبح تمكين المرأة بالفعل تطورًا كبيرًا هناك؛ فلم يعد بوسع المرأة الآن القيادة فحسب، بل يمكنها أيضًا ممارسة الرياضة. لقد ألغوا معظم قواعد الوصاية، التي كانت تفرض على المرأة الحصول على إذن من والدها أو زوجها للذهاب إلى الكلية، والسفر إلى الخارج، والحصول على جواز سفر، وفتح حساب مصرفي، وبدء مشروع تجاري، والخضوع لولادة قيصرية. وجرى تحجيم سلطة الشرطة الدينية على نحو جذري.

وأضاف راندل أن هذه التغييرات حقيقية للغاية. لكن البعض عارضها. فظهرت حاجة إلى شخص يتسم ببعض القسوة لتحقيق هذه الأشياء. ملوك آخرون لم يكونوا على استعداد لمواجهة الشرطة الدينية، على عكس الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان. لقد قاما أيضًا بمكافحة الفساد، ويحاولان إصلاح الاقتصاد من خلال تنويعه بعيدًا عن النفط، وهذا ليس بالأمر السهل، لكنهم يبذلون جهودًا أكثر استدامة ونجاحًا مما حدث في الماضي. إنهما لا يحاولان إضفاء الطابع الديمقراطي على السعودية، بل لقد ساروا في الاتجاه المعاكس على الجبهة السياسية، لكن تغييراتهم الاقتصادية والاجتماعية حقيقية ويجب على أمريكا دعمها.

مواقع صديقة

منذ شهر
ديفيد هيرست: أهم مستشاري بايدن للمنطقة مرتبطون بالإمارات ويساعدون ابن سلمان

لقد تمتعت المملكة العربية السعودية بالاستقرار لأربعة أسباب حقًّا. أولًا – يكشف راندل – تمتلك العائلة المالكة الشرعية التاريخية لأنها أسست البلاد. ثانيًا، لديهم آلية ناجحة لتداول السلطة. ثالثًا، لقد حافظوا على التماسك بين النخبة. ورابعًا، قدموا حكومة ذات كفاءة بشكل معقول للشعب، وهو ما يعني حقًّا الأمن والازدهار والتغيير الاجتماعي بوتيرة يقبلها معظم الناس.

لكن كل هذه الأشياء تتعرض الآن للتحدي من خلال التغييرات التي تحدث، وبالتالي فإن البلد أقل استقرارًا مما كان عليه. ويقول راندل إنه لذلك فإن جهود واشنطن لشيطنة ولي العهد – الذي يحظى بشعبية كبيرة في المملكة العربية السعودية لدى معظم الناس – لا تساعد في استقرار السعودية. إذا اختل استقرار النظام الملكي السعودي، فلن تتحول البلاد إلى كندا مثلًا، بل ستصبح شيئًا أسوأ. لذلك، لا بد من توخي الحذر، وما فعلته أمريكا حتى الآن قد أضر بالعلاقة، وهذا أمر مؤسف.

ويقول راندل صراحة إنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاهل مقتل جمال خاشقجي، أو سجن المعارضين السعوديين. لا يمكن تجاهل التكلفة الإنسانية للحرب في اليمن. هذا جزء من هوية أمريكا، ويجب أن تتشبث بقيمها.

وفي الوقت نفسه، ثمة حاجة إلى إيجاد طريقة للإبقاء على العلاقة مع المملكة العربية السعودية لتحقيق المصالح ودعم القيم. إذا قطعت العلاقات، فهذا لن يساعد. كان أحد الانتقادات الموجهة لإدارة ترامب أنها أهملت التحالفات التقليدية، وقد ظل التحالف مع السعودية جيدًا لفترة طويلة. وليس هناك حاجة إلى تدمير ذلك. يجب إعادة بناء التحالفات مع أوروبا، مع الحفاظ على التحالفات في الشرق الأوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد