نشرت مجلة جاكوب تقريرًا أعده أليكس جراف، الكاتب الحر الذي تخرج من جامعة ولاية كاليفورنيا، عن العلاقة التي تجمع بين عالم العملات المشفرة والمشرِّعين الأمريكيين. وخلُص الكاتب إلى أن صناعة سلسلة الكُتَل تخضع لمزيد من التدقيق، ولكن هذا لا يمنع مصالح التشفير من حشد حلفاء في أروقة السلطة في واشنطن.

حملات ترويجية

يستهل الكاتب تقريره بالقول: استحوذت العملات المُشفَّرة على الأضواء على الصعيد الوطني في نهاية هذا الأسبوع؛ إذ روَّجت شخصيات بارزة للأموال الرقمية أمام ملايين المشاهدين في إعلانات «السوبر بول» (وهي مباراة البطولة السنوية للرابطة الوطنية لكرة القدم) ذات الميزانية الكبيرة. وعزَّزت هذه اللقطات الحملة المستمرة التي تهدف إلى تصوير العملات المُشفَّرة باعتبارها وسيلة للحدِّ من أوجه عدم المساواة في الدخل والثروة في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك تمتلك العملات المُشفَّرة مثل البيتكوين الآن أعلى نسبة (1%) من الأشخاص الذين يحققون معظم المكاسب، وتعني التقلبات الشديدة في العملات المُشفَّرة أن معظم الأشخاص الذين يتاجرون في العملات الرقمية يستخدمونها بوصفها استثمارات تقوم على المضاربة. وعلاوةً على ذلك يستهلك إنشاء عملات مشفرة كثيرًا من الطاقة لدرجة أن لهذه العملية الآن بصمة كربونية (إجمالي الغازات الدفيئة الناتجة عن انبعاثات تصنيع العملة المشفرة) أكبر من بلدان بأكملها.

ويلفت التقرير إلى أنه نظرًا لأن المُشرِّعين الأمريكيين يفكِّرون في كبح جماح التشفير من خلال زيادة سَنِّ اللوائح وفرض الضرائب على المعاملات المالية، فضلًا عن وجود خيار عام للعملة الرقمية، تعمل هذه الصناعة على إقامة علاقات وثيقة مع حلفاء في واشنطن. ووفقًا لاستعراض صحيفة «ديلي بوست» لبيانات تمويل الحملة التي نظمتها مؤسسة «أوبن سيكرتس»، اختلست المصالح المتوافقة مع التشفير ما يربو على 200 ألف دولار لصالح النائب عن ولاية مينيسوتا توم إمر، وهو عضو جمهوري رفيع المستوى في البرلمان الأمريكي. وفي الوقت ذاته، كان تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، يحقق أرباحًا من الاستثمارات في التشفير والأعمال التجارية ذات الصلة.

وفي المقابل أصبح مُشرِّعون مثل إمر وكروز أبواق دعاية تلهث وراء صناعة العملات المُشفَّرة؛ ما أسفر عن اعتراضهم على الإصلاحات المنطقية، وتفنيدهم للمزاعم المثيرة للشك فيما يتعلق بفوائد تعدين سلسلة الكُتَل.

أموال خاصة رقمية.. وهمية

ويضيف التقرير: ظهرت عملة البيتكوين، وهي أول عملة مُشفَّرة وأكثر العملات المشفَّرة شهرة، على الساحة عام 2009. وبعد أن بدأت قيمتها بواقع صفر دولار لكل عملة، تبلغ قيمة البيتكوين حاليًا أكثر من 43 ألف دولار لكل عملة، بعد أن بلغت ذروتها عندما تجاوزت 64 ألف دولار لكل عملة مؤخرًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.

Embed from Getty Images

وتعتمد كل عملة مشفَّرة على سلسلة كُتَل، وهي تكنولوجيا مسؤولة عن التحقُّق من المعاملات المالية وتسجيلها في سجل حسابات رقمي. ومع أن الأفراد يمكنهم شراء العملات المُشفَّرة وبيعها مثل بيع أسهم شركة ما وشرائها في البورصة، تُعد سلسلة الكتل هذه بمثابة العملية التي يُتحقَّق من خلالها من هذه المعاملات. وإذا كان العاملون في مجال التعدين هم أول مَنْ يتحقق من معاملة ما، فسوف يكافأون على عملهم بعملة معدنية.

وعلى مدار العام الماضي، دعت إليزابيث وارن (عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس) جاري جينسلر، رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، وجانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية، إلى فرض مزيد من الرقابة والتنظيم على العملات المُشفَّرة. وكانت إليزابيث وارن من أشد منتقدي التقلُّبات الشديدة للعملات المُشفَّرة والخطر الذي تُمثِّله هذه المشكلات على صغار المستثمرين.

كما وصفت إليزابيث عملات البنك المركزي الرقمية، وهي نوع من الخيارات العامة لصناعة العملات الرقمية، بأنها تُعد بديلًا يتسم بمزيد من الاستقرار والموثوقية لما تطُلِق عليه النائبة «الأموال الخاصة الرقمية الوهمية».

تقنين العملات المشفرة

وفي الوقت ذاته، بحسب التقرير، تتودَّد صناعة التشفير إلى المشرِّعين في واشنطن، لا سيما توم إمر في مجلس النواب الأمريكي. وخلُص تحليل أجرته صحيفة ««ديلي بوستر» لبيانات تمويل الحملة التي يعود تاريخها إلى الدورة الانتخابية لمجلس النواب عام 2016 إلى أن إمر قَبِلَ ما لا يقل عن 211 ألف دولار في إسهامات لجنة العمل العام من الشركات التي تتاجر في التشفير أو تتوافق ماليًّا مع هذه الصناعة. وهذا يتضمن 43 ألف دولار خلال الدورة الانتخابية لعام 2016، و74 ألف دولار في دورة انتخابات عام 2018، و67 ألف دولار في دورة عام 2020، و27 ألف دولار حتى الآن في دورة عام 2022.

ويؤكد التقرير أن هذه الإسهامات وردت من شركات مثل شركة «جولدمان ساكس»، و«إل بي إل فاينانشال»، و«فيديليتي للاستثمارات»، و«سي إم جي جروب»، و«إنفسكو». ويمثِّل معظم هؤلاء المتبرِّعين شركات تُمكِّن العملاء من التجارة في العملات المُشفَّرة، أو الصناديق المتداولة في البورصة ذات القاعدة المُشفَّرة. وتموِّل شركات أخرى، مثل شركة «جولدمان ساكس»، أو «نومورا هولدنجز»، الشركات الناشئة التي تعمل في مجال العملات المُشفَّرة، أو تستثمر فيها، مثل شركتي «سيركل»، أو «كريبتو جراج».

Embed from Getty Images

ويُعد إمر أيضًا واحدًا من أربعة رؤساء مشاركين في تجمُّع بلوكتشين التابع للكونجرس، الذي أسَّسه جاريد بوليس، حاكم ولاية كولورادو والنائب الديمقراطي السابق، وميك مولفاني، كبير موظفي ترامب السابق، عام 2016. ويضم التجمُّع، الذي يركِّز على سياسة العملات المُشفَّرة، الآن أكثر من 30 عضوًا؛ ما يُمثِّل مؤشرًا على تزايد الاهتمام بتكنولوجيا سلسلة الكُتَل في أوساط أعضاء الكونجرس.

علاقات كروز التشفيرية

ووفقًا للتقرير اجتذبت لوائح متفرِّقة في ولاية تكساس صناعة تعدين سلسلة الكُتَل المزدهرة، وتقدِّم شركات مثل «ريوت بلوكتشين»، و«أرجو بلوكتشين»، هذه الممارسة التي تتَّسِم بكثافة استهلاكها للطاقة إلى المشرِّعين الآن باعتبارها حلًّا غير متوقع لشبكة الطاقة المنكوبة في الولاية، والتي عانت خلال فصول الشتاء القليلة الماضية من حالات انقطاع كبيرة في التيار الكهربائي الذي أودى بحياة مئات الأشخاص.

وعلى مدى سنوات روَّجت هذه الشركات للفكرة القائلة إن ارتفاع الطلب على الطاقة في مستودعات التعدين قد يكون دافعًا للاهتمام ببناء مزيد من محطات الطاقة في الولاية. كما تدَّعي هذه الشركات التجارية أن العاملين في قطاع التعدين يمكن أن يتسرعوا في إغلاق مستودعاتهم في حالة ارتفاع الضغط على شبكة الطاقة في تكساس. بيد أن صحيفة «بلومبرج» ذكرت الشهر الماضي أنه لا يوجد حاليًا أي ضمان، أو شرط يلزم الشركات بإغلاق عمليات التعدين في حالة حدوث انقطاع الكهرباء. غير أن المشرِّعين في ولاية تكساس، مثل تيد كروز، أعربوا عن ثقتهم في قدرة هذه الصناعة على التصدي لمشكلات الطاقة في الولاية.

وفي كلمته التي ألقاها في قمة بلوكتشين في تكساس التي عُقدت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال كروز: «تنظر معظم النقاشات المتعلقة بالبيتكوين إليها باعتبارها مُستهلكًا للطاقة». وأضاف: «وجهة النظر التي أقترحها هي أن (البيتكوين) تُعد وسيلة لتقوية البنية التحتية للطاقة في الولاية، فإذا عانيتَ لوهلةٍ من نقص، أو أزمة في الطاقة، فإن وجود البيتكوين يوفر لنا القدرة على تحويل هذه الطاقة المُستخدَمة في التشفير على الفور، وإعادتها إلى وضعها الطبيعي لتستفيد بها شبكة الكهرباء (بمعنى أن عمال البيتكوين يمكنهم إيقاف عملياتهم في غضون ثوانٍ لتوفير الطاقة للشبكة)».

تُجَّار التشفير في الكونجرس

ويستدرك الكاتب قائلًا: ومع أن كروز يُعد آخر مثال على استثمار المشرِّعين في التشفير، بدأ كثير من أعضاء الكونجرس في تداول العملات المُشفَّرة عام 2021، وفقًا لتقرير أعدته شركة «Unusual Whales»، التي تتعقب استثمارات المشرِّعين القائمة على المضاربة، عن إقرارات الزمة المالية الخاصة بأعضاء البرلمان.

Embed from Getty Images

وتضم قائمة تجار العملات الشفرة في الكونجرس سينثيا لوميس، عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية وايومنج، التي اشترت ما يصل إلى 100 ألف دولار من عملة البيتكوين في أغسطس (آب) الماضي، في الوقت ذاته الذي كانت تقود فيه جهودًا في مجلس الشيوخ من أجل تضييق نطاق ضريبة التشفير في مشروع قانون البنية التحتية المُقدَّم من الحزبين. وساعد تيد كروز وبات تومي، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا، اللذان يمتلكان ما يصل إلى 30 ألف دولار من العملات المُشفَّرة، سينثيا لوميس في الجهود التي تبذلها في ذلك الوقت.

ويختم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن النائبة التقدمية ماري نيومان، عضوة مجلس النواب عن ولاية إلينوي، ترتبط أيضًا بصناعة التشفير؛ إذ أفادت التقارير أن زوجها، جيم نيومان، أجرى 16 تداولًا في شركة «كوينباس» لتبادل العملات المُشفَّرة، وبلغت قيمة آخر تداولاته في نوفمبر ما بين 50 ألف و100 ألف دولار. كما استثمر نيومان ما يصل إلى 50 ألف دولار في مؤسسة «جراي سكيل بتكوين تراست»، وهي أداة مالية تتيح الاستثمار في الصناديق الاستئمانية التي تمتلك كميات كبيرة من عملة البيتكوين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد