ماتت عملية السلام لأسباب طبيعية.. وتحالف واشنطن الأكثر استثنائية مع إسرائيل يجب أن يلحق بها. 

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لستيفن كوك، الزميل الأقدم في زمالة «إيني أنريكو ماتي» لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في «مجلس العلاقات الخارجية»، يقترح فيه إنهاء العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يضمن تحقيق أهداف الطرفين. 

يقول كوك في مستهل مقاله: أي شخص أمضى وقتًا في واشنطن، قد سمع بالتأكيد أحد منسقي الجلسات النقاشية يسأل: «إذا كنتَ تجلس بجوار الرئيس، فما توصيات السياسة التي ستقدمها له؟». يرى كوك أن الإجابة عن هذا السؤال صعبة، لا سيما وأن المحللين غالبًا ما يتقنون فن النقد المدروس أكثر من إجادتهم بلوَرة مقترحات سياسية مبتكرة.

سياسة

منذ سنتين
«نيوزويك»: إذا تخلت أمريكا عن دعم إسرائيل.. كيف ستنجو؟ وما المدة التي ستصمد فيها؟

ويستشهد الكاتب بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بوصفه نموذجًا يوضح كيف يمكن أن تسهم الأفكار في تغيير السياسة (سواء للأفضل أو الأسوأ)؛ إذ وضع المركز الأساس الفكري لقانون جولد ووتر-نيكولز لعام 1986، وهو إصلاح مهم غيَّر الطريقة التي تنفذ بها القوات المسلحة الأمريكية عملياتها. 

لكنه يعترف بصعوبة ابتكار أفكار جديدة على المحللين القادمين من خارج الوكالات الحكومية، خاصةً عندما يصبحون – مثل نظرائهم داخل الجهاز البيروقراطي- منخرطين لآذانهم في قضيةٍ معينة، حتى لا يعود بمقدورهم رؤية مسار واضح للمضي قدمًا.

لا يوجد حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

الحالة النموذجية لهذه المشكلة – بحسب كوك- هي: الصراع الإسرائيلي– الفلسطيني. ويضيف: «يجب أنه قد أصبح واضحًا الآن أن الولايات المتحدة بحاجة إلى نهجٍ جديد تجاه هذه القضية؛ نهج يعترف بعدم وجود ما يسمى بـ«حل الدولتين»، ولا أي حلٍّ آخر لهذا الصراع، ويتعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية. 

ويكمل كوك مؤكدًا وجهة نظره: إن كل هذا الضجيج الصاخب حول الصراع (الإسرائيلي– الفلسطيني) في واشنطن (وأوروبا) إنما هو جعجعة بلا طحين لا جدوى من ورائها، وكل ما ينتج منه فقط هو تأخير مواجهة الواقع. 

ويتابع قائلًا: «لستُ متأكدًا من أنني أستوعب لماذا يواصل المسؤولون الحاليون والسابقون، والمحللون استثمار الكثير من الوقت في حل النزاع الإسرائيلي– الفلسطيني. فحتى لو افترضنا أن كلا الجانبين يريد السلام، يبقى الأمر كما يلي:

(1) لا تستطيع إسرائيل تلبية الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين للتوصل إلى السلام.

(2) لا يمكن للفلسطينيين تلبية الحد الأدنى من مطالب إسرائيل للتوصل إلى السلام.

(3) لا تمتلك الولايات المتحدة لا الموارد ولا الإرادة السياسية لتغيير مصالح الفلسطينيين ولا الإسرائيليين. 

ولا يستطيع الكثير من المحللين والمسؤولين، الذين يواصلون العمل من أجل حل الدولتين، مهما كانت مثابرتهم مثيرة للإعجاب، أن يفتحوا بابًا في هذا الطريق المسدود.

إنقاذ أمريكا من عبء طريق السلام المسدود

السؤال التالي الذي يطرحه كوك هو ما إذا كان هذا الطريق المسدود يحظى بأهمية بالغة لدى الولايات المتحدة. فخلال العقود السبعة الماضية، كان لواشنطن العديد من المصالح الأساسية في الشرق الأوسط، وهي: التدفق الحر لموارد الطاقة، والمساعدة على ضمان أمن إسرائيل، وبسط الهيمنة الأمريكية حتى لا تتمكن أي دولة أو مجموعة دول من تهديد المصلحتين السابقتين. (كانت هناك أهداف أخرى، مثل: مكافحة الإرهاب، وحظر الانتشار النووي، وإن كان يمكن القول بأنهما كانا هدفين مشتقين من المصالح الأخرى، على الأقل حتى 11 سبتمبر/ أيلول).

ولطالما اعتقد صناع السياسة الأمريكيون منذ فترة طويلة أن حل الدولتين هو أفضل طريقة لضمان أمن إسرائيل، لذلك سعى الرؤساء الأمريكيون، من بيل كلينتون مرورا بباراك أوباما، إلى دونالد ترامب نفسه، مرارًا وتكرارًا لتحقيق هذا الهدف. بيدَ أن الحقيقة غير المعترف بها في الغالب حول الطريق المسدود، الذي يصطدم به حل الدولتين – وربما السبب وراء عدم امتلاك واشنطن للإرادة السياسية الكافية للتغلب عليه- هي أن هذا المأزق نفسه ساعد الولايات المتحدة على تحقيق إحدى مصالحها الأساسية في المنطقة، وهي: المساعدة في ضمان أمن إسرائيل.

هذا لا يشكك في إخلاص المسؤولين والمحللين الأمريكيين، الذين يدفعون باعتقادهم أن ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية المحتلة سيعود بالضرر على أمن إسرائيل، ويضرب على وتر حساس لدى العديد من الأمريكيين. ولكن ماذا ينبغي أن تفعل الولايات المتحدة حيال ذلك؟ 

يردف ستيفن كوك: ستكون هناك جوقة من الناس يريدون معاقبة إسرائيل، وآخرون يريدون مصمصة شفاههم إعرابًا عن انزعاجهم مما لا يستطيعون تغييره، ولكنهم بخلاف ذلك يحمون إسرائيل من أن يلحقها الخزي، ويستمرون في تسيير ما يمكن من الأمور كالمعتاد. يبدو هذا الخيار الأخير أكثر ترجيحًا من الخيار الأول، ولكن الكاتب لا يرى أيهما مناسبًا في الوقت الراهن. ويقول: إن الجمع بين نجاح إسرائيل وضمها (لأراضي الضفة الغربية) يوفر فرصة لتغيير شروط العلاقات الثنائية (بين أمريكا وإسرائيل) بطرق تعتق واشنطن من عقدة صنع السلام. 

«إسرائيل المتقدمة» كما يراها ستيفن كوك

يتابع الكاتب: بكل المقاييس، إسرائيل دولة متقدمة، ولديها اقتصاد مندمج بكفاءة مع بقية العالم، خاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات. ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل يماثل تقريبًا نصيب الفرد في المملكة المتحدة وفرنسا. وعلى الصعيد الأمني، تمتلك إسرائيل جيشًا أكثر قدرة وتطورًا من جميع جيوش جيرانها.

ولم يكن موقعها الاستراتيجي أفضل مما هو عليه الآن في أي وقت مضى. ويضيف الكاتب: فالعراق وسوريا غارقتان في الفوضى، وحزب الله متورط في الصراع السوري، بينما ينهار بنيان لبنان من حوله، والمصريون يعتمدون على إسرائيل لدعم عملياتهم الأمنية في شبه جزيرة سيناء. وبينما حذر الأردن من عواقب الضم على العلاقات الثنائية، فإن الملك عبد الله – برغم ذلك- في وضعٍ صعب؛ بالنظر إلى مدى أهمية إسرائيل بالنسبة للاستقرار الأردني.

صحيحٌ أن إيران ما تزال تشكل تهديدًا بالطبع، لكن القوات الإسرائيلية أظهرت قدرتها على ردع الإيرانيين والقوى المتحالفة معهم، خاصة في سوريا، وأيضًا في العراق. وإن كانت الأنشطة النووية الإيرانية ستظل تشكل تحديًا كبيرًا لأمن إسرائيل، وسيحتاج الإسرائيليون إلى استصحاب اليقظة الدائمة في مواجهة هذه المشكلة، سواء بمفردهم أو بمشاركة دول أخرى، خاصة الولايات المتحدة. 

وتمتد العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية الآن إلى مختلف أنحاء العالم – يشرح كوك- بما في ذلك علاقاتها الجيدة مع روسيا والصين والهند. وفي الشرق الأوسط، بالإضافة إلى معاهدات السلام مع مصر والأردن، طوَّر الإسرائيليون علاقات (وإن لم تكن علاقات دبلوماسية طبيعية) مع عمان، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، حتى مع استمرار جهودها طيلة عقود لتشديد قبضتها على الضفة الغربية. هذا إنجاز رائع. بالطبع، يمكن أن ينهار الاقتصاد، ويمكن أن تتدهور البيئة الأمنية الإقليمية، ولكن حتى مع ذلك، من الصعب الدفع بأن إسرائيل حليفة معزولة ومحاصرة.

بالنظر إلى واقع هذه القائمة التي سردها المقال من «الإنجازات الإسرائيلية»، والضم المرتقب لأراضي الضفة الغربية، ينصح كوك المسؤولين الأمريكيين بأن يدركوا أن الوقت قد حان لتغيير العلاقة (بين واشنطن وتل أبيب). فأمن إسرائيل مضمون، وازدهارها تحقق، وهو ما كان هدف واشنطن الدائم. 

وعلى الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة استفادتا مما يربو على أكثر من 142 مليار دولار استثمرتها واشنطن فيها، فإنه من الصعب تقديم مبرر لاستمرار هذه المساعدة السخية، كما يرى كوك. وكما فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل بالمساعدة الاقتصادية، يرى الكاتب أن الوقت قد حان لرسم مسار متفق عليه للتخلص التدريجي من المساعدة العسكرية أيضًا. وهذا ليس عقابًا، وإنما اعتراف بأن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق هدفها، وأن المساعدة ليست استحقاقًا، وأن الولايات المتحدة لا تعتقد بأن الضم يصب في مصلحة إسرائيل، وبالتالي لا تريد الارتباط به.

لا شك في أن النقاد سيدفعون بأن العقوبة الفعلية – بقطع المساعدة نهائيًّا- هي أفضل مسار للعمل. وتستند وصفة السياسة هذه إلى فكرة مفادها أن إسرائيل ما تزال بحاجة إلى مساعدة عسكرية أمريكية، وأن قطعها سيجبر إسرائيل على الانصياع. بيدَ أن الدليل لا يدعم أيًّا من الاقتراحين، بحسب كوك، كما أنه يتجاهل حقيقة أنه لن يكون هناك دعم سياسي كبير لنهجهما المفضل، ولن يؤديا إلا إلى خوض معركة سياسية قبيحة. على الأقل، الاتفاق على التخلص التدريجي من المساعدة لديه فرصة لاكتساب القبول. 

سياسة

منذ سنتين
على خُطا إيران.. كيف تقاربت السعودية مع إسرائيل؟ 4 أحداث تاريخية مشتركة

المأساة في كل هذا هي: الحرمان الدائم للفلسطينيين، الذين سيغضبون بلا شك من إقدام واشنطن على غسل يديها من الصراع، والتسليم بمصيرٍ يعيشون فيه إلى الأبد تحت أقدام الجيش الإسرائيلي، أو يُدفَع بهم إلى البانتوستانات (على غرار مناطق الفصل العنصري في جنوب أفريقيا). وسيكون غضبهم مبررًا. ذلك أنهم قد أساءوا فهم المصالح الأمريكية الأساسية في الشرق الأوسط، والتي لا تُعنَى فعليًّا بالفلسطينيين الذين وثقوا بالولايات المتحدة، على عكس كل الدلائل التي تشير إلى ذلك.

ويختم كوك مقاله بالقول: تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل هو اعتراف مزدوج بالنجاح والفشل. إن أمن إسرائيل ووجودها مضمونان، لكن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذي وضع المحللون والمسؤولون عبئه على كاهل الولايات المتحدة، ما يزال بعيد المنال، وسيظل كذلك دائمًا على الأرجح. لكن على الأقل، لن تضطر الولايات المتحدة إلى تحمُّل تناقضات عملية صنع السلام وأعبائها، التي رفعت بلا مبرر  سقف التوقعات بأن واشنطن قادرة على تخليص الإسرائيليين أو الضغط على الفلسطينيين لتحقيق أهداف لا يتشاركها أي من الجانبين. هذا ليس طبيعيًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد