عندما ترغب مجموعة ما في إحداث تغيير مجتمعي، فإنها تبدأ عمومًا بالعمل ضمن أُطُر النظام؛ إذ تلجأ مثلًا لمخاطبة المشرِّعين ومحاولة تمرير القوانين المنشودة. وإذا لم تؤتِ هذه الجهود أُكلها، فقد تتصاعد تلك الجهود إلى تنظيم الاحتجاجات مثل المسيرات أو التظاهرات في المواقع الرئيسة في البلاد. جاء ذلك في مقدمة مقال أعده آرت ماركمان، أستاذ علم النفس بجامعة تكساس، ونشره موقع مجلة «سيكولوجي توداي» الأمريكية المتخصصة في مجال علم النفس.

وفي حال لم تجد تلك التحركات آذانًا مصغية ممن يُمسكون بزمام السلطة، فقد تصبح الاحتجاجات أكثر تطرفًا، ويشمل ذلك الاضطرابات الاجتماعية (مثل الإضرابات، أو منع حركة المرور، أو منع الدخول إلى منشأة ما)، أو التخريب، أو حتى العنف. والهدف من هذه الاحتجاجات هو بناء الوعي بالقضية لدى جمهور أوسع إلى جانب الضغط على المسؤولين في السلطة لإحداث التغيير المطلوب.

تأثير الاحتجاجات

وأوضح الكاتب أن الاحتجاجات يمكن أن يكون لها تأثيرات مختلفة عديدة، مستشهدًا بما حدث في صيف عام 2020 على سبيل المثال، عندما أدَّت الاحتجاجات الواسعة النطاق التي أعقبت مقتل جورج فلويد، المواطن الأمريكي من أصول أفريقية، على أيدي الشرطة إلى خفض التمويل الذي تقدمه بعض المجتمعات إلى إدارات الشرطة، وتسببت في إعادة تغيير أسماء بعض العلامات التجارية المستندة إلى الصورة النمطية العِرْقية التي تسخر من الأمريكيين الأفارقة (مثل العمة جميما)، بل وحتى دفعت بعض الفِرق الرياضية (مثل فريق واشنطن ريدسكين) إلى تغيير أسمائها.

Embed from Getty Images

ولكن، بحسب ما يستدرك الكاتب متسائلًا، كيف تؤثر الاحتجاجات في الدعم الشعبي لحركة ما؟ وعلى وجه الخصوص، عندما تصبح الاحتجاجات أكثر تطرفًا في حال أدَّت إلى اضطراب اجتماعي أو أعمال عنف، هل يزيد هذا التحوُّل في طريقة الاحتجاج من دعم الجمهور لقضية الاحتجاج أم يُقلِّله؟

وأشار الكاتب إلى أن ورقة بحثية أعدَّها الباحثون ماثيو فينبرج وروب ويلر وكلوي كوفاتشيف والمنشورة في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 من مجلة «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» حاولت الإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة.

وقد أجرى هؤلاء الباحثون سلسلة من ست تجارب وصفوا فيها الاحتجاجات للمشاركين. وعَبْر تلك الدراسات، عكست الاحتجاجات القضايا التي يدعمها الليبراليون عادةً في الولايات المتحدة (مثل حياة السود مهمة أو حقوق الحيوان)، فضلًا عن القضايا التي يدعمها المحافظون عادةً (مثل حقوق الإجهاض والحق في حمل الأسلحة النارية). وقد تباينت أوصاف الاحتجاجات بحيث كانت معتدلة (مثل مسيرة احتجاجية) أو أكثر تطرفًا (إغلاق مدخل منشأة للإجهاض بالتزامن مع الهتافات ضد المرضى القادمين، أو تخريب مرفق لاختبار الحيوانات وإطلاق سراحها).

وقَاسَ الباحثون خلال تلك الدراسة الدعم الشعبي للحركة المرتبطة بالاحتجاج، وخلُصت استنتاجاتهم إلى أن الجمهور كان أقل دعمًا للحركة وأقل استعدادًا للانخراط فيها والانضمام إليها عندما تكون الاحتجاجات متطرفة منه عندما تكون الاحتجاجات أقل تطرفًا. وقد انسحب هذا التأثير بالقدر نفسه سواء على الأشخاص الذين تميل مواقفهم بوجه عام لدعم الحركة وكذلك الذين كانت توجُّهاتهم مُعارِضة للحركة بوجه عام.

نفور عاطفي

وأضاف الكاتب أن بعض الدراسات جمعت أيضًا المزيد من القياسات لتقييم تفسير معقد لهذا التأثير. وقد دعمت هذه الدراسات فكرة أن الدعم الشعبي للقضية تراجع بسبب نظرة الجمهور إلى الاحتجاج المتطرف على أنه ممارسة غير أخلاقية أكثر من الاحتجاج المعتدل، الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض ارتباط الناس العاطفي بالقضية، والذي أدَّى بدوره بعد ذلك إلى تراجع الشعور بتفَهُّم دوافع المحتجين. وقد ارتبط هذا الانخفاض في تفَهُّم المتظاهرين بانخفاض مستوى الدعم للقضية عندما يكون الاحتجاج متطرفًا موازنةً بالوضع عندما يكون الاحتجاج معتدلًا.

Embed from Getty Images

وتسلِّط هذه النتائج الضوء على أن للحركات الاحتجاجية سلاحًا ذا حدين؛ ففي كثير من الأحيان، يصعب جذب انتباه المسؤولين في السلطة من دون القيام بعمل متطرف، بيد أن هذه الممارسات المتطرفة قد تقلل من الدعم الشعبي للقضية، حتى بين من كانوا يدعمون الحركة عادةً.

ويشير هذا العمل البحثي إلى ضرورة إدراك منظمي الاحتجاجات لأهدافهم من خلال مجموعة محددة من الاحتجاجات. ويمكن أن تحظى التجمعات والمسيرات بتأييد شعبي واسع النطاق، ولكن قد لا يكون لها تأثير على من في السلطة. وقد تؤثر الإجراءات الأكثر تطرفًا على المسؤولين في السلطة، ولكنها قد تتسبب في إضعاف التأييد الشعبي.

فلسفة

منذ 8 شهور
فوكوياما: توقَّعوا المزيد من العنف في أمريكا

ويرى الكاتب في ختام مقاله أن هناك قصورًا في الدراسات الحالية يتمثل في تركيزها بالأساس على التأثير المباشر للاحتجاج في معتقدات الناس ودعمهم. وفي اللحظة الراهنة، يمكن أن يُقلص الاحتجاج الأكثر تطرفًا الدعم الشعبي للحركة. ومع ذلك، قد يؤدي التغيير الكبير الناجم عن الاحتجاجات إلى إعادة تقييم تلك الاحتجاجات مع مرور الوقت.

على سبيل المثال، ربما أسهمت الاحتجاجات المتطرفة خلال حقبة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي في تقليص الدعم الشعبي للحركة في ذلك الوقت. ولكن التشريعات اللاحقة المرتبطة بالحقوق المدنية التي أثارتها هذه الاحتجاجات دفعت المجتمع الحديث إلى التفكير في هذه الاحتجاجات باعتبارها جزءًا ضروريًّا ومهمًا ومبررًا للنضال من أجل الحقوق المدنية. ومن الأهمية بمكان إجراء مزيد من الأبحاث لاستكشاف مدى تأثير الاحتجاجات المتطرفة في طريقة نظرتنا إليها عندما ندرسها بعد حينٍ من وقوعها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد