بينما أعادت إسرائيل فرض شرط إزالة تيجان الطماطم قبل تصديرها، تكبدت مزارع غزة خسائر كبيرة بسبب مزاعم غير علمية.

متجولًا في مزرعته التي تبلغ مساحتها ثلاثة هكتارات في قطاع غزة المحاصر، ينظر ناهد أبو ماضي إلى الخمسين عاملًا وهم يحصدون محصول الطماطم بينما ينتشر جنود الاحتلال الإسرائيلي بالقرب منهم. وكان أبو ماضي يكاد ينفجر من الغضب والإحباط من السلطات الإسرائيلية التي تفرض قيودًا  على المزارعين من أمثاله في بيع الطماطم.

بهذه الكلمات استهل أحمد السمَّاك، الصحافي المستقل المقيم في غزة، تقريره الذي نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري البريطاني والذي تحدث فيه عن القيود التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على تصدير المحاصيل الزراعية؛ الأمر الذي يثير حنق المزارعين في القطاع المحاصر.

يواصل الكاتب تقريره ناقلًا ما قاله ناهد أبو ماضي من مزرعته الواقعة على الحدود الشرقية لرفح جنوب غزة: «أريد أن يقنعني أحدهم: ما الخطر الذي تمثله تيجان الطماطم المصدَّرة إلى الضفة الغربية على أمن إسرائيل؟ أليست الضفة الغربية بلدي؟ لماذا تضع إسرائيل مثل هذه القيود السخيفة على المزارعين المساكين؟ لماذا لا يتركوننا وشأننا؟».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 شهور
تدمير الأبراج.. كيف ارتكبت إسرائيل «جرائم حرب» في غزة؟

ومنذ مايو (آيار) الماضي، طالبت السلطات الإسرائيلية مزارعي غزة بإزالة تيجان الطماطم قبل السماح للشاحنات التي تحمل هذه الثمار بالمرور من معبر كرم أبو سالم لتصديرها إلى الضفة الغربية المحتلة. وطُبق القانون سابقًا لمدة 50 يومًا، ما تسبب في خسائر مالية فادحة تقدر بـ17.8 ملايين دولار للمزارعين في القطاع. وأُعيد فرضه مرةً أخرى في أغسطس (آب) الماضي ولا يزال ساريًا حتى اليوم.

ويشير أبو ماضي إلى أنه بسبب القيود الإسرائيلية، تستغرق الخضروات ثلاثة أيام للوصول إلى المستهلكين من قطاع غزة، مع أنها في الأوضاع العادية لا تستغرق أكثر من ساعات قليلة. ويقول: «إذا أزلنا التيجان، تتعفن الطماطم بسرعة لأنها تصبح أكثر عرضة لظروف الطقس». ويضيف: «يرتِّب المزارعون صناديق الخضروات والطماطم بعضها فوق بعض بعد حصادها. وإذا أزلنا التيجان، ستُقشر الطماطم ولن يرغبها المستهلكون، ولن يشتريها التجار أيضًا».

خسائر فادحة

يقول الكاتب إن أبا ماضي يبيع صندوق الطماطم الذي يزن 20 كيلو جرامًا للتصدير للضفة الغربية أو إسرائيل عادةً مقابل 20 إلى 30 شيكل (6.17 إلى 9.26 دولار) لكنه يبيعها لأسواق غزة مقابل 10 شيكلات (3.08 دولار). 

ويقول أبو ماضي: «خلال الشهرين الماضيين فقط، بعتُ 4 آلاف صندوق طماطم داخل قطاع غزة مقابل 40 ألف شيكل (12,352 دولار أمريكي). بينما لو كنتُ أرسلتها إلى الضفة الغربية، لكنت ربحت من 80 إلى 120 ألف شيكل (24,704 إلى 37,060 دولار) هل ترى الفرق؟». وأضاف: «بلغت ديوني 150 ألف شيكل (46,327 دولار) فقط خلال هذا الموسم. مَنْ سيعوضني عن ذلك؟ لقد خسرتُ بالفعل أكثر من 300 ألف شيكل (92,647 دولار) بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، ولم يعوضني أحد فلسًا واحدًا».

Embed from Getty Images

وكانت إسرائيل قد شنَّت هجومًا مدمرًا على غزة استمر 11 يومًا في مايو (أيار) الماضي قُتِل في إثره 253 فلسطينيًّا، من بينهم 66 طفلًا و39 امرأة و17 مسنًا، بينما أصيب نحو ألفي شخص آخرين. وتسبب الهجوم بخسائر بلغت قيمتها 204.7 ملايين دولار في قطاع الزراعة وحده. 

وأخبر أبو محمد المزارع الذي يبلغ من العمر 45 «ميدل إيست آي» وهو يحصد الطماطم أنه: «عندما يُسمح بتصدير الطماطم والخضراوات الأخرى، فأنا أعمل 16 ساعة يوميًّا وأجني 40 شيكل (12.35 دولار) في اليوم. ولكن إن لم يُفتح التصدير، حينها أعمل لمدة 3 ساعات وأربح 10 شيكل (3.03 دولار). وعندما أكسب 10 شيكلات، يمكنني فقط أن أشتري الخبز والفاصوليا والعدس لأطفالي العشرة. ولا يمكننا الأكل جيدًا إلا عندما يُسمح بتصدير الطماطم».

ومثل معظم المزارعين المقيمين في غزة، يتفق ماضي ماضي مع ناهد أبو ماضي؛ إذ أخبر «ميدل إيست آي» أثناء إعطائه التعليمات لعماله البالغ عددهم 120 عاملًا الذين يزرعون البطاطس في مزرعته التي تبلغ مساحتها 12 هكتارًا شرقي رفح: «لقد كنتُ مزارعًا لمدة تزيد عن 30 عامًا ولم أسمع قط عن قرار غريب كهذا. لطالما صدرنا المحاصيل للضفة الغربية، لماذا يتدخلون الآن؟».

أضاف: «أنا بصفتي مزارعًا، لا أزرع من أجل غزة، بل من أجل التصدير للضفة أو إسرائيل، لأن تجار غزة يشترون كيلو الطماطم بأقل من شيكل (30 سنتًا أمريكيًّا)، بينما يدفع التجار في الضفة من 2 إلى 5 شيكل (60 سنتًا إلى دولار أمريكي ونصف). لقد خسرت حوالي 100 ألف دولار منذ يونيو (حزيران) وكما ترون، تتعفن الطماطم في هذه المزرعة التي تبلغ مساحتها 30 دونمًا لأنني لا أستطيع تحمل تكلفة الأسمدة التي تبلغ 120 ألف شيكل (37 ألف دولار)». ويأمل ماضي أن تلغي إسرائيل قرارها قبل أن ينضج بعض محصول الطماطم لديه.

ويضيف ماضي قائلًا: «كنت أدعو الله أن تسمح إسرائيل بتصدير الطماطم مع التيجان، فنحن حين نصدر محاصيلنا، نجني كثيرًا من المال. وأريد أن أسدد ديوني البالغة مليوني شيكل (617,667 دولار). وبالأمس قطعت شركة الكهرباء التيار عن مزرعتي لأني لم أستطع دفع الفاتورة التي تكلفني من 40 إلى 50 ألف شيكل (12,350 – 15,440 دولار أمريكي) شهريًّا. 

لا يوجد طلب على طماطم بلا تيجان

يقول تاجر الخضروات في غزة، باسم أبو غالي، الذي يشتري محاصيل ناهد أبو ماضي وماضي ماضي لتصديرها إلى الضفة الغربية وإسرائيل، إن التجار في الضفة يرفضون شراء الطماطم المنزوعة التيجان، وأي محاصيل أخرى دون الطماطم.

ويوضح أنه قبل هذا القرار، اعتاد تصدير من 60 إلى 100 طن من المحاصيل المختلفة مثل الخيار والباذنجان والفلفل، وقبل كل ذلك الطماطم التي تُشكل حوالي 70% من المحاصيل. أما الآن، فيصدر بضعة أطنان من الخضروات دون الطماطم. وحاول أبو غالي جاهدًا إقناع نظيره في الضفة الغربية استيراد محاصيله دون الطماطم لكنه لم يفلح.

ويقول أبو غالي: «أتكبَّد خسائر فادحة في كل يوم يمر دون تصدير. فقد خسرت أكثر من 650 ألف دولار خلال الشهرين الماضيين. وعشرات المزارعين مدينون لي بمئات الآلاف من الشيكلات، ولا يمكنني الحصول على دولار واحد منهم لأنهم أفلسوا جميعًا بسبب القرار. لماذا تُصدر إسرائيل يوميًّا مئات الأطنان من الفاكهة إلى غزة ولا يستطيع أحد أن يقول لهم لا؟ لماذا يُحرم الفلسطينيون في الضفة من طماطم غزة»؟ ويتساءل أبو غالي: إسرائيل تُصدر خضرواتها إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرها. هل تجرؤ أي دولة أن تطلب من إسرائيل أن تفعل ما تطلبه منَّا؟

Embed from Getty Images

ومن جانبه قال خلوصي المحمد، المقيم في الضفة الغربية والذي يشتري محاصيل أبو غالي، لموقع «ميدل إيست آي» إن المستهلكين ومحلات البقالة في الضفة الغربية يرفضون شراء الطماطم بلا تيجان. و«بصفتي تاجرًا، لن أستورد أي شيء من غزة حتى يُلغي الاحتلال القرار. كما أنني طلبت من التجار في نابلس أن يفعلوا الأمر نفسه، ونحن بصفتنا فلسطينيين يجب ألا نقبل هذا الأمر». وأضاف: «مع أن طماطم غزة هي الأفضل في الشرق الأوسط، استوردنا الطماطم من تركيا، وأنا حقًا أتألم في كل مرة أستورد فيها من تركيا، لأننا نريد محاصيل بلادنا». وتكبد المحمد خسائر تقدر بـ33 ألف دولار بسبب القرار. 

ادعاءات لا أساس لها وغير علمية

يشير التقرير إلى ما قاله المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، أدهم البسيوني، لموقع «ميدل إيست آي» من أن قرارات إسرائيل بشأن حظر المحاصيل أو السماح بتصديرها لا يمكن التنبؤ به. وأضاف: «تصدير منتجات غزة يخضع لمزاج الاحتلال، فهم يسمحون ويحظرون كما يحلو لهم». 

ومنذ يناير (كانون الثاني) وحتى الآن، صدَّر قطاع غزة المحاصر 1,375 طن من الخضار (82.1% منها طماطم) إلى إسرائيل، و1,400 طن (27.1% منها طماطم) إلى الدول العربية و23,255 طن (53.6% منها طماطم) إلى الضفة الغربية، وفقًا للبسيوني. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
من التعليم للحب.. ماذا يعني أن تعيش شابًا فلسطينيًا في ظل الاحتلال الإسرائيلي؟

وحول مطلب نزع التيجان، قال البسيوني إن وزارته ترفض القرار لأن سكان غزة لهم الحق في تسويق منتجاتهم في المحافظات التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. وأضاف: «إن الادعاء الإسرائيلي بأن تيجان الطماطم تحتوي على أمراض وبكتيريا لا أساس له من الصحة وغير علمي؛ إذ إن جميع الأراضي الفلسطينية التاريخية (التي تسيطر عليها إسرائيل والسلطة الفلسطينية) لها سمات مشتركة، فإذا أصيبت الطماطم في غزة بالأمراض، فهذا يعني أن الطماطم في إسرائيل والضفة الغربية ستصاب بالأمراض نفسها». وأكد البسيوني أن جميع المحاصيل المصدَّرة تخضع لأنظمة بما فيها الفحوصات في مختبرات الوزارة. 

ويرن هاتف ناهد أبو ماضي ويخبر «ميدل إيست آي»: هذا صاحب محل الأسمدة أدين له بأكثر من 60 ألف شيكل (18,500 دولار)، يريد ماله ولا أجرؤ أن أرد عليه. وأخشى أن يقاضيني وأذهب إلى السجن.

ويختم الكاتب مع ما قاله أبو ماضي: «يُعامَل مزارعو غزة مثل المحتالين بسبب الاحتلال. لقد أصبحنا نتهرب من الذين ندين لهم بالأموال، ولكننا مضطرون لفعل ذلك. وأقسم بالله نحن لسنا محتالين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد