نشرت مجلة «ذا جيوبوليتيكال» مقالًا للمحلل السياسي تريديفش سينج مايني سلَّط فيه الضوء على بعض التقلبات التي طرأت مؤخرًا على العلاقات في الشرق الأوسط بين عددٍ من الدول العربية والإسلامية، مثل توتر العلاقات بين باكستان والسعودية والتقارب بين السعودية وتركيا،  مشيرًا إلى أن تغير البنية الجيوسياسية والاقتصادية على مستوى العالم أثرت في العلاقات بين الدول الإسلامية.

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى توتر العلاقات بين المملكة العربية السعودية وباكستان بعد أن ألمح رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان إلى تشكيل كتلة موازية لمنظمة التعاون الإسلامي التي تترأسها السعودية مع تركيا وماليزيا وإيران (كانت باكستان عبَّرت عن إحباطها من موقف منظمة التعاون الإسلامي من عدم التعليق على إلغاء الهند المادة 370 في الدستور الهندي، والتي تمنح جامو وكشمير وضعًا خاصًّا يمنحها الحق في أن يكون لها دستورها الخاص وعلم منفصل والاستقلال الذاتي في الإدارة الداخلية للولاية).

سياسة

منذ 3 شهور
مترجم: كيف ستؤثر طموحات تركيا وأذربيجان الإقليمية في الاقتصاد الإيراني؟

وتمثل أحد مؤشرات هذا التوتر أن عمران خان اقترح، بعد اجتماع عقده مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2019 في نيويورك، إنشاء قناة مشتركة باللغة الإنجليزية لمكافحة التحديات التي تُشكِّلها ما يعرف بالإسلاموفوبيا.

وكان من المقرر أن يحضر عمران خان قمة كوالالمبور الإسلامية في عام 2019، التي استضافها رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة بسبب الضغوط السعودية (وحضر هذه القمة في كوالالمبور كلٌّ من الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، والرئيس التركي أردوغان وأمير قطر). ونفى رئيس الوزراء الماليزي نفيًا قاطعًا أن القمة تسعى لكي تحل محل منظمة التعاون الإسلامي.

الشرق الأوسط: بين باكستان والسعودية

يوضح الكاتب أن العلاقات الباكستانية السعودية شهدت مزيدًا من التدهور، في أغسطس (آب) 2020، بعدما ألمح شاه محمود قريشي، وزير الخارجية الباكستاني السابق، في مقابلة مع وسائل الإعلام إلى أنه إذا لم تعقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعًا لوزراء خارجيتها لمناقشة إلغاء الهند للمادة 370 الخاصة بجامو وكشمير، فإن العاصمة الباكستانية إسلام أباد ستنظر في خيارات بديلة.

Embed from Getty Images

وقال قريشي: «أقول مرةً أخرى لمنظمة المؤتمر الإسلامي باحترامٍ أن اجتماع مجلس وزراء الخارجية هو ما نتوقعه، وإذا فشلت المنظمة في عقد هذا الاجتماع، فسأكون مضطرًا لمطالبة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بالدعوة إلى عقد اجتماع للدول الإسلامية التي تبدي استعدادها للوقوف معنا فيما يتعلق بقضية كشمير ودعم الكشميريين المضطهدين».

ومن جانبها، أعربت السعودية عن استيائها من الأمر من خلال مطالبة باكستان بإعادة مليار دولار من مبلغ 6,2 مليارات دولار كانت السعودية قد أقرضتها لباكستان في إطار حزمة اقتصادية طارئة للتعامل مع أزمة احتياطي النقد الأجنبي في عام 2018، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2021، أكدت السعودية من جديدٍ على دعمها لباكستان بحوالي 4 مليارات دولار (وكانت هذه الخطوة وفقًا لما قاله عدة محللين تهدف إلى منع باكستان من التقارب مع إيران)؛ بينما كانت أول زيارة يقوم بها شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني الحالي خلفًا لعمران خان، إلى السعودية خلال الفترة من 28 إلى 30 أبريل (نيسان)، وخلال الزيارة، يُفترض أن تكون باكستان قد أمنَّت مساعدات تقدر بحوالي 8 مليارات دولار من السعودية، وتشمل هذه المساعدات مضاعفة تسهيلات تمويل النفط، وبحسب التقارير فإن تفاصيل الحزمة لا تزال قيد الإعداد والعمل عليها.

العلاقات التركية السعودية

يلفت الكاتب إلى ما وصفه بأمرٍ مثيرٍ للاهتمام وهو أنه في الوقت نفسه تقريبًا، الذي كان فيه شهباز شريف في العاصمة السعودية الرياض، كان الرئيس التركي أردوغان، الذي يسعى إلى تحسين العلاقات مع السعودية، في زيارة للسعودية كذلك، وكانت هذه أول زيارة لأردوغان إلى السعودية منذ مقتل الصحفي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، في عام 2018 في القنصلية السعودية في إسطنبول، وأدَّى مقتل خاشقجي إلى تدهور العلاقات مع الرياض، وفرضت السعودية مقاطعة غير رسمية على البضائع القادمة من تركيا، وبينما تسعى تركيا لإصلاح العلاقات مع السعودية منذ عام 2020، حدثت بعض التطورات المهمة في مسار تحسن العلاقات، مثل زيارة الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير الخارجية السعودي، إلى تركيا في مارس (آذار) 2022، وقرار محكمة إسطنبول بوقف المحاكمة الغيابية لـ26 مشتبهًا سعوديًّا على صلة بعملية اغتيال خاشقجي، وإحالة القضية إلى الرياض.

والتقى أردوغان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأعلن عن حرصه على توسيع العلاقات الأمنية والدفاعية، وبسبب بعض الاعتبارات الاقتصادية، يسعى أردوغان أيضًا إلى تحسين العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، وفي حين أن العلاقات بين تركيا والإمارات كانت قد شهدت توترات كبيرة نتيجة اختلاف وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية، فإن الأشهر الأخيرة كانت شاهدة على حدوث تحسن كبير في العلاقات بينهما.

Embed from Getty Images

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، سافر محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، إلى العاصمة التركية أنقرة، وأعقب ذلك زيارة أردوغان إلى الإمارات في فبراير (شباط) 2022، وأعلنت دولة الإمارات عن تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، وخلال زيارة أردوغان إلى أبوظبي، وقَّع الجانبان اتفاقية مشتركة لبدء المحادثات المتعلقة باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (وبدأت المحادثات المتعلقة بهذه الاتفاقية في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر).

تقلبات كبيرة في العلاقات بين الدول الإسلامية

يُنوِّه الكاتب إلى أنه بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي الراهن في الشرق الأوسط، لا سيما محاولات السعودية لإصلاح العلاقات مع إيران، فإن تحسن العلاقات مع تركيا لن يترك مجالًا كبيرًا لتشكيل تكتل موازٍ من الدول الإسلامية، وبغض النظر عن هذا، شهدت العلاقات السعودية الباكستانية انتعاشًا في الأشهر الأخيرة، ونظرًا لوضعها الاقتصادي، فلا تستطيع إسلام أباد تحمل تداعيات التوترات مع الرياض؛ ومن جانبها، تعيد السعودية التفكير في سياستها الخارجية، لا سيما فيما يتعلق بتركيا وإيران، نتيجةً لتغيُّر المشهد الجيوسياسي داخل الشرق الأوسط وخارجه.

وكانت قطر قد برزت بصفتها لاعبًا إستراتيجيًّا مهمًّا نتيجة الدور الذي أدَّته في المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، وحتى بعد سيطرة طالبان علي أفغانستان، أسهمت قطر في عمليات الإجلاء من البلاد، وصنَّفت الولايات المتحدة قطر بوصفها حليفًا رئيسًا من خارج حلف الناتو خلال اجتماع عُقد بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في البيت الأبيض في وقتٍ سابقٍ من هذا العام.

ويختتم الكاتب مقاله بالتنويه إلى أنه في الوقت الذي حافظت فيه إدارة بايدن على وجود علاقة عملٍ مع الرياض، إلا أن العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية لم تكن جيدة كما كانت خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومن وجهة نظر تركيا وباكستان، ستظل السعودية على الأرجح مهمةً من منظور اقتصادي وإستراتيجي، وتشهد العلاقات بين الدول الإسلامية تقلباتٍ كبيرةً نتيجة تغير البنية الجيوسياسية والاقتصادية على مستوى العالم كما يتضح من التطورات التي حدثت خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد