تشهد هونج كونج منذ أكثر من شهرين احتجاجات ضخمة ضد مشروع قانون يسمح بتسليم المطلوبين إلى الصين. ومع تصاعد التوتر والاحتجاجات، يخشى بعض المراقبين من تكرار مذبحة ميدان تيانانمن، التي راح ضحيتها المئات في هونج كونج، وهو ما تناقشه وتبحث في إمكانية تجنبه الكاتبة مادلين ثين في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».  

تستعيد الكاتبة ما حدث قبل 30 عامًا، وتحديدًا في 19 مايو (أيار) 1989، عندما وقف تشاو زييانغ، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، في ميدان تيانانمن، وألقى كلمة أمام الطلاب المتظاهرين، الذين كان الآلاف منهم في يومهم السابع من الإضراب عن الطعام، معربُا عن أسفه للحاق بهم متأخرًا ومؤكدًا على مشروعية مطالبهم.

وأشارت الكاتبة إلى أن تشاو عرف أن دنغ شياو بينغ، القائد الأعلى للبلاد، خطط لإصدار أمر للجيش بدخول ميدان تيانانمن. وعلى أمل تجنب وقوع كارثة، توسل للطلاب لإنهاء إضرابهم، لافتًا إلى تفهمه لحماسة الشباب، ومشددًا على ضرورة التفكير بهدوء لتجنب العواقب.

في اليوم التالي، أُعلِنَت الأحكام العرفية، وفرضت الإقامة الجبرية على تشاو، وبعد خمسة عشر يومًا، دخل جيش التحرير الشعبي ميدان تيانانمن، مخلفًا وراءه ما عُرف بمذبحة تيانانمن. ونوهت الكاتبة إلى أن تشاو توفي في عام 2005، ومحى النظام كل شيء عن حياته المهنية المتميزة داخل الصين، كما حذف اسمه من السجلات العامة.

احتجاجات عام 1989 وحدت كل الأطياف

وقالت الكاتبة: إن احتجاجات عام 1989 وحدت في أوج لحظاتها الأشخاص من كل الطبقات، وبنت جسور التلاقي بين عمال المصانع ووسائل الإعلام الحكومية وشرطة بكين وطلاب الجامعات والمدارس الثانوية والأجداد والأساتذة والفنانين. وأحيا المتظاهرون لياليهم بالحفلات الموسيقية، وأنشأوا جامعة للديمقراطية تقدم محاضرات مجانية بجانب تمثال «آلهة الديمقراطية» الذي نصبه الطلاب في الميدان. 

Embed from Getty Images

وكان أهالي بكين يحضرون الطعام والشراب إلى المتظاهرين، فيما كان الطلاب المكلفين بالحراسة يحافظون على السلم وتنظيم الخدمات اللوجستية وصيانة وتنظيف الأماكن العامة، كما حضر الأساتذة والمثقفون، القادرين على توفير الدروس التاريخية، إلى ميدان تيانانمن لتقديم المشورة بشأن الإستراتيجية والسلامة والرؤية.

وأشارت الكاتبة إلى أن احتجاجات عام 1989، كانت في جوهرها تجربة في الحكم الذاتي لأن الطلاب أدركوا أن الطريقة التي يحتجون بها ستكون أفضل تمثيل لمطالبهم.

جهود ليو شياوبو لمنع الكارثة

وأبرزت الكاتبة جهود المثقف والمعارض الصيني  ليو شياوبو لمنع الكارثة، حيث انطلق شياوبو وثلاثة من المثقفين الآخرين في ليلة 3 يونيو (حزيران) 1989 ذهابًا وإيابًا بين المحتجين والجيش، محاولين بدأب التفاوض على توفير ممر آمن لآلاف الطلاب في ميدان تيانانمن، ولولا تدخلاتهم البطولية تلك، لكان هؤلاء المحتجون قد واجهوا إبادة مؤكدة.

ولم ينس ليو أبدًا تلك الأيام والليالي في الميدان، وطالب الحكومة في الوثيقة التي سميت «ميثاق 08» بدعم دستورها، وفاز بجائزة نوبل للسلام في عام 2010 وتوفي في عام 2017 بينما كان يقضي عقوبة سجنه الطويلة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحزب الشيوعي الصيني، وفي ظل عدم وجود نظام تمثيلي للحكومة، يستمد شرعيته الأخلاقية من القيام بما يحقق أفضل مصالح الأمة بموافقة الشعب، وكما كان في عام 1989 والآن، فإن أكبر التهديدات للحزب هي المظاهرات الجماهيرية التي تتخطى الحدود الطبقية والسياسية.

سياق مختلف وروشتة لتحقيق الأهداف

وشددت الكاتبة على أن هذا ليس عام 1989 وهونج كونج ليست بكين، ومع ذلك فإن الطلاب السلميين يتعرضون مرة أخرى لخطر القمع من قبل القوة العسكرية الصينية، فقد قام السياسيون المؤيدون لبكين بتشبيه المتظاهرين بالإرهابيين بشكل غير مسؤول، مشيرة إلى أن الشباب، الذين يهتمون بشدة بمستقبل اقتصادي لا ينفصل عن حقوقهم الدستورية، يعرضون حياتهم للخطر.

ولفتت الكاتبة إلى ضرورة أن يكون المتظاهرون في هونج كونج مقنعين ومرنين وموحدين، مع إدراك أنهم لا يستطيعون تحقيق أهدافهم بالقوة، وهم بحاجة إلى أكبر عدد من السكان لدعم هدف محدد قابل التحقيق، منوهة إلى أن الموقف دقيق ويتطلب عبقرية التكتيك، حيث تعد هونج كونج منطقة فى دور انتقال بين الصين ذاتها ومجال النفوذ الصيني، ويعكس أهلها التعقيد والتصدعات والتغيرات التحولية في العالم الصيني، ويمكن لهونج كونج الحرة سياسيا أن تفيد جميع الأطراف، إذا كان فقط بإمكان من لهم نفوذ في بكين التعبير عن هذا الدور وفوائده المتتالية.

هونج كونج

دور المجتمع الدولي

وترى الكاتبة أن على المجتمع الدولي واجب منفصل،  فمن غير المجدي الدعوة إلى إقامة هونج كونج مستقلة أو زيادة تأجيج الخطاب، لكن ينبغي لنا أن ندعم – على وجه السرعة وفي شوارعنا – حقهم في حرية التجمع وتكوين الجمعيات والتعبير وفي الحصول على قضاء مستقل، وهذه الحقوق لا ينبغي أبدًا أن تكون عرضة لخطر اتفاقية التسليم الموقعة في عام 1997، عندما تم تسليم المنطقة إلى الصين، حيث منحت هونج كونج واستلمت كمستعمرة، وهو ما يعبر عن عدم احترام لسكانها، وبدون هذه الحقوق، فإن السكان، بمجرد محاولة النقاش وخلق مستقبل عادل ومستقر، سيدفعون ثمنًا باهظًا.

كذبة خطيرة ومثيرة للسخرية

وأشارت الكاتبة إلى أن رقابة الصين الصارمة وسيطرتها على وسائل الإعلام سمحت لمواقع الأخبار داخل الصين بنشر الرواية الكاذبة بأن سكان هونج كونج محاصرون من قبل مجموعة من مثيري الشغب و«الطابور الخامس» الذين تحركهم قوى أجنبية، وهي كذبة خطيرة ومثبرة للسخرية تستخدمها القوى العسكرية مرارًا لتبرير التدخل العنيف.

مستقبل هونج كونج

وقالت الكاتبة: «إن الشعر والفلسفة واللغة الصينية جزء من روح هونج كونج، ومن ثم فإن الأسئلة المطروحة ليست لها إجابات سهلة: كيف ستحافظ هونج كونج على نفسها، ولا تعرض الدولة الصينية للخطر ولا تتعرض هي للخطر؟ كيف يمكن لهونج كونج – والنظام السياسي والقانوني المنفصل الذي وعدت به بريطانيا والصين – الصمود في هذا النظام العالمي سريع التغير؟».

وبحسب الكاتبة فإن هذا السؤال يقلق الجميع، مشيرة إلى أن السلطة غير الشرعية تعتمد على القوة بشكل حصري، والصين دولة متطورة ومؤثرة، لكن صور الأقمار الصناعية تظهر أنها حشدت ما يبدو أنها أكثر من 100 عربة مدرعة على بعد عدة أميال من هونج كونج، كما لو أن القوة هي السياسة الوحيدة التي تعرفها.

Embed from Getty Images

في السنوات التي تلت تسليم السلطة، كان نهوض الصين مثيرًا، وقد أصبحت البنية التحتية الاقتصادية التي تربط بين هونج كونج والصين قوية، في العقود القليلة المقبلة، وعندما يتم الانتهاء من مشروع منطقة خليج الصين الكبرى، ستكون هونج كونج جزءًا من المدن الكبرى التي ستضم ماكاو وشنتشن وقوانغتشو وسبع مدن صينية أخرى، تضم 70 مليون شخص وتنتج 37% من صادرات الصين.

وترى الكاتبة أن منطقة الخليج الكبرى لا تبدو متوافقة مع مبدأ «دولة واحدة ونظامان»، ويتطلب المستقبل براعة، والأهم من ذلك كله، احترام الهوية الفريدة لهونج كونج، فلقد برهن تاريخ يمتد لأكثر من 150 عامًا على أن الأمن الاقتصادي والحقوق الدستورية ممكنة في هونج كونج دون أن تشكل تهديدًا للنظام الصيني.

تحذير من تكرار أخطاء الماضي

وقالت الكاتبة: إن المتظاهرين في بكين في عام 1989 حملوا لافتة كتب عليها «نفتح طريقًا جديدًا، الطريق الذي فشلنا في اتباعه منذ فترة طويلة»، معتبرة أنها تحذير لنا من تكرار ما حدث في الماضي، نداء بعدم الفشل مرة أخرى، فطوال 30 عامًا، فرضت الصين رقابة صارمة على كل ذكر لمظاهرات ومذبحة تيانانمن، وتواصل الحكومة اعتقال واحتجاز أولياء أمور المسنين لأولئك الذي قضوا في تلك المجزرة، وحتى الآن، لا يزال هؤلاء الآباء والأمهات وقد طعن بهم السن يتذكرون ذويهم المفقودين وكذلك احتجاجهم الضائع.

ظل تشاو زييانغ رهن الإقامة الجبرية لمدة 16 عامًا تقريبًا دون توجيه تهمة إليه، وفي كتاباته الخاصة، أصبح يؤمن بضرورة حماية الصحافة الحرة والقضاء المستقل من بين الإصلاحات الأخرى، لم يدافع فقط عن حب البلد – ثقافة الصين ونفوذها وقوتها – بل عن حب أكثر أصولها استثنائية، أي شعبها.

واختتمت الكاتبة بالقول: إن «وفاة تشاو في عام 2005 خضعت للرقابة في الصين؛ لكن في هونج كونج، شارك 15 ألف شخص في وقفة احتجاجية لتأبينه على ضوء الشموع. لقد ودعت هونج كونج بصدقٍ ما لم تستطع الصين السماح لنفسها ببكائه. ولا تزال تفعل».

كيف تحولت هونج كونج من جزيرة مهجورة إلى أحد أهم مراكز العمال في آسيا؟ 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد