كيف يمكن أن تصبح دمشق الساحة التالية للمنافسة الجيوسياسية بين مراكز القوى العربية في المنطقة وإيران؟

نشرت مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت»، التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة، نقلًا عن موقع «العربي الجديد»، مقالًا لجورجيو كافيرو، مؤسس شركة «جلف ستيت أناليتيكس»، وهي شركة استشارية للمخاطر الجيوسياسية تتخذ من واشنطن مقرًّا لها، تحدث فيه عن آفاق تطور العلاقات العربية السورية لا سيما مع الجهود الأخيرة التي تبذلها الإمارات لإعادة النظام السوري إلى حظيرة القيادات العربية، وأثر ذلك في كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. 

نصر إيراني أم تقدم إماراتي؟

يقول جورجيو في مستهل مقاله: قبل سنوات قليلة فقط، كانت إيران تكافح لدعم النظام السوري عندما كانت مسألة بقائه في الحكم على المحك في خضم حرب أهلية مروِّعة. وكانت المليشيات المسلحة، التي تلقت مبالغ مالية ضخمة من عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، هي التي تولَّت محاربة نظام الأسد الاستبدادي.

ولكن الأمور تغيرت اليوم، وأصبحت إيران ترقب عن كثب الممالك الخليجية وهي تتصالح مع فكرة بقاء نظام الأسد. وتُعد أبوظبي هي المحرك الرئيس من بين دول مجلس التعاون الخليجي لجهود إعادة تأهيل الحكومة السورية، والتي برزت مؤخرًا بزيارة وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، إلى دمشق حيث التقى هو والوفد الإماراتي بالأسد. ومن نواحٍ كثيرة، تُعد هذه الزيارة الأخيرة إلى دمشق والتطبيع العام للعلاقات مع سوريا في المنطقة العربية انتصارًا كبيرًا للجمهورية الإسلامية، بحسب رؤية الكاتب.

Embed from Getty Images

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده: «هذا الأمر يصب في مصلحة جميع دول المنطقة، وإيران لا تُرحب بهذه العملية فحسب، بل تبذل قصارى جهدها أيضًا لتسريع استئناف العلاقات بين الدول العربية وسوريا»، إلا أن الإيرانيين لا يعلمون ما الذي سيحدث بعد هذا التطبيع مع سوريا، وكيف ستبدو علاقات دمشق الدبلوماسية التي أعيد تطبيعها مع قائمة متزايدة من العواصم العربية من الناحية الجيوسياسية في الشرق الأوسط الكبير، وقد تكون هناك تداعيات مهمة للتنافسات المستمرة على مدى عقود بين بعض مراكز القوى العربية وإيران.

إنقاذ سوريا من القبضة الإيرانية

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن الواضح أن الإمارات ودولًا عربية أخرى في العالم العربي التي عادت لتقبل نظام الأسد، لا تصوِّر تقاربها مع دمشق بوصفه نصرًا ضخمًا لإيران، بل على العكس من ذلك، فإن الرسالة التي بعثت بها أبوظبي هي أن إعادة تواصلها مع سوريا على مدى السنوات القليلة الماضية كانت تهدف إلى إعادة سوريا إلى حظيرة المنطقة العربية، وتقليل اعتمادها على إيران.

الربيع العربي

منذ شهرين
الغنيمة الدموية.. ماذا ربحت روسيا بعد 6 سنوات من التدخل في سوريا؟

ووفقًا لبعض التقارير، حققت زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدمشق هدفًا إيجابيًّا واحدًا، على الأقل، وهو إضعاف القبضة الإيرانية على سوريا ما بعد الحرب، ثم بعد وقت قصير من توجه كبير الدبلوماسيين في أبوظبي إلى دمشق، بدأ بعض النقَّاد ووسائل الإعلام الحديثَ عن عودة جواد غفاري، قائد فيلق الحرس الثوري في سوريا إلى إيران. 

وينقل الكاتب عن مصادر مؤكدة، كانت مغادرة الغفاري لسوريا نتيجة لتزايد النفوذ الإماراتي على دمشق. بيد أن المصادر السورية والإيرانية تؤكد أنه عاد إلى إيران لأسباب أخرى؛ أي إن الأسد لم يُبعد قائد الحرس الثوري الإيراني لإرضاء الإماراتيين. 

وعلى أي حال، يمكن أن تصبح سوريا بسهولة دولة تتزايد فيها المنافسة الجيوسياسية والجغرافية الاقتصادية بين طهران وأبوظبي، وهو أمر يضع دمشق في موقف صعب؛ فمن ناحية، بذلت إيران جهدًا كبيرًا لمساعدة نظام الأسد على البقاء في الحكم خلال العقد الماضي، ومن ناحية أخرى، فإنه من بين الدول التي تربطها علاقات جيدة مع النظام السوري، يبدو أن الدول الصديقة للولايات المتحدة في مجلس التعاون الخليجي هي فقط التي لديها الوسائل التي تستطيع من خلالها التأثير في الولايات المتحدة لتهدئة موقفها تجاه الحكومة السورية. ويعي النظام السوري جيدًا مدى فاعلية الإمارات في ممارسة الضغط على عدد من العواصم الغربية.

النظام السوري بين إيران والإمارات

يلفت التقرير إلى ما قاله د.جوشوا لانديس، الزميل غير المقيم في معهد كوينسي وأستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، في مقابلة مع موقع «العربي الجديد»: «يدرك الأسد تمامًا الدَّين الذي في عنقه لإيران التي كانت عاملًا رئيسًا في إبقائه في الحكم، وهو لن يتخلى عنها، إلا أن دول الخليج فقط هي التي تمتلك نفوذًا على واشنطن يمكن أن يساعد سوريا في تخفيف العقوبات الأمريكية التي تخنق الاقتصاد السوري».

Embed from Getty Images

وبحسب الكاتب، فلا يرى كل من هم في طهران التقارب السوري الإماراتي أمرًا إيجابيًّا؛ فهناك بعض الأصوات في الجمهورية الإسلامية تُبدي تخوُّفات من أن تَضعُف العلاقة الإيرانية السورية نتيجة إعادة العلاقات الرسمية بين دمشق ودول مجلس التعاون الخليجي التي دعمت سابقًا الجماعات المناهضة لنظام الأسد.

وورد في مقال نشرته صحيفة «طهران تايمز» في 13 من نوفمبر (تشرين الثاني) حول التقارب الإماراتي السوري ما يلي: «كانت الإمارات العربية المتحدة واحدة من مجموعة الدول التي سعَت على مدار العقد الماضي لإطاحة الحكومة السورية، وفشلهم في تغيير النظام في دمشق لا يعني أنهم أصبحوا حلفاءً لسوريا بين عشية وضحاها».

ولكن بعض المحللين يعتقدون أنه ليس هناك من سبب يدفع إيران للشعور بالتهديد من التقارب بين أبوظبي والأسد، لأنه لا توجد أسباب حقيقية للاعتقاد بأن الأسد سيتخذ خطوات للابتعاد عن الجمهورية الإسلامية.

مصالح إيرانية سورية مشتركة

وكتب الدكتور علي بكير، أستاذ مساعد وباحث في مركز ابن خلدون للدراسات الإنسانية والاجتماعية في جامعة قطر: «سيستغل كل من الأسد وطهران التقارب الإماراتي والعربي لتعزيز موقفيهما، بعبارةٍ أخرى، ستموِّل الإمارات عودة الأسد سياسيًّا ودبلوماسيًّا وماليًّا، ومن ثم تعميق النفوذ الإيراني، وعلى مدى سنوات، حاول الإيرانيون تحقيق هذه الأهداف ولكن دون جدوى، واليوم هناك جهة على استعداد لتحقيق هذه الأهداف بالنيابة عنه».

عربي

منذ شهرين
مترجم: هل تعطي أزمة الطاقة في لبنان نظام الأسد فرصة لاستعادة الشرعية الدولية؟

وفي الوقت الحالي، الإمارات عازمة على قبول الأسد مجددًا في صفوف القادة العرب «الشرعيين». ومع أن أبوظبي تفعل ذلك باسم سعيها وراء عدة أهداف، من بينها إخراج النفوذ الإيراني من سوريا، يبقى أن نرى مدى النجاح الذي يمكن للإماراتيين تحقيقه في سوريا. ويلفت الكاتب إلى أن أحد المتغيرات المبهمة في المعادلة تتعلق بالرياض.

يقول د. لانديس: «إذا تمكنت الإمارات من إقناع السعودية بدعم إستراتيجيتها في سوريا، مستخدمةً الحجة التي تقول إن الطريقة الوحيدة لتقزيم موقف إيران في سوريا هي مشاركة دول الخليج في إعادة إعمار سوريا وضمِّها إلى الدول العربية، فأعتقد أن إسرائيل والولايات المتحدة ستلحق بأبوظبي والسعودية». ويؤكد د. لانديس قائلًا: «ستكون السعودية هي المفتاح».

ما موقف إسرائيل؟

يتساءل الكاتب: ما الذي تعنيه المصالحة بين دمشق وأبوظبي لاتفاقيات أبراهام؟ ربما لن يكون من غير المنطقي افتراض أن الفاعلية الإماراتية تستلزم الآن أو لاحقًا محاولة إدخال سوريا في اتفاق سلام مع إسرائيل، بحسب الكاتب، فإلى جانب الإمارات، طبَّعت الدول الثلاث الأخرى، وهي البحرين والسودان والمغرب، علاقاتها مع إسرائيل العام الماضي نتيجة تسهيل كبير قامت به أبوظبي، ولم يكن مفاجئًا أيضًا، أن تُقلِع رحلة نجل خليفة حفتر، صدام حفتر، الأخيرة إلى إسرائيل من دبي.

ومن المؤكد أن انضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام ليس أمرًا سهلًا، فما الذي ستحصل عليه سوريا في مقابل ذلك؟ إذ يرى الكاتب أنها لن تستفيد شيئًا سوى نهاية حرب واشنطن المالية عليها. 

Embed from Getty Images

ولكن إذا أصبح هذا الأمر سيناريو محتملًا، فلا شك أن طهران ستستخدم كل نفوذها في سوريا لمنعه، وفي ظل هذه الظروف، ربما يقول الإماراتيون لنظام الأسد: «ابقَ مع طهران إن أردت، وابقَ معزولًا وخاضعًا لعقوبات شديدة، أو اطرد هذه المليشيات المدعومة من إيران، وتقارب معنا، وسنساعدك على التطبيع تدريجيًّا مع واشنطن». 

إلا أن بعض الخبراء لا يأخذون إمكانية حدوث هذا السيناريو على محمل الجد، ما لم تَعُد مرتفعات الجولان المحتلة تحت سيطرة الحكومة السورية. وقال د.لانديس: «لا أعتقد أن الأسد يستطيع التطبيع مع إسرائيل دون صفقة جيدة بشأن الجولان والتخلي عن حزب الله»، وأضاف: «يبدو أن هذا بعيد المنال اليوم للأسد، ولكن يمكنه أن يعمل على الحد من جهود إيران وحزب الله لبناء قواعد صاروخية بالقرب من الجولان وإسرائيل، فهذا ربما يُعد نصرًا كبيرًا لإسرائيل وللأسد الذي لا بد وأنه سئِم الهجمات الإسرائيلية المتكررة على قواعده العسكرية والبنية التحتية الأمنية، ولا يبدو أن إيران تعلمت الدرس الذي تحاول إسرائيل توصيله لها في سوريا، لكن ربما فعل الأسد».

الاقتصاد السوري وقانون قيصر

يلفت الكاتب إلى أنه فيما يتعلق بالاقتصاد السوري، فإن أحد العوامل التي ستساعد في ضمان إبقاء اليد العليا لإيران على دول مجلس التعاون الخليجي، مثل الإمارات، هو قانون قيصر. 

الربيع العربي

منذ 8 شهور
«هآرتس»: كيف خسر الأسد الاقتصاد السوري لصالح روسيا وتركيا والمعارضة المسلحة؟

وكانت العقوبات الأمريكية الشاملة، التي فرضتها واشنطن في عهد ترامب، تستهدف الشركات والمؤسسات والأفراد (السوريين وغير السوريين) الذين يتعاملون مع قطاعات الاقتصاد السوري التي يسيطر عليها النظام. وعمليًّا، يمنع هذا الأمر أي شخص في أي مكان كان، من أن يكون شريكًا محتملًا في إعادة إعمار سوريا دون التعرض لخطر الاستهداف بقانون قيصر.

ويختتم الكاتب مقاله بقول علي أحمدي، المحلل الجيوسياسي المقيم في طهران: «يلعب قانون قيصر بالتأكيد دورًا في ضمان عدم تعزيز أي مستوى رئيس من الرعاية المالية الخليجية داخل سوريا، والعقوبات الأمريكية تغلق مجموعات مختلفة من الموارد المالية خارج سوريا، وستكون دول مثل إيران وروسيا والصين مسؤولة إلى حد كبير عن إعادة الإعمار».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد