الحشد العسكري الروسي قرب حدود أوكرانيا هو الأكبر منذ عام 2014.

كتبت إيمي ماكينون، مراسلة الأمن القومي والاستخبارات في مجلة «فورين بوليسي»، تحليلًا نشرته المجلة الأمريكية عن الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا وتصعيد التوتر مع أوكرانيا وما وراء هذه الظواهر الجديدة، وهل تأتي هذه التوترات باعتبارها رد فعل على التطورات الداخلية في روسيا أم إنها ناجمة عن مخاوف موسكو من أوكرانيا مع قدوم إدارة بايدن الجديدة. 

وفي مطلع تحليلها، أشارت الكاتبة إلى استمرار الحشد العسكري الروسي بالقرب من الحدود الأوكرانية هذا الأسبوع، مما أدَّى إلى تعميق القلق العالمي بشأن نوايا موسكو النهائية في ظل تصعيد كبار المسؤولين الروس ووسائل الإعلام الحكومية لخطابهم التحريضي.

وتشير الكاتبة إلى أن ما بدا وكأنه استعراض للقوة إزاء إدارة بايدن الجديدة أصبح شيئًا أكبر من ذلك على ما يبدو. وتظهر مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي قوافل من المركبات العسكرية تصل إلى المنطقة من أماكن بعيدة مثل سيبيريا، وفقًا لتحليل أجرته مجموعة استقصائية مفتوحة المصدر تسمى فريق استخبارات الصراع. وتتجمع القوات جنوب مدينة فورونيج الروسية، على بعد حوالي 155 ميلًا من الحدود مع أوكرانيا – بعيدة بما يكفي بحيث يبدو الغزو الفوري غير مرجح، ولكنها قريبة بما يكفي لإثارة التوتر.

ليست مناورة عادية

وأوضحت الكاتبة أن تحركات القوات من المناطق العسكرية الغربية والجنوبية تتجاوز بكثير ما يمكن توقُّع أنه مناورة عادية من النوع الذي نفذته روسيا مؤخرًا. يقول كيريل ميخائيلوف، الباحث في فريق استخبارات الصراع، إن الأمر المحير والمقلق في الوقت نفسه بشأن الحشد العسكري في فورونيج هو موقفه الهجومي الواضح. وتقع المنطقة على حدود أوكرانيا التي تسيطر عليها الحكومة، وليس على حدود المناطق الانفصالية في دونيتسك ولوهانسك، حيث يعتمد الوكلاء المحليون على الدعم الروسي.

Embed from Getty Images

وترافق الحشد العسكري مع زيادة التهديدات من جانب المسؤولين الروس. ويوم الخميس حذَّر ديمتري كوزاك، المسؤول البارز في الكرملين، من أن تصعيدًا كبيرًا في الصراع من شأنه أن يمثل «بداية النهاية لأوكرانيا». وفي الوقت نفسه، ألمحت روسيا إلى أنها تستعد للتدخل، إذ سعت إلى تصوير أوكرانيا على أنها معتدية بتحذيرات من أن كييف تستعد لتطهير دونباس عرقيًّا من الروس. ويوم الجمعة، حذَّر السكرتير الصحفي الروسي، ديمتري بيسكوف، من أن روسيا قد تضطر للتدخل في حالة وقوع «كارثة إنسانية مماثلة لسربرينيتشا»، في إشارة إلى الإبادة الجماعية لأكثر من ثمانية آلاف مسلم بوسني على يد القوات الصربية في يوليو (تموز) 1995.

أمريكا تدين الاستفزازات الروسية

ونوَّهت الكاتبة إلى أنه في يوم الخميس، قالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين بساكي إن الولايات المتحدة تشعر بقلق متزايد من «تصعيد الاعتداءات الروسية» في المنطقة. وفي يوم الجمعة، تحدث وزير الخارجية أنتوني بلينكين مع نظيره الألماني، هايكو ماس، حيث شددا على أهمية الوقوف إلى جانب أوكرانيا ضد «الاستفزازات الروسية الأحادية الجانب».

وألمحت الكاتبة إلى أن الصراع والخطاب العدائي كان قد اشتعل دوريًّا منذ أن أنهى اتفاق السلام لعام 2015 أسوأ المعارك وأدَّى إلى حالة من الجمود غير المستقر. لكن من الواضح أن الزعماء الغربيين قلقون. وفي يوم الخميس، ذكرت شبكة سي إن إن أن الولايات المتحدة تدرس إرسال سفن حربية إلى البحر الأسود لإظهار الدعم.

يقول مراقبو الصراع منذ مدة طويلة إن الغزو الشامل أمر غير مرجح. وقالت أندريا كيندال تايلور، مدير برنامج الأمن عبر المحيط الأطلسي في مركز الأمن الأمريكي الجديد، والتي شغلت سابقًا منصب نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية لروسيا وأوراسيا في مجلس الاستخبارات الوطني: «أعتقد أن الجميع يقفون في مكان مماثل؛ حيث نراقب جميعنا الأمور عن كثب. ولا زلتُ أعتقد أن الأمر (الحشد الروسي على الحدود الأوكرانية) لا يعدو كونه إشارات واستعراضات، ولكن من الواضح أن لا أحد على استعداد لاستبعاد حقيقة أنه يمكن أن يتحول إلى شيء أكثر خطورة».

سبب الحشد غير واضح

وتوضح الكاتبة أن سبب الحشد لا يزال غير واضح، لكن الخبراء يشيرون إلى العوامل المحلية في روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. واستمرت شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الانخفاض إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. ولا يزال الكرملين يصارع الجائحة، وفي يناير (كانون الثاني)، شهدت روسيا احتجاجات حاشدة في الشوارع في جميع أنحاء البلاد في أعقاب اعتقال زعيم المعارضة أليكسي نافالني، الذي أضرب عن الطعام الأسبوع الماضي للمطالبة بالعلاج الطبي بعد تدهور حالته الصحية. 

تقول كيندال تايلور: «هناك عدد كبير من خطوات المواجهة المتزايدة تخرج من الكرملين»، بما في ذلك الإهانة الأخيرة لكبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في رحلته إلى موسكو وقرار استدعاء السفير الروسي في الولايات المتحدة للتشاور إلى أجل غير مسمى. وأضافت: «يبدو الأمر كما لو أن بوتين يحشد الدعم لرواية روسيا المحاصرة».

زيلينسكي ليس ساكاشفيلي

وأضافت الكاتبة أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتَّخذ موقفًا متشددًا على نحو متزايد ضد روسيا، وفرض عقوبات على حليف بوتين فيكتور ميدفيدشوك وأغلق ثلاث محطات تلفزيونية تسيطر عليها الأوليغارشية الأوكرانية مع انخفاض معدلات التأييد له وسعيه لإنهاء الحرب.

Embed from Getty Images

وقد تعتقد موسكو أن بإمكانها استفزاز زيلينسكي ليقوم بخطوة غير متوقعة في دونباس، لكي يبرر رد الفعل الروسي – مثلما فعلت في جورجيا في عام 2008 عندما تعثر الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي في الحرب بشأن إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي.

يقول مايكل كوفمان، كبير الباحثين في مركز التحليلات البحرية CNA: «يبدو أن النخب القيادية في موسكو تنظر إلى زيلينسكي على أنه من نوع ساكاشفيلي». وأضاف: «ولهذا التصور، رغم أنه قد يكون غير دقيق، عواقب عالمية حقيقية».

على الجانب الآخر، هناك الإدارة الجديدة في واشنطن. والرئيس الأمريكي جو بايدن على دراية بأوكرانيا، حيث عمل باعتباره المسؤول المكلف من قبل الرئيس السابق باراك أوباما لحل الصراع. تقول كيندال تايلور: «أعتقد أنه قد يكون هناك بعض القلق في الكرملين من أنه مع قدوم إدارة بايدن، قد يشعر زيلينسكي أنه لديه مجال أكبر للقيام بأشياء لا تحبها موسكو».

واختتمت الكاتبة تحليلها قائلةً: وفي النهاية، قد يرغب بوتين في تكرار ما حدث في عام 2008، لكنه على الطاولة لا يملك الأوراق التي تساعده على ذلك.

يقول تاراس كوزيو، الأستاذ في الجامعة الوطنية غي كييف – أكاديمية موهيلا، متحدثًا في حدث استضافَه صندوق مارشال الألماني يوم الجمعة: «ما يود بوتين فعله ليس الغزو، بل تكرار ما حدث عام 2008 في جورجيا». ولكنه قال: «إن زيلينسكي ليس ساكاشفيلي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد