نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي تقريرًا سلَّط فيه الضوء على سياسات الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن في منطقة الشرق الأوسط والكيفية التي ستحاول من خلالها إسرائيل التأثير على هذه السياسات بما يتواءم مع مصالحها، أو على الأقل بما لا يتعارض مع مخططاتها في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بعمليات ضم أراضي الضفة الغربية أو النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وفي البداية يشير التقرير إلى أن إسرائيل ستسعى جاهدة إلى ترسيخ سياسات دونالد ترامب المؤيدة لإسرائيل في الضفة الغربية وسياساته المناهضة لإيران قبل وصول الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) القادم. ومن أجل تحقيق هذين الهدفين، ستمضي إسرائيل في المسار الأقل خطرًا من خلال التركيز على توسيع عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، بينما تستخدم نفوذها السياسي وجهودها السرية لتقويض المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

المصادقة العاجلة على المستوطنات

بيد أنه في حالة تعثر حكومة الوحدة الهشة في إسرائيل، فإن منافسيها من الجناح اليميني سيدفعونها إلى التفكير في إستراتيجيات أكثر تشددًا، والتي تشمل الخطوة المحتملة لضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى الاستعداد للقيام بمزيد من التحركات العسكرية والسرية أحادية الجانب ضد برنامج إيران النووي ووكلائها الإقليميين.

Embed from Getty Images

وأفاد التقرير أن إسرائيل تُصادِق سريعًا على المستوطنات التي بُنيت حديثًا في القدس الشرقية وتُضفي الطابع الرسمي على الأبنية غير القانونية، التي سبق بناؤها من قبل حول الضفة الغربية، لتعزيز المكاسب الإستراتيجية التي حققتها خلال الأربع سنوات الماضية.

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي صدرت في يناير، قد ساعدت في تشجيع إسرائيل على القيام بمزيد من التوسع الاستيطاني. وفي حين أن بايدن قال خلال حملته الانتخابية، إنه لن يدعم عمليات ضم الأراضي الفلسطينية، لكنه لم يُوضح على نحو لا لبس فيه شكل التغييرات في السياسات التي قد تتخذها إدارته المقبلة لإيقاف مزيد من عمليات بناء المستوطنات.

مكاسب سياسية لليمين الإسرائيلي

ولفت التقرير إلى أن هيئة الأراضي الإسرائيلية (إدارة حكومية رسمية تابعة لوزارة البنى التحتية الوطنية الإسرائيلية) أعلنت في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) أنها ستمضي قدمًا في خطتها لبناء 1257 منزلًا في منطقة «جفعات همتوس» الحساسة نظرًا لقربها من القدس الشرقية.

وإلى جانب أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تُقوِّض إقامة دولة فلسطينية في المستقبل، فإنها تُوفر لإسرائيل الحماية الأمنية، وتُكرِّس لسيطرة إسرائيلية دائمة بحكم الأمر الواقع على طول الطرق السريعة والطرق التي تزود الفلسطينيين بالإمدادات. 

وألمح التقرير إلى أن عدم الاستقرار السياسي داخل إسرائيل سيُؤدي إلى تفاقم المخاطر الناجمة عن زيادة عمليات ضم الأراضي في الأشهر القادمة، مع مواجهة الحكومة الإسرائيلية لضغوط متصاعدة من المستوطنين المنتمين إلى جناح اليمين الذين يتملكهم الغضب بسبب فشلها في ضم بعض أراضي الضفة الغربية كما وعدت في يوليو (تمَّوز) الماضي.

دولي

منذ أسبوعين
«هآرتس»: هؤلاء مرشحو بايدن لوزارة الخارجية.. كيف سينعكس هذا على مصالح إسرائيل؟

وتُرجم هذا الغضب إلى مكاسب سياسية لصالح حزب «يمينا»، وهو حزب قومي مؤيد للاستيطان يقوده نفتالي بينيت أحد المنافسين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وسيُؤدي إضعاف حكومة الوحدة المتداعية التي يقودها نتنياهو، أو حتى انهيارها إلى تعزيز القوى المؤيدة لعمليات الضم في البلاد.

وأضاف التقرير أن الانقسامات السياسية تضرب أوصال حكومة الوحدة الإسرائيلية. وإذا ما استمر الفاعِلَان الأساسيَان في هذه الانقسامات، وهما نتنياهو ووزير الدفاع بيني جانتس، في توجيه الضربات الشديدة لبعضهما البعض، فربما يُؤدي هذا الأمر إلى تآكل الثقة بالقدر الكافي الذي يُسبب انهيار الحكومة في نهاية المطاف. وتُشير استطلاعات الرأي الراهنة إلى أن نتنياهو سيُواجه منافسًا بارزًا مؤيدًا للمستوطنين والاستيطان، وهو بينيت وحزبه «يمينا» في مثل هذه الظروف.

بايدن قد يُكرر الأمر نفسه

ويخلُص التقرير إلى أن إسرائيل ستُركز على توسيع المستوطنات في الضفة الغربية وتقويض المفاوضات الأمريكية الإيرانية في الوقت الذي تسعى فيه إلى تعزيز مكاسبها التي حققتها في عهد ترامب. وفيما يخص إيران، ستحاول إسرائيل التأثير على أي نقاشات سياسية أمريكية بشأن الوتيرة التي يُمكن بها العودة إلى المفاوضات مع طهران ونطاقها وسرعتها.

وتشعر إسرائيل بقلق شديد من أن تفعل إدارة بايدن الشيء نفسه وتجري مفاوضات لإبرام صفقة جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي فحسب من دون التعامل مع وكلاء إيران الإقليميين في لبنان، وسوريا، والعراق، أو تناول عداوتها مع إسرائيل أو التطرق إلى قدرة طهران على تطوير تقنيات تمهد لها الطريق للوصول إلى إنشاء منظومة أسلحة نووية.

واستشهد التقرير بمقال رأي نُشر في 13 سبتمبر (أيلول)، انتقد فيه بايدن سياسة إدارة ترامب المتشددة تجاه إيران في ظل حملتها «أقصى ضغط» (لدفع طهران نحو الجلوس حول طاولة المفاوضات للتوقيع على اتفاق نووي جديد)، بالإضافة إلى انسحاب البيت الأبيض من الاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسميًّا باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)» في عام 2018. وأعرب بايدن أيضًا عن انفتاحه للدخول سريعًا في الاتفاق النووي الإيراني أو خطة العمل الشاملة المشتركة إذا عادت إيران إلى الالتزام الكامل بها.

الضغط باستخدام التسريبات والمعلومات الاستخبارية

وتوقَّع التقرير أنه عندما يحدث ذلك فستضغط إسرائيل على واشنطن عبر استخدام بعض التسريبات والمعلومات الاستخباراتية السرية لتصوير إيران على أنها طرف سيء النية. وفي محاولة لربط إيران بتنظيم القاعدة، يبدو أن إسرائيل على الأرجح هي التي سربت الأنباء الأخيرة بأن أبا محمد المصري، الرجل الثاني في قيادة الجماعة الجهادية العالمية، قد اغتِيل في عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة في أغسطس (آب). وربما تحتفظ أجهزة إسرائيل السرية والاستخباراتية بمعلومات استخبارية سرية أخرى ستسعى لتسريبها لتقويض سمعة إيران الدولية والتأثير على عملية التفاوض.

وصحيحٌ أن عددًا ليس بكثير من النواب الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل، ومنهم النائب المخضرم إليوت إنجل والسيناتور الجمهورية مارثا ماكسالي، فقدوا مقاعدهم في انتخابات 2020، إلا أن الكونجرس، وخاصة مجلس الشيوخ الذي ينبغي فيه الحصول على التصديقات والموافقات على المعاهدات والاتفاقيات، لم يزل مؤيدًا لإسرائيل بصورة كبيرة. وتُعد هذه الأصوات المؤيدة لإسرائيل بمثابة إشارات تفهم منها إيران أن الاتفاق مع بايدن ربما يخضع لسيناريو عملية الانسحاب نفسها التي أجراها ترامب، ومن ثم تقويض الثقة في المفاوضات.

وأبرز التقرير أن إسرائيل كشفت علنًا، في أبريل (نيسان) 2018، عن معلومات استخباراتية بشأن ما يُطلق عليه «الأرشيف الذري» السري لطهران قبل انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو ما ساعد على تأجيج الدعوات المطالبة بالانسحاب من الاتفاقية في الولايات المتحدة.

استفزاز إيران لتقويض سمعتها

ونوَّه التقرير إلى أن إسرائيل ستفكر أيضًا في محاولة استفزاز إيران سرًّا، أو حتى عسكريًّا، لجر إيران إلى الانتقام الذي قد يؤدي إلى تقويض سمعة طهران الدبلوماسية. لكن شن إسرائيل هجومًا مباشرًا على المنشآت النووية الإيرانية سيظل أمرًا غير وارد من دون دليل دامغ على وجود طموحات نووية وشيكة من إيران.

دولي

منذ أسبوعين
مترجم: بدون انتظار الكونجرس.. 9 قرارات يمكن أن يتخذها بايدن فور تسلّمه المنصب

وللمساعَدة في الضغط على إيران من أجل التفاوض والتخلي عن برنامجها النووي، أعلنت إسرائيل في 2012 عن «خطوطها الحمراء»، ومن بينها وصول مستوى تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20٪. إلا أن إسرائيل لم تُنفِّذ الإستراتيجية نفسها علنًا هذا العام، وهو ما يُشير إلى أنها، في الوقت الراهن على أقل تقدير، لا تشعر بالقلق حتى اللحظة من التطورات النووية الإيرانية. ومع ذلك لا يُعوِّل الجناح اليميني الإسرائيلي على البرنامج النووي الإيراني، ويمكن أن يظهر بوصفه قضية سياسية إذا تعثرت حكومة الوحدة الإسرائيلية.

وفي الختام أكد التقرير أن إسرائيل نفَّذت غارات جوية في لبنان، وسوريا، والعراق، بهدف تقويض تأثير إيران العسكري الإقليمي، وكان آخرها هجوم 17 نوفمبر على القوات الإيرانية في سوريا. وأثارت بعض هذه الهجمات حفيظة إيران فأقدمت على الرد والانتقام من إسرائيل أو القوات الأمريكية أو حلفاء الولايات المتحدة مثل سفارة البحرين في العراق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد