كتبت أناييز نين، المؤلفة الأمريكية الشهيرة في تحليل أحكامنا على الآخرين، قائلة: «نحن لا نرى الأشياء على حقيقتها، بل نراها على حقيقتنا». ويتوافق البحث النفسي جيدًا مع هذه الفكرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأحكام الاجتماعية. فالطريقة التي نقيِّم بها الآخرين ليست ناتجة من خصائص شخصياتهم فحسب، بل هي انعكاس لوجهة نظرنا التي تشكَّلت من خلال تجاربنا الحياتية وأهدافنا وقيمنا، فضلًا عن رغباتنا ومخاوفنا الدفينة. والأشياء التي ننتقدها أو نمدحها في الآخرين لا تُخبرنا عنهم فقط، بل تخبر عنَّا أيضًا، وأحيانًا يكون ذلك بطرق مفاجئة جدًّا.

هذا ما استهلت به جوليانا براينز، الأخصائية النفسية والاجتماعية، تقريرها الذي نشره موقع «سيكولوجي توداي» الأمريكي، والذي تحدثت فيه عن أحكامنا التي نطلقها على الآخرين في حياتنا اليومية وما الذي تخبره عن خبايا شخصياتنا.

تتابع جوليانا: إليك خمس نتائج بحثية تلقي الضوء على العلاقة بين الأحكام الاجتماعية والذات:

1-  رؤية الناس من خلال نظارات ملونة

ربما تكون على درجة عالية من القبول للآخر، وهي سمة شخصية تتميز بالدفء واللطف والتعاطف. وربما من غير المستغرب أن ينظر هؤلاء الأشخاص إلى الآخرين نظرة إيجابية، ويركزون على صفاتهم الحميدة ويلتمسون لهم الأعذار عندما يسيئون التصرف.

علوم

منذ شهرين
علم النفس يفسر لماذا تنجذب بعض النساء للقاتل الوسيم

ولكن الباحثين مؤخرًا تحدوا فكرة ما يسمونه بـ«أسطورة بوليانا» وهي الفكرة القائلة إن الأشخاص اللطفاء والمُتقبِّلين للآخر قد أعْمَتهم نظرتهم الإيجابية. وفي الواقع، لا يواجه الأشخاص اللطفاء مشكلة في التعرف إلى السلوك الضار ورفضه، خاصة عندما ينطوي التصرف على تجاوزات مجتمعية مثل الأنانية والجفاء، لكنهم أقل قابلية لإظهاره.

إن السعي لرؤية الأفضل لدى الآخرين صفة تجلب فوائد جمَّة، وربما يكون هذا أحد الأسباب الذي يجعل الأشخاص اللطفاء أكثر سعادة في علاقاتهم وأكثر رضًا في حياتهم. ولكن يحذِّر الباحثون من أن النظرة الوردية لها جوانبها السلبية أيضًا مثل الإحجام عن التعبير عن المخاوف بشأن سلوك مشكلة ما خوفًا من إيذاء مشاعر شخص ما. أو التوتر الناجم عن الانفصال بين المشاعر الخاصة والتعبير العلني. وإذا كنت تعايش موقفًا كهذا، فيجدر بك التفكير في أن اللطف الحقيقي يتطلب أحيانًا التصرف بطرق لا تبدو لطيفة، ولكنها الأفضل لك وللآخرين.

2- إذا كنت لا تحتمل النرجسيين

ترى الكاتبة أنه في هذه الحالة، من غير المرجح أن تكون نرجسيًّا، أما إذا لم تزعجك الشخصيات النرجسية، فربما تحمل أنت بعضًا من صفاتهم.

Embed from Getty Images

وفي إحدى الدراسات، كان المشاركون الذين حصلوا على درجات أعلى في قائمة الشخصية النرجسية أقل انتقادًا للملفات الشخصية التي تُظهر ميولًا نرجسية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، مثل تحديث الحالة باستمرار أو مشاركة منشورات من قبيل «لو كنتُ أنا أدير هذا المكان، فسيكون أكثر نجاحًا»، من أولئك الذين أحرزوا درجات أقل. وبدلًا من ذلك، كان المشاركون النرجسيون أكثر انتقادًا للملفات الشخصية التي تُظهر التواضع والبساطة والتي تتميز بتحديثات أقل للحالة، ومنشورات تُعبر عن الشكوك الذاتية.

ويأتي أحد التفسيرات لهذه النتائج من الدراسات التي تُشير إلى أننا نميل إلى الإعجاب بالأشخاص الذين يشبهوننا. يقول الباحثون إن النرجسيين، الذين يبدو أن لديهم بعض الوعي بنرجسيتهم، قد ينظرون إلى النرجسيين الآخرين على أنهم «أشقَّاء الروح» أو يحترمون شخصياتهم المهيمنة. ولكن إذا كان الرفيق النرجسي يمثل تهديدًا أو مصدرًا للمنافسة، فهذه مسألة أخرى.

3- الحكم على شخص من تصرف واحد فقط

من المرجح أن يكون لديك نموذج مستقل للذات يركز على الاستقلالية والدوافع الداخلية. وعلى النقيض من ذلك، هناك احتمال أكبر أن الأشخاص الذين لا يربطون بين السلوك والشخصية بقوة لديهم نموذج اتكالي للذات يشدد على الأدوار الاجتماعية والسياق.

وفي دراسة توضح هذا التفاوت، عُرِض على المشاركين سلسلة من الوجوه والسلوكيات المرتبطة بها (على سبيل المثال: يفحص هذا الشخص جهاز إنذار الحريق كل ليلة)، كان المشاركون الذين صُنِّفوا على أنهم يمتلكون نموذجًا مستقلًّا للذات أسرع في ربط الكلمات المتعلقة بالسمات وبالأشخاص (مثل كلمات حَذِر وعصامي لوصف الشخص في المثال السابق)، موازنةَ بالمشاركين في المجموعة التي صُنِّفت على أن لديها نموذجًا اتكاليًّا للذات. وكان الافتراض مبنيًّا على أن المجموعة ذات الشخصيات المستقلة من المرجح أن تأخذ في الحسبان القيود الظرفية عند تفسير السلوك. فربما كان الشخص الذي كان يفحص جهاز إنذار الحريق كل ليلة يفعل ذلك بسبب زيادة خطر نشوب حريق في المنطقة، وليس لأنها سِمة شخصية فيه.

ووجد الباحثون أن النماذج المستقلة للذات أكثر شيوعًا في الثقافات الغربية، بينما النماذج الاتكالية أكثر شيوعًا في الثقافات الشرقية. إلا أن هناك تباينًا داخل الثقافات نفسها يتعلق بعوامل مثل الطبقة الاجتماعية، والمنطقة الجغرافية، والدين، وكذلك الفروقات بين الأفراد.

Embed from Getty Images

إضافة إلى أن هناك بعض الأشخاص الذين يقعون في المنتصف من هذا التصنيف، ويرون أن السلوك يتأثر بالسمات والمواقف. والأمر ليس أن واحدًا من وجهات النظر هذه أصح من الآخر، ولكن عندما نميل إلى الاتكال على اتجاه واحد، فمن المحتمل أن نفقد الحالات التي تؤثر فيها الأشياء فعليًّا في الاتجاه الآخر.

4- إذا كنت تكره شخصًا دون مبررات منطقية

تقول الكاتبة إن ذلك ربما يعود لكونك تشعر تجاهه بالحسد أو تشعر بالتهديد من نجاحه. وهناك كثير من الأسباب التي تجعلنا لا نحب شخصًا ما، ولكن عندما يبدو مستوى الازدراء غير متناسب مع السلوك المسيء، فهذا ينبئنا أن أمرًا آخر يحدث.

ومع أننا قد لا نرغب في أن نعترف بذلك لأنفسنا، فإن هذه المشاعر ربما تكون نابعة من استيائنا من إنجازات هذا الشخص أو حظه الحسن. فمثلًا، إذا فاز زميلك في العمل بجائزة كنت تأمل في الحصول عليها، فقد تجد نفسك فجأة أصبحت أكثر ملاحظة وانزعاجًا من صفاته السيئة. ووفقًا لنموذج صيانة التقييم الذاتي، غالبًا ما يشعر الناس بالتهديد من نجاح المحيطين بهم ويستجيبون لذلك بإبعاد أنفسهم عنهم أو محاولة إسقاطهم، إن لم يكن على أرض الواقع ففي أذهانهم على أقل تقدير.

ولكن الأمر لا يتعلق فقط بنجاح المحيطين والذي من الممكن أن يشعرهم بالتهديد، فالمشاهير عادةً ما يكونون عرضة لعداء غير مفسَّر، كما حدث عندما أشعلت الممثلة آن هاثاواي حركة «هاثا هيترز» أو «كارهي هاثاواي» بعد إلقائها خطابًا حماسيًّا للغاية إثر حصولها على جائزة الأوسكار (من بين أخطاء أخرى متصورة). كما أظهرت الدراسات أن الأشخاص يميلون لتقييم أعضاء المجموعة الناجحة سلبيًّا عندما يكون تقديرهم لذواتهم مهدَّدًا، ويمكن أن يؤدي إعطاء تقييم سلبي لهم بمفرده إلى تعزيز احترام الذات لديهم مؤقتًا.

5- تنتقد شخصًا لأن لديه نمط حياة مختلفًا عنك

يلفت التقرير إلى أن هذا ربما ينبئ عن أن لديك شكوكًا أساسية حول نمط حياتك. وكلنا نريد أن نشعر بالرضا عن مكانتنا في الحياة؛ لذا، عندما نرى شخصًا ينجح بطريقة مختلفة، قد يخلق ذلك شعورًا مزعجًا بالتنافر الإدراكي (الشعور بعدم الرضا). وإحدى الطرق التي تتعامل بها أدمغتنا مع هذا الشعور هي من خلال عملية تسمى المثالية المعيارية، التي تتضمن تصورًا بأن حياتنا هي المثالية ورؤية أولئك الذين لا يتوافقون مع هذا النمط بصورة سلبية أكثر.

Embed from Getty Images

ووجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص يميلون إلى جعل علاقاتهم مثالية، خاصة عندما يرون أن علاقتهم أكثر ديمومة (علاقة طويلة الأمد على سبيل المثال). فمثلًا، كان المنخرطون في علاقات طويلة الأمد أكثر ميلًا إلى الاتفاق، إلى حد ما على الأقل، على أن الأشخاص المرتبطين «أكثر قيمة في المجتمع»، و«يتمتعون بحياة أكثر إرضاءً وذات مغزى» من الأشخاص غير المرتبطين.

ووجد الباحثون أيضًا أن المعيارية المثالية يمكن أن تؤثر في السلوك. فعندما طُلِب من المشاركين المرتبطين قراءة وصف لمرشح افتراضي لمنصب العمدة، الذي كان إما أعزبًا وإما لديه علاقة (كان الوصفان متطابقان فيما عدا ذلك ويتضمنان نقاط القوة والضعف)، كان المرشحون أكثر ميلًا للتصويت إلى المرشح الذي لديه علاقة.

وأظهر المشاركون العزاب أيضًا دليلًا على المعيارية المثالية في بعض الدراسات، ولكن الباحثين لاحظوا أنه نظرًا إلى أن الارتباط يحظى بصورة مثالية على المستوى الثقافي، فمن المرجح أن يواجه العزاب تمييزًا نتيجةً لذلك. وبالإضافة إلى الحالة الاجتماعية، يمكن أن يؤثر التنافر الإدراكي في الحكم الاجتماعي في عديد من ظروف الحياة المختلفة، بما فيها القرارات المهنية وخيارات الطعام والقرارات المتعلقة بالإنجاب.

صحة

منذ سنتين
تميل إلى القلق والانعزال؟ ربما تتبع «نمط الشخصية D» في تقسيم الشخصيات

وتؤكد الكاتبة أنه لا حرج البتة في الاحتفاء بطريقة حياتنا، ولكن عندما يتحول هذا الاحتفاء إلى احتقار الآخرين فهذا يشير إلى أننا لسنا صادقين تمامًا مع أنفسنا بطريقة ما. وغالبًا ما يكون الأمر ببساطة هو أننا نقاوم الاعتراف بالتنازلات التي لا مفر منها، وأننا يمكن أن نستفيد من تبني حقيقة أن جميع المسارات لها إيجابياتها وسلبياتها، وأن الناس يختلفون فيما يصلح لهم وربما لا يصلح لغيرهم. ولكن في بعض الأحيان يشير الإفراط في المثالية إلى وجود شكوك جدية تستحق الاهتمام أكثر من تلك التي قد تنشأ عندما يشعر شخص ما بأنه عالق في علاقة سامة.

وتختم الكاتبة بالقول: هذه بعض من طرق كثيرة تتشكل بها الأحكام الاجتماعية من خلال السمات الفردية. واكتساب نظرة ثاقبة لهذه الروابط لا يعطينا وعيًا ذاتيًّا أكبر فحسب، بل يمكن أن يساعدنا في تحديد التحيزات المحتملة وتعديل أحكامنا وفقًا لذلك. وقد يكون من الأفضل أن نعذر الأشخاص الذين يستحقون ذلك، ولكن كما هو الحال مع الأشخاص اللطفاء، لنمنح أنفسنا نحن بعض العذر عندما يكون لدينا مخاوف مشروعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد