ما الذي يحدث داخل دماغ الإنسان عندما يرى خدع السحر أو الخدع البصرية؟ فهو يراها وهو يعرف أنها شيئًا مستحيلًا. فعندما يطلب منك ساحر ما سحب ورقة من أوراق اللعب (الكوتشينه) فقد تشعر أنك الممسك بزمام الأمور عندما تسحب بطاقة الملكة ذات القلب الأحمر من مجموعة الأوراق التي يقدمها لك الساحر. إلا أن السحرة لديهم استراتيجيات يستخدمونها لإجبار جمهورهم على اختيار أوراق معينة – من استخدام مجموعة أوراق متماثلة جميعًا إلى وضع مجموعة الأوراق بشكل معين في وقت معين بحيث يصبح اختيار ورقة معينة لا مفر منه.

تشير رايتشل بيكر كاتبة التقرير الذي نشر على موقع «ذا فيرج» أن وهم الإرادة الحرة هذا هو أحد الحيل والخدع السحرية الكثيرة التي تحدث عنها جوستاف كون، الساحر الذي تحول إلى باحث بعلم النفس في كلية جولدسميث بجامعة لندن في كتابه الجديد «مواجهة المستحيل: علم السحر (Experiencing the Impossible: The Science of Magic)».

تأثير موتسارت.. هل يمكن أن تزيد الموسيقى الكلاسيكية من معدل ذكائك؟

نُشر هذا الكتاب في شهر مارس (أذار) الماضي من قبل إصدارات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو يتناول الطرق التي يمكن أن تعلمنا من خلالها الحيل والخدع السحرية الكثير عن أدمغتنا. يأخذ كون القارئ إلى الأسس النفسية للحيل السحرية – من الخداع البصري الذي يكشف عن وجود ثغرات في الإدراك إلى إخفاقات الذاكرة التي تجعل الأشخاص يظنون أنهم رأوا كرة تختفي، بينما لم تكن هناك كرة من البداية.

وبحسب الكاتبة، لم يكن تعمق الكتاب وغوصه في عوالم السحر والعلم ممكنًا لولا الخبرة العميقة له في كلا المجالين. بدأ شغف كون بالسحر في سن الثالثة عشر عندما قام صديق له بإخراج بيضه من أذنه. وبعد بقائه في لندن للعمل كساحر محترف قرر كون أخيرًا تحويل انتباهه عن الحيل السحرية نفسها وتوجيهه إلى الأدمغة التي كان يخدعها في عروضه. يقول كون: «كان من الواضح لي دائمًا أنني إذا أردت القيام بحيل سحرية قوية فإنني أحتاج إلى فهم النظام الفعلي الذي يسمح لي بالقيام بتلك الحيل».

خلال أبحاثه لنيل درجة الدكتوراه التي كانت تدور حول الوعي اكتشف كون أن السحر يمثل جزءًا من علم النفس لا يدرسه سوى القليل من العلماء. ويقول: «لقد أدركت أن الكثير من المسائل التي يهتم بها علماء النفس يستغلها السحرة منذ قرون. هذا هو الذي جعلني أفكر في التحول إلى العلم، من أجل سد الفجوة بين السحر والعلم ومحاولة استخدام السحر كوسيلة لفهم الإدراك الإنساني».

كون في الوقت الحالي هو مدير مختبر ماجيك في كلية جولد سميث بجامعة لندن، حيث يقود فريقًا من الباحثين لدراسة الطرق التي يمكن من خلالها أن يساعدنا السحر والخدع في فهم الإرادة الحرة والإدراك، بل وحتى في الأمن الإلكتروني وتصميم الألعاب الإلكترونية. بالنسبة لكون يعتبر السحر نافذة على الطرق المختصرة التي تستخدمها عقولنا لفهم العالم، وعن ذلك يقول: «يتعلق الإدراك بحل المشكلات. إن الأمر وما فيه هو أنك تقوم بتصور العالم من حولك بطريقتك الخاصة وليس وفقًا لما ما هو عليه حقًا. لذلك فإن الرؤية هي عبارة عن اعتقاد في جزء كبير منها».

تحدثت ريشل مع كون حول التفكير السحري والأخبار المزيفة وكيف يرى البشر والكلاب الأشياء بالطريقة ذاتها. وفي ما يلي موجز المقابلة والنقاش الذي دار بينهما:

«علم السحر».. أليس هذا المصطلح متناقض؟

يشير كون أن السبب في عمل السحر ليس أن السحرة لديهم قوى خارقة للطبيعة حقيقية، بل هم في الحقيقة يخطفون أدمغتنا ويتلاعبون بنا ويستغلون الكثير من نقاط الضعف وأوجه القصور لدينا للقيام بخدعهم. على سبيل المثال يقوم السحرة بالسيطرة على نظام انتباهك للتلاعب ما تراه وما لا تراه وهذا هو الجزء الأهم. لكن مفتاح السحر هو أن السحر لا يعمل، إلا إذا كنت لا تدرك هذه القيود.

كما قال: «فكر في موقف يقوم فيه ساحر بأخذ عملة معدنية وينفخ فيها فتختفي. ما الذي يحدث داخل دماغك عندما ترى شيئًا تعرف أنه مستحيل؟ على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية عمل السحرة والعلماء معًا لتجربة ودراسة علم النفس الذي يقوم عليه السحر، ونتيجة لقيامهم بذلك تعلمنا الكثير عن العقل البشري».

تقول الكاتبة موجهة حديثها لكون: «أنت تتحدث عن كيفية تلاعب السحر بإرادتنا الحرة واستغلاله لأوجه القصور لدينا واستخدامه للخداع والتضليل« ثم تسأله: «لماذا يحب الناس ذلك؟». وبحسب كون، فإن السحر يعتبر أحد أكثر أشكال الترفيه دومًا. ويقول ان من البديهي أن لا ترغب في أن يكذب عليك أحد. لكن السحر ينطوي على ما هو أكثر من الخداع البسيط. فالسحر يتيح لنا تجربة الأشياء التي نظن أنها مستحيلة. ويعتقد أن هناك آلية إدراكية عميقة الجذور بداخلنا تجذبنا إلى الأشياء التي لم نفهمها بعد مما يشجعنا على معرفة المزيد عن العالم من حولنا.

Embed from Getty Images

ما هو الشيء الأكثر إثارة للدهشة مما تعلمته عن علم نفس السحر؟

يجيب كون أن هناك الكثير من هذه الأشياء، لكن أبرزهما اثنان، وأولهما هو مدى عدم إدراكنا للعمليات الداخلية. ويقول أننا قد ألفنا الآن حقيقة أنه يمكنك خداع نظام الإدراك الحسي لديك وأنه يمكنك خداع ذاكرتك – لكن حتى الشعور بالإرادة الحرة يمكن خداعه. في بعض حيل أوراق اللعب البسيطة نطلب من الشخص أن يسحب ورقة، ثم نستخدم القليل من خفة اليد والخداع لجعله يسحب الورقة التي نريده أن يسحبها. إنه يشعر بأن لديه حرية تامة في الاختيار، إلا أن اختياره تم التأثير عليه. كما يشدد كون أن الطرق التي يمكننا من خلالها استخدام الحيل السحرية في الواقع لتقويض الإرادة الحرة للشخص مذهلة.

الشيء الثاني بحسب كون يتعلق بمعتقدات الناس حول السحر. ويقول: لقد أجرينا برنامجًا بحثيًا ضخمًا أحضرنا خلاله ساحرًا للتظاهر بأن لديه قوة نفسية. وأحضرنا صفًا كاملًا من الطلاب الجامعيين لمشاهدة أداء الساحر، ثم سألناهم عن أرائهم فيما قام به الساحر. الأمر المثير للدهشة حقًا هو أن نسبة كبيرة من الطلاب صدقوا حقًا أن ذلك الشخص يتمتع بقدرات نفسية.

والأكثر إثارة للدهشة هو أنه حتى عندما أخبرنا المشاركين مُقدمًا أنهم يرون ساحرًا يستخدم الحيل والخداع فإنهم استمروا في تصديق أنه يمتلك قدرات نفسية. هذه التجربة لها انعكاسات مقلقة جدًا حول تفاعلنا مع الأخبار المزيفة لأنها تظهر أنه حتى عندما يرى الناس شيئًا يعرفون أنه مزيف فإنه يبقى يؤثر على معتقداتهم وآرائهم. يعلق كون أننا نحن كبشر معرضون بشدة للتضليل، ونعاني حقًا للتمييز بين الخيال والواقع.

كيف يقوم السحرة بتشتيت انتباه جمهورهم؟

لقد طور السحرة الكثير من التقنيات المتنوعة الرائعة جدًا في حد ذاتها كما يقول كون. عادة ما يفكر الناس في تضليل الانتباه. يتباهى قائلا: «يمكنني أن اسيطر على نظام الانتباه لديك وأؤثر على ما تراه وما يفوتك. أحد أقوى الإشارات التي يستخدمها السحرة هي نظرة العين، فحتى الأطفال حديثي الولادة يتبعون المكان الذي ينظر إليه أي شخص آخر لذلك إذا أردت أن أجعلك تنظر في اتجاه معين أو تحول انتباهك إليه فإن كل ما سأقوم به هو النظر في ذلك الاتجاه. إنه أسلوب قوي جدًا».

كما يقول أنه قد درس ذلك لسنوات عديدة من خلال قياس حركات عيون الناس بينما يقوم بتضليل انتباههم. ووجد أن هذه الإشارات قوية جدًا لدرجة أنه في كثير من الأحيان يكون الأشخاص ينظرون إلى شيء ما، وإذا تم توجيه انتباههم العقلي –أو تضليله- فإنهم يفشلون في رؤية أشياء موجودة أمام أعينهم مباشرة. جميعنا نعتقد بشكل بديهي أننا واعين بمعظم ما يحيط بنا. لكن في حقيقة الأمر بمجرد أن نبدأ في اختبار وعينا الفعلي ندرك ببساطة أننا غير واعين بمعظم الأشياء.

Embed from Getty Images

كيف يمكننا سد هذه الثغرات الإدراكية بحيث لا يمكن خداعنا؟

يرد كون أن هذه التفكير في الأمر بهذه الطريقة خاطئ! هذه الثغرات موجودة ليس لأن أدمغتنا سيئة، بل هذه الثغرات موجودة لأن أدمغتنا رائعة ومدهشة للغاية. تتطلب معالجة المعلومات موارد باهظة، لذلك بدلًا من معالجة كل المعلومات تقوم أدمغتنا بتطوير طرق لاستخدام حيل ذكية جدًا لحل الكثير من هذه المشاكل. هذه الحيل أو الاختصارات التي تتعبها أدمغتنا فعالة جدًا، لكنها يمكن أن تؤدي إلى أخطاء يستغلها السحرة. لكن بدون وجود هذه الأخطاء لن تكون لدينا لقدرة العصبية على معالجة كل تلك المعلومات. يجب أن نحتفل بوجود هذه الثغرات لأنها توضح لنا مدى ذكاء أدمغتنا وليس غباءها.

تقول الكاتبة موجهة حديثها لكون: «تتحدث في كتابك عن كيفية قيام السحرة بعزو تخمينهم الصحيح للأوراق المسحوبة من أوراق اللعب إلى قراءة العقل والقوى النفسية. والآن يتحول البعض إلى تفسيرات غير ممكنة ومبنية على علم زائف مثل قراءة لغة الجسد لتخمين الأوراق المسحوبة». ثم سألته حول أسباب هذا التحول؟ وما الذي يخبرنا به حول ممارسة وتجربة السحر؟

لطالما استخدم السحرة الثقافة الشعبية لاستلهام حيلهم السحرية. خلال العصر الفيكتوري كان السحرة حريصين جدًا على استغلال فكرة الروحانية واستخدموها لتأطير عروضهم السحرية. حيث كان السحرة يقومون بادعاء القيام بأمور مثل التواصل مع الموتى ومحاولة اكتشاف بعض المعلومات السرية عن الأشخاص. في الوقت الحالي أصبح الناس متشككين في الروحانية، لذلك ظهر اتجاه جديد: بدلًا من استخدام السحرة للتفسيرات النفسية لما يقومون به أصبحوا يستخدمون مبادئ نفسية مزيفة.

ويعلق كون أن هذا أمر مقلق للغاية. لقد أجرى بعض الدراسات حول ذلك، فهذه العروض السحرية من الممكن أن تضلل الناس حول ما يعتقدون أنه ممكن. في إحدى هذه الدراسات قام بإقامة أحد تلك العروض السحرية القائمة على المبادئ النفسية المزيفة وأخبر نصف المشاركين أنهم يرون ساحرًا بينما أخبرنا النصف الآخر أنهم يشاهدون أخصائيًا نفسيًا.

Embed from Getty Images

لم يكن لهذا التأطير تأثير يذكر على تفسير الأشخاص لما رأوه، حيث اعتقدوا حقًا أن الساحر استخدم تلك المبادئ النفسية. وهذا من شأنه أن يغذي الاعتقاد بأنه من الممكن استخدام علم النفس لاكتشاف الأشياء أو القيام بأمور غير ممكنة بكل بساطة. وبنفس طريقة استخدام العرافون المحتالون ومحضري الأرواح المخادعون للسحر كوسيلة لتضليل الرأي العام حول الروحانية فإن السحرة اليوم باستخدام تلك المبادئ يضللون العامة حول ماهية علم النفس حقًا.

طلبت كاتبة التقرير من كون أن يتحدث إحدى خدعه المفضلة؛ فقال كون: «إحدى الخدع التي أفضلها والتي قمت بدراستها هي خدعة اختفاء الكرة، حيث يقوم الساحر برمي الكرة في الهواء عدة مرات ثم يتظاهر برميها في الهواء مرة أخرى – ويدعي معظم الناس أنهم رأوها تختفي في الهواء بالرغم من أنها لم تغادر يدهه مطلقًا. يتصرف البشر بنفس طريقة الكلاب عندما تتظاهر بأنك ترمي عصا. نحن لا نركض وراء الكرة، لكن إدراكنا يُخدع بنفس قدر انخداع إدراك الكلاب. إنه ليست أكثر الحيل السحرية إبهارًا، لكنني أرى أن علم النفس الكامن وراءها مقلق للغاية ومذهل للغاية في الوقت ذاته».

لماذا يرى الناس أشياءً لم تحدث بالفعل؟ يقول كون أن السبب في ذلك أننا في الحقيقة نرى المستقبل. الرؤية لا تحدث فعليًا في العين بل تحدث في الدماغ، وتستغرق المعلومات ما لا يقل عن عُشر الثانية للانتقال من العين إلى القشرة البصرية التي تُعتبر جزءًا من الدماغ. والسبب في عدم رؤيتنا للعالم متأخرًا هو أن دماغنا يتنبأ بالمستقبل باستمرار.

لذلك فإن ما نراه على أنه الآن هو ليس ما هو موجود الآن في الحقيقة، بل هو ما يتنبأ عقلك بأن يكون موجودًا الآن بناءً على معلومات سابقة. إن استيعاب هذا المفهوم صعب للغاية. إنه نظام ذكي جدًا، ذكي لدرجة لا تصدق. لكنه قد يؤدي إلى حدوث أخطاء بالتأكيد، وخدعة اختفاء الكرة مثال على هذه الأخطاء. أنت ترى شيئًا تتوقع حدوثه، لكنه لم يحدث بالفعل.

مترجم: هل تنسى كثيرًا؟ 5 خطوات ستساعدك على تطوير قدراتك الذهنية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد